نُريد مَوزَة ثانِيَة!

يَبدأُ ليث، ابنُ الأربع سنوات، بالقَفز نَحو طَبَق الفواكه الموضوع على الطاولة المستَديرة في ساحة منزل أُختي الصغيرة. يستعين بكرسيٍّ صغير ليحاول الوصول إلى مَوزته الثانية، بَعد أن الْتَهَم بِنَهَم تلك الأولى التي صرّحت له أختي بتناولها.

أَقفِز لأسأَله عمّا يريد، فيردّ عليّ ببساطة: يُريد موزة أخرى.

تَقفز في ذهني نصيحة قديمة سمِعتها يومًا من أمي، عندما كنت في جيله، بأن ضررًا ما قد يحدث للمَعِدة إن تجاوزنا أَكل موزة واحدة في اليوم. فأسأله، مدفوعًا بسُلطة المعرفة المَوروثة:

وهل أَنتَ قِرد؟ فقط القرود تَأكل الكثير من الموز، أمّا الإنسان فيَأكل موزة واحدة فقط! استَهوته الفكرة، وردّ عليّ بحِدّة ووضوح: نعم، أَنا قرد.

سارعْت بمدّ يدي للحؤول بينه وبين موزته، وقلت: لا، أنتَ إنسان. والفرق الأساسي بين الإنسان والحيوان هو القُدرة على التخيّل. قُلتها بلغة عربية فصحى، وبنبرة جافّة وفوقية، ثم تداركتُ سريعًا حاجتي إلى الشّرح بطريقة يفهمها، بعدما شعرتُ بأن التّحدي والصراخ باتا وشيكين.

ضحكتُ على مَيلي الفطري لفلسفة الأشياء، واجتهدت لتبسيط الفكرة. طلبتُ منه أن يُغمض عينيه وقلت: تخيّل البَحر يا صديقي. 

أَغمَضَ عينيه كارهًا، مسايرًا لترّهات خاله، وقال: أَغمضت. طلبتُ منه أن يبقيهما مغمضتين وسألته عمّا يرى.

قال: أَرى بحرًا. فقلت: أَرأيت؟ القرد لا يستطيع التخيّل، وأنت تخيّلت، إذًا أنت لست قردًا.

ضحك، وطلب أن أُعيد التجربة. فطلبت منه هذه المرة أن يتخيّل كلبًا. أغمض عينيه ضاحكًا، ولم ينتظر السؤال حتى صَرَخ ضاحكًا: أرى موزة!

ضحكنا كما لم نضحك منذ زمن. حَمَلته بعيدًا عن موزته الثانية، قبّلته بحرارة، وأَدخلته لينام… ويحلم.

لَم تَكن هذه الشقاوة مجرّد لحظة عائلية عابرة، بل فَتَحَت بابًا صغيرًا لأسئلة كبيرة حول قدرتنا على الحلم في ظلّ واقعنا. لا من خلال تصرّفات ليث وتصميمه على انتزاع حلمه بموزته الثانية فحسب، بل من خلال الأسئلة الأَقدَم: ما الذي يميّزنا، نحن بني الإنسان، عن غيرنا؟ وهل ما زلنا نمتلك تلك القُدرة التي ادّعيتُ أمام طفل بأنها جوهر إنسانيّتنا؟ وهل حان الوقت أن نُراجع فرضياتنا ومسلماتنا الجازمة بالضّرر المَعَوي الذي ينتج من التهام موزتنا الثانية؟  

هنا، ربما يجدر التوقّف قليلًا عند الفَرق بين ما نسمّيه حلمًا، وما أَقصده حين أصرّ على كلمة تخيّل. فليس كلّ حلم بالضرورة فعلًا إنسانيًا محرِّرًا. ثمّة أحلام تشبه النوم العميق: خيال ينفصل عن الواقع، يعوّض نقصه، أو يجمّله، أو يَهرب منه. لكن ثمة خيالًا آخر—أكثر يقظة—لا يبتعد عن الواقع بل يواجهه، ينتقده، ويَفتح فيه كوّة لما يمكن أن يكون. ليس هذا الخيال نقيض الواقع، بل قراءَته الأكثر جرأة.

في السنوات الأخيرة، دأبتُ على المشاركة في ورشات جماعية فلسطينية، وأخرى فلسطينية–يهودية مشترَكة، تتناول المخيال ا السياسي، محاولًا اكتساب أدوات تمكّنني من تحفيز قدرتي على التخيّل من هذا النوع الثاني: تخيّل لا يكتفي بالتصوير، بل يتحوّل إلى أفقٍ قابلٍ للعمل. تخيّل يحاول أن يمارس الإنسانية في أَبهى صورها، درءًا لأن أتحوّل إلى كائن يتكيّف فقط—أو “قرد”، كما أراد ليث أن يكون في لحظة صدق طفولي.

اكتسبتُ بعض أدوات التيسير والتوجيه، لكن الأدوات، كلّما ازدادت، تكاثرَت معها الأسئلة. وسرعان ما اكتشفت أنّ تحريض هذا الخيال النقدي على العمل أَصعبُ بكثير من استدعاء أحلام عامة أو شعارات جاهزة. فالأحلام السهلة تُرضي، أمّا الخيال فيُقلق.

يبلغ هذه القلق ذروته حين أشعر بأن حبلًا غير مرئيٍّ مشدودًا إلى عنقي لا يتركني أتحرّك بحرية؛ حبلًا يَسحبني باستمرار نحو الماضي: ماضي شعبي المثقَل بالشوق إلى الحرية، بنكباته ونكساته، وبنضاله الوجودي الذي لا يزال حيًّا في الجسد أكثر مما هو في الذاكرة.

في الوَرشات المشترَكة، يشتدّ هذا الحبل أكثر، ويشدّني إلى الوراء. ربما هي ردّة فعل فطرية أمام الطلب الملحّ بأن أنطلق بخيالي نحو المستقبل انطلاقًا من “الآخر” الذي أراه متمتعًا بامتيازاته على حساب خيالي او حلمي.

تردّني الفطرة الإنسانية إلى مَطلب العدالة قبل الحَديث عن المستقبَل، وإلى السؤال عن نقطة الانطلاق التي يجب العودة إليها حتى لا تتحوّل الأحلام إلى تغطية للفجوات القائمة. هنا يُصبح الخيال، مرّة أخرى، فعل نقد لا زينة لغوية: نقد للواقع، لأثقاله، لشعاراته، وللطلب المستعجل بالقفز فوق الجرح.

يختلف المشَهد في المجموعات العربية الصرفة. هناك، لا يحتاج الماضي إلى إثبات، ولا العدالة إلى تبرير. يبدأ النقاش من حيث يَجب أن يبدأ، ثم لا يلبث أن يتحوّل سريعًا إلى صراع على الأحلام ذاتها.

تُتَقاذَف المفردات الثقيلة كما الكُرة بين المشاركين؛ ديمقراطية، إسلامية، علمانية، أخوّة، حرية، شيوعية، مدنية، قومية، ينجح البعض في رَمْنَسَة الصورة باكرًا، بينما يستصعب آخرون فكّ رباط الماضي، فيبقون مشدودين إليه، غير قادرين على تحويل الحلم إلى خيالٍ يعمل.

في هذا الواقع المركّب، وفي ظل ظروفنا المعقّدة، وأحلامنا الفردية والجمعية التي تتأرجح بين الصمود والأفول، تتعزّز حاجتنا إلى هذا النوع من التخيّل: تخيّل لا يهرب من الواقع، بل يواجهه، وينتقده، ويحاول إعادة ترتيبه، غيرَ أن هذا المسار لا يمرّ دون مُراجعات شجاعة، ولا عبر مسارات سهلة أو مختصرة.

وربما عاد إليّ هذا السؤال كلّه من جديد، من تلك اللحظة البسيطة التي أغمَض فيها ليث عينيه، ورأى موزة حيث طُلب منه أن يتخيّل كلبًا؛ هناك، في براءة التخيّل الأولى، قبل أن نُدرَّب على تهذيب أحلامنا، أو تفريغها، أو تحويلها إلى تكيّف ذكي مع ما هو قائم. فالسؤال الحقيقي لم يَعد: ماذا نحلُم؟ بل: أيّ خيال نريد؟

إن حاجتنا اليوم، كفلسطينيين، ليست إلى المزيد من الأحلام غير المُمحَّصة، بل إلى شجاعة التمييز بين حلمٍ يُسكِّن الألم، وخيالٍ يجرؤ على مساءَلَته. تنقية الحُلم من أثقال الشعارات، ومن وَهْم القَفز فوق العدالة، شرطٌ لتحويله إلى أفقٍ قابل للتجسّد.

بعدها فقط، يمكن أن نجرؤ على السؤال الأصعب: هل نستطيع أن نتخيّل—ومن ثم نعمل على—حلمٍ مشتَرَك مع جيراننا اليهود؟ لا عنهم، ولا ضدّهم، بل إلى جانبهم؛ خيالًا لا يَطلُب منا التنازل عن حقّنا في الحرية والمساواة، ولا عن إنسانيتنا، ولا يفرض علينا تعليقها مؤقتًا.

فالحلم، حين ينفصل عن الواقع، قد يصبح مجرّد عزاء. أما الخَيال الذي يشتبك مع الواقع نقدًا ومسؤولية، فهو وحده ما يُعيد اختبار الفَرق بين الإنسان وبين... الحيوان.

وسيم حصري

محام وناشط سياسي وشبابي. طالب دراسات عليا في العلوم السياسية في جامعة حيفا. عمل في الماضي مستشار سياسيًا، وهو مختص بادارة مشاريع المرافعة والمناصرة في مؤسسات المجتمع الاهلي.

رائدة أشراف دلاشة
أسلوب الكتابة جيد واللّغة سليمة،فيها عبارات جميلة. ناقشت موضوعًا مهمًّا يحاكي واقعنا المرير. حبّذا لو جعنا الخيال واقعًا. فنحن شعب يعيش في الخيال أكثر مما يعيش في الواقع.
Thursday 1 January 2026
مصطفى الحصري
ما تخطه غايه في الروعه فهي قصص من وحى الواقع القصه طويله لكنها ممتعه للقارء والمتصفح بوركت على كلماتك
Thursday 1 January 2026
سماح قرمان
علّمني أبي، حفظه الله، أنّ كلّ حلمٍ نطمح إلى تحقيقه يبدأ بإيمانٍ صادقٍ به؛ إيمانٍ يجعلنا نفكّر فيه باستمرار، نتخيّله كأنّه واقع، ونخطّط له خطوةً خطوة حتى يولد إلى النور. وربّما كان هذا الإيمان العميق هو سرّ نجاحي في بلوغ بعض الأحلام التي احتضنتها روحي قبل أن تراها عيناي. وهكذا، يا صديقي، فإنّ قضيتك التي طرحتها في قصة ليث والموزة لا يمكن أن تُحلّ إلا إذا آمن الطرفان معًا بإمكانية التعايش العادل.وهكذا، يا صديقي، فإنّ قضيتك التي طرحتها في قصة ليث والموزة لا يمكن أن تُحلّ إلا إذا آمن الطرفان معًا بإمكانية التعايش العادل وعملا على تحقيقة بخطوات واقعية.
Friday 2 January 2026
Share your opinion