لِكَي لا تَحتَلّ الحَرب أَرواح أَطفالِنا

لِكَي لا تَحتَلّ الحَرب أَرواح أَطفالِنا

 تستمر حرب الأبادة للسنة الثانية على التوالي، وليست الإبادة مُركَّزة بإبادة البشر فقط، بل تشمل هَدم وإبادة البنى التّحتيّة، مِن مؤسسات ثقافية وتربوية وصحيّة وثقافية، وتعدَّتها لتشمل الذّاكرة والتّاريخ، والانتماء لهذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه، وتتوسع لتنالنا من خلال تفعيل مُتزايد لآليات المراقبة، والتخويف والترهيب المتنوّعة ولتضاف إلى آليات التفكيك والشّرذمة والتّجهيل المتّبعة منذ سنوات مُستهدِفةً هندسة وعينا وانتمائنا وانتماء أطفالنا، فكيف لنا ولأطفالنا أن لا نتأثر مِن الممارسات التي تستهدفنا كشعب؟ ليس فقط في غزة بل في القدس والضفة وهُنا حَولنا.

إننا نعيش في واقع أصبحَت فيه الأحداث الصّادمة جزءًا من التّجارب التي نتعرّض لها يوميًّا بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، فكيف لا يؤثّر علينا؟ وعلى أطفالنا؟ كيف لا والواقع ليس عِبارة عن حَدَث صادم له بداية ونهاية، بل أحداث مستمرة لها بُعد تاريخيّ سياسيّ واقتصاديّ ونفسيّ.

الحقيقة أنه لا أَحَد محصّن من احتمال إصابته بالصدمة أو التعرّض لأَزمة وقد عُرِّفت الصدمة على أنها "إدراك حَدَث أو حالة على أنهما صعوبة لا تُحتَمل وتتخطّى إمكانيّات الشّخص وقُدُرات تأقلمه".  والتّشديد هنا على إدراك الحَـدَث وليس الحَدَث ذاته فقط، فكلّ شخص يختبر الأمر بشكل مختلف، لذا فنحن نرى ردود فعل الأطفال متنوعة لكنّها مهما تنوّعت واختلفت، فإنّ الضغوطات غالبًا ما تظهر على شكل أعراض جسديّة، سلوكيّة أو نفسيّة. هنالك بعض التّشابه في ما يشعر به الأطفال عند التّعرّض للطّوارئ والأزمات، وعلينا أن نذكر أنّ كافّة المشاعر هي شرعيّة وغالبًا ما يكفيها الإصغاء، الدّعم والتّفهم من قبل الوالدين أو الدعم النفسي الاجتماعي من قبل الرّاعي المسؤول أو تدخّل علاجي.

يكون ردّ فعل بعض الأطفال مباشرة عند وقوع الحَدَث أو قريبًا منه، وبَعضُهم مَن تمرّ عليهم فترة لا بأس بها إلى أن يقوموا بردّ فعل، فيبدون عند وقوع الحَدَث وكأنّ شيئًا لم يكن، لكن نجدهم بعد فترة يتراجعون ليعايشوا الأَحداث وكأنّها تحدُث الآن. بعض الأطفال لا يستطيعون المواجهة فيكبت ويُنكِر، في مثل هذه الحالة يؤدّي الكبت والإنكار إلى تفاقم الأزمة لدرجة استدامتها. بالمقابل هنالك أطفال يُبدون القدرة على مواجهة الأزمة، ويتعاملون مع الواقع الجديد الذي فُرض عليهم.

تنكشف غالبية أطفالنا للأحداث الصادمة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال ما نُتابعه نحن الكبار، فيشاهدون معنا المعاناة ويسمعون ردود فعلنا حتى وإن حاولنا كَبْتها بحضورهم، فَهُم حساسون لما يَحدث لدينا نحن الكبار. كما أن وسائل التواصل التي يتابعونها ويستخدمونها يوميًّا مليئة بمحتويات مؤذية تؤثّر على مشاعرهم وسلوكهم وتبلور إدراكهم.   

مصدر آخر للصدمة هو ما يعاني منه مجتمعنا من العنف المستشريّ في الشّوارع والأحياء، فلا يمرّ يوم دون خبر واحد، على الأقلّ، يروي حادثة طعن أو رميّ بالرّصاص أو سرقة في وضح النّهار أو دهس أو شجار عنيف. وقد طالت هذه الآفة كلّ المدن والقرى العربيّة في البلاد دون استثناء. بطبيعة الحالّ، الأطفال همّ جزء من هذا المجتمع ويتأثّرون من الظّواهر الّتي يعاني منها المجتمع، وكثيرًا ما تحدث هذه الظواهر أمام أعينهم دون انتباه البالغين بأنّ واجبهم هو حمايّة الأطفال منها. ومع تطوّر وسائل الاتّصال وازدياد التّغطيّة الإعلاميّة لهذه الأحداث، أصبح الأطفال عُرضةً أكثر لمشاهدة مختلف مظاهر العنف، الأمرّ الّذي يؤثّر سلباً على راحتهم النّفسّيّة وعلى شعورهم العامّ بالأمان في البيئة المحيطة بهم. 

يُسهم الانكشاف لمَظاهر العنف السياسي والمجتمعي في بَلوَرة إِدراك الأطفال ومفاهيمهم، فمثلًا عندما سألنا الأطفال في الصفوف الابتدائية خلال عملنا معهم لإعداد حقيبة أمان[i] عن تعريفهم للعنف: "تمّ تعريف الخنق والقتل والطّعن بالرّصاص على أنّه عنيف. بينما لم يشمل تعريفهم للعنف الضّرب، والرّكل، واللّكم، الشّتائم، والصّفعات والصّفق وسحب كرسي من تحت طفل. ولم يحدّد الأطفال أيّ اعتداء لفظيّ بأنّه عنيف على الإطلاق" مما يظهر تأثير ما يعايشونه من عنف وقتل على وعيهم وإدراكهم.  

هذا لا يعني أننا وأطفالنا نحتاج إلى مساعدة خارجيّة من أجل التّعافي والعلاج. فغالبيّة النّاس تتعافى وتستعيد التّوازن بالاعتماد على الغريزة والدّافعيّة الدّاخليّة للعيش بتوازن.  وهذا ما يؤكّد عليه علم النّفس التّحرريّ الذي لاحظ أنّ لدى غالبيّة الناس القدرة والطاقة للتّعافي الذّاتي. كما أنّ المجتمع والدّعم المجتمعيّ يمكن أن يساهم بالتّعافي، خاصّة في المجتمعات التي تعتمد على العيش الجماعيّ والتّكافل الاجتماعي، والتي تفعّل طاقاتها في ظلّ الأزمات بِغَرَض تخطيها معًأ. نرى هذه المجتمعات محصّنة أكثر من تلك التي تتّخذ الفردانيّة أسلوبَ حياة.

لنا دور

لنا دور وقدرة على دعم أطفالنا من خلال الاستماع والحِوار وخَلق بيئة مريحة للتّعبير والنقاش، كما من المهم الاهتمام بالحصانة المجتمعية عامة وتعزيز الانتماء الجماعي، والذّاكرة الجماعيّة والثقة بالذات. فإن إدراكَنا منظومةَ الظّلم المحيطة بنا مثلًا، قد يدفعنا إلى المقاومة ويجعلنا محصّنين أكثر في التعامل مع الصّدمة، فنفعل طاقاتنا ومواردنا للتّعافي والعيش بتوازن. يدفعنا هذا كلّه إلى الدّعوة لإعادة تعريف المفاهيم التي اعتدنا عليها، ودحض هرميّة المُعاناة المتّبعة عادة، ورفض إدراك الواقع كثّنائيّات (أبيض أسود)، فإما أن تكون مقاومًا أو لا، وإما أن تكون ضحيّة أو بطلًا. برأيي، لقد أصبح البَقاء في ظلّ الإبادة مقاومة، وأبسط الأعمال مقاومة، كما علّمتنا غزة العزة، فالقراءة في ظلّ الإبادة مقاومة، والكتابة مقاومة، والغناء مقاومة، والرّقص مقاومة، والعيش مقاومة، أي أنّ أوجه المقاومة والصّمود متعدّدة كما رأينا ونرى على أرض الواقع. وأطفالنا بحاجة إلى دعمنا لبلورة هوية وانتماء تعزز المسؤولية وأخذ زمام المبادرة للخروج من حالة الإحباط واليأس وتعزيز التكافل المجتمعي في الدوائر القريبة لتصل مع الوقت والنمو إلى البعيدة أيضًا.


[i]  إعداد: نبيلة اسبانيولي، غسينة كرم، نهى  حاج، سمر أبوالهيجا، آلاء أبو راس، سناء روحانا، ريم جبالي، د.هالة اسبنيولي - حقيبة "أمان"- "مدارس وروضات محصّنة أمام العنف" إصدار: مركز الطفولة مؤسّسة حضانات النّاصرة- 2020

نبيلة إسبنيولي

نبيلة إسبنيولي

أخصائية نفسية ومديرة مركز الطفولة مؤسسة حضانات الناصرة

رأيك يهمنا