بِلادٌ على هَيئةِ حُبّ

أعزائي، يا مَن تقرأون هذا المقال الآن، اعلموا أنني أكتبُ هذه الأحرفَ والكلماتِ الآن، ونحن في ذروةِ منخفضٍ جويٍ، أَغرَقَ البشر والحجر والشجر في مكانٍ لا يبعدُ عنّا الكثير. وبدأتُ صباحي بتقريرٍ إخباريٍ عن غَرَق الخيام، وانتشال الأطفال من البرد والماء... أَيَا ليتَ هذا التقرير كان حلمًا، لن يتكرّر! وفي الوقت نفسه أُريد الكتابةَ عن تخيّلات فلسطين المُستقبل. أيُّ ضياعٍ أنا فيه الآن، وأيُ ازدواجيةِ أفكارٍ ومشاعرَ تراودني، كيف أتخيّل فلسطين التي أريد... الوطن العربي الذي أريد... الحياة التي أريد... والمستقبل الذي أَرغَب. (أتمنى من حضراتكم ألا تعتقدوا أنني منفصمٌ) بالمشاعر والكلمات... فــنحنُ الفلسطينيون، نحزنُ صباحًا، نتفاءلُ ظهرًا، نكتئبُ عصرًا، نبتسم مساءً، ونبكي وحدَنا في منتصف الليل.

أتساءلُ يا رعاك الله بيني وبين نفسي، ما فائدةُ البلاد؟ أيا سيادتك، ومعاليك، وفخامتك، ودولتك، وسموك... هلّا سمحتَ لي بأن أكون وقحًا وأطلب منك الذهاب إلى الجحيم، ليتسنّى لي الكتابةَ بأريحيةٍ، دون أن تزعجني أنت وحاشيتك؟ ألا انقشعتَ، وانصرفتَ، وتركتَ لنا "بقيةً من بلادٍ، كي لا تَضيع البقية"؟  

أشعر بغضبٍ تجاه نفسي لعدم قدرتي على أن أكتب في ظلّك وفي وجودك. منذ متى استأذنكم حتى اكتب؟ أخزاكم الله بسببٍ أو بدون سببٍ، فكيف أكتبُ عن بلادٍ على هيئةِ حبٍ، وأنا ساخطٌ عليكم؟ 

حسنًا حسنًا.....

أحببتُ فتاةً هناك في بلادٍ قريبةٍ بعيدةٍ، لها عينان برّاقتان، تلمعانِ كلّما نظرتُ إليهما، كما لو أنّني أنظر إلى كناعنةِ البلاد الأصليين. في ابتسامتها بريقٌ يُشعرني- يا حفظك الله- بلمعانِ أمواجِ بحر حيفا، في ساعات الصباح الباكرِ؛ وإذا ما تمعّنت في ابتسامتها، شعرتُ أن الدنيا ملكًا لي، وأنني أتنقلُ في دهاليزها، كطفلٍ يتنقل فرحًا في مدينة ألعاب! 

في حديثها أُنسٌ تفوّق على ليالي الأُنسِ في فيينا. تبدأُ كلامها، فتَسري تردّداتُ صوتها في شراييني، كما يَسري تردّدُ صوتِ الأذانِ من الأقصى للسماء، ويجيبه رنينُ القيامةِ صاعدًا للعَنان. تمشي بجانبي خطوةً، بل خطواتٍ، تضاهي مشيَ غزال الجبل المتفاخرِ بنفسهِ في جبالِ نابلس. 

أحببتُ فتاةً ليست كأيّ فتاةٍ.... لها من سجوِّ اسمها نصيبٌ، تسمع صداه في صمتِ الليالي الثقيلة. لها من عُلو قدرها رفعةٌ تتفاخر به بين الأمم والأعلام، ولها من سُموّ هيبتها طريقٌ تسلكهُ رفقةَ الملكات والصابرين. أحببتُ فتاةً- يا دام عزّك- لم أرَ في حياتي بحضورها ولا رونقها ولا جمالها ولا بهائها ولا سنائها ولا هوائها ولا..... موطني....موطني..... حتى أصبحت موطني، وأنا الذي أدّعي أنني رأيتُ من الفتيات الكثير. 

وبحضور هذه الفتاةِ الملاكِ...أحلمُ بحياةٍ أقلَّ بقليلٍ من الحياة، وربيعٍ أقل اخضرارًا من الربيع، ووطنٍ أصغر بقليلٍ من الأوطان. أحلمُ بفنجانِ قهوةٍ عند الساعة الخامسة والنصفِ صباحًا على مقاهي سيدي بوسعيد الزرقاء، وبعضًا من مناقيش الجبنة العكّاوية في أَحَد مطاعم الحمرا في بيروت الجميلة حوالي الساعة العاشرة صباحًا، وطبقٍ من السَّمك الطازج في أَحَد مطاعم ميناء يافا حوالي الساعة الرابعة عصرًا، لأعود أَدراجي الساعة الثامنة مساءً لشرب كوبٍ من الشاي الممزوج بميرميّة الجبال في رام الله. 

أحلُمُ بعينيك وفنجان قهوةٍ وأغاني فيروز.... أحلم بِحريّةٍ لا تشبهُ الحرية! حريةٍ في عقلي، قَبل قلبي، في وجداني، قَبل روحي، في نَفَسي، قبل نَفسي. أحلم بحرية.... حريةٍ تشبه عيناكِ الكنعانيات... حريةٌ تحاكي ابتسامتك الحيفاوية. أَتَدرون من أين نشتري الحرية؟ 

يا فتاتي الجميلة، وأنتِ القريبةُ البعيدة، أَتَدرين ما يعني أن يتعلّق رجلٌ بوعدٍ صغيرٍ يشبه ضحكتك؟ أن يبني وطنًا كاملًا على بريقٍ في عينيكِ؟ أن يعلّق مستقبلًا على همسةٍ تقولينها في ساعة تَعَب؟ أكتب لكِ الآن، لا لأنني أعجز عن كتابة مقالٍ عن فلسطين المستقبل، بل لأن المستقبل يَبدأ منكِ. مِن قدرةِ إنسانٍ واحدٍ على أن يحلم، رغم أنّه يستيقظ كلّ صباح على صورٍ لا تشبه الحياة. أُريد أن أتخيّل فلسطين، لكنني كلّما أغمضتُ عيني رأيتكِ تمشين على أرصفتها، فأقول: نعم… هكذا سيكون الغد.

أتخيّل الأطفال الذين انتُشلوا من الماء والبرد هذا الصباح، يعودون ليضحكوا في مدارس دافئة، ويكبرون ليكتبوا مقالاتٍ أحسن من مقالتي هذه، ويحبّون أجمل مما أحببتُ أنا. 

وأنتِ…

أراكِ في إحدى صُوَر المستقبل، تقفين على شرفةٍ في رام الله، ترتَشِفين قهوتكِ، وتقولين لي: "ها قد صار الهواءُ خفيفًا، والأرضُ سالمة، فهل ما زلتَ خائفًا من الحلم؟" فأَبتسم… وأشعر أن صوتكِ أخفُّ من غيم الصبح، وأن البلاد كلّها تُزهر كلّما نطقتِ حرفًا. يا فتاتي الجميلة، أنا لا أطلب الكثير من هذا العالم، أريد فقط أن أعيش في مكانٍ يسمح لي بأن أحبّك بلا قيود، وأن أحلم بلا إذن، وأن أكتب بلا أن ترتجف أصابعي خوفًا من خبرٍ عاجلٍ أو صفّارة إنذار.

أريد أن أمشي معكِ في شوارع الجليل دون أن أستذكر لون هويّتي… وأن أزور حيفا دون أن أُوجع روحي… وأن أعبُر نحو غزّة دون أن أفتح جراحي، وأن..... وأن.... وأن أعيش فقط!

أتخيّل…

ويا ليتك تعلمين كَم أحتاج هذا التخيّل كي أستمر.

أتخيّل فلسطين التي ستكبُر فيها بناتي، وطنًا يشبه حضنكِ في الطمأنينة، يشبه ضحكتكِ في الصدق، ويشبه عينيكِ في الوسع.
أتخيّل حدودًا مفتوحة، وجوازات سفرٍ لا ترجف، ومطاراتٍ لا تسأل: "لماذا جئت، ومن أين أنت، وما اسم أمك وأبيك؟"
أتخيّل قُرانا تعود لتزرَع قمحها بيدها، وحقولنا تستعيد لونها، وأمهاتنا لا ينتظرن أبناءهنّ عند بوابةٍ عسكرية.

وإن كان الحُلم جريمةً في بلادنا، فيا ليت كلّ الجرائم تُشبه هذا الحُلم. غدًا، حين يسألنا أبناؤنا كيف انتصَرنا على هذا الظلام،
سنقول لهم بكلّ بساطة: "لم نستسلم… لأننا أحببنا، وحلُمنا، وكتبنا الوطن حتى صار حقيقة."

كلُّ حلمٍ وأنتم بخير.

أحمد ياسين

ناشط شبابي من مدينة رام الله، حاصل على شهادة الماجستير في تنمية المجتمعات الدولية، بتركيزٍ على تأثير الحركات الاستعمارية على المجتمعات وطرق تنميتها. يعتبر أحمد أحد الممثلين عن الشباب الفلسطيني في المحافل المحلية والدولية، وقد تحدّث عن فلسطين والقضية في مجلس الأمن، ومقر الاتحاد الأوروبي، وغيرها من المنصات الدولية والمحلية. يترأس أحمد مجلس إدارة مؤسسة الرؤيا الفلسطينية في القدس، وينشط مع مؤسسات الأمم المتحدة للمشاركة في تعزيز دور المرأة العربية والفلسطينية وتمكين مشاركتها.

Share your opinion