القَضِيّة الفِلِسْطينيّة: مَخاطِرُ "التَّصفِيَة" وأَسْبَاب الدَّيمومَة!

لَطالَما مرّت القضية الفلسطينية بتحوّلات كبيرة منذ نشوئها، لكن كلّ التحديّات التي خاضَها الفلسطينيون وواقع الحروب التي نَشَبت، والانتفاضات التي كانَت، والحروب الإقليمية التي خاضَها العرب من أجْل فلسطين، لم تأتِ على تصفِية القضية الفلسطينية كقضية شَعب وأرض وقيَمٍ لا يمكن أن يندَثِروا بحُكم الواقع.
مَع السابع من أكتوبر والحَرب الدمويّة على غزة، عادَ السؤال: هَل نحن أَمام تصفيَة للقضيّة الفلسطينية أَم هي عاصفة "انحَنى" أمامَها الفلسطينيون ستتبدّل مع الأيام؟ الإجابة على هذا السؤال ذات شقّين، الأول قِيَميّ، والثاني مرتبِط بالواقع وما يَحدث على الأرض. في الإجابة القِيميّة على السؤال، وهي حصيلة استقراءٍ لمسيرة الشعوب عَبر الأزمان، ومرتبِطة بمعانٍ قِيميّة لا تغيب، فالقضية الفلسطينية كقضية شعب وأرض لن تَموت، ولن يكون بالمَقدور تصفيتها، كون الشعب الفلسطيني يطالِب بالعدالة والحرية، وهي قيَم لا تنضَب، ناهيك أنّ العالم بات أكثَر مساندَة لتحقيق هذه القِيم، مع ما شاهده في الحرب الأخيرة من امتهان للشعب الفلسطيني، وهذا التّحليل نابع مما تُشير إليه الأبحاث أنّ النزاعات تبقى مستمرة ما لم يتمّ حلّ جذورها وقضاياها الأساسية، وتستمر شَرارة النزاع قائمة لتنفجر كلّ فترة.
أمّا بخصوص الواقع، فهو واقع مرّكب، فقد خَسر الفلسطينيون خلال الحرب الأخيرة الكثير بفعل آلة الحرب، وغزة دُمّرت، واستغلت إسرائيل الحرب لتزيد من الاستيطان في الضفة الغربية، وتُعمّق من تهويد القدس وأَقصاها، وشيطنة مطالب الشعب الفلسطيني، على نحو شكّل حالة من الالتفاف الصّهيوني حول قَمع مَطالب الفلسطينيين في تقرير المَصير، وهذا باتَ الخَيار الإسرائيلي في هذه المرحلة، وأصبح المجتمع الإسرائيلي أكثر يمينيّة و"أقَل" استعدادًا لإنصاف الفلسطينيين، وباتَت الخيارات العسكرية والأَمنية هي المتبناة إسرائيليًا، وستبقى هذه الخيارات ما لَم يقِف المجتمع والنخبة السياسيّة أمام المرآة ويقولوا إن سنوات من احتلال شعب آخر والتّعامل معه بأصنافٍ من العنف المركّب لم تنجح، وعليهم (لمصلحتهم= أيّ الإسرائيليين أنفسهم!) أن يدركوا أن استمرار واقع الاحتلال لن يفيدهم، لكن يبدو هذا التغيّر بعيد المنال، فمن النادر أن اعترف شعب محتل بحقّ الآخر وتَراجع عن مشروعه الاستيطاني.
وإن كنّا قد أكّدنا على البُعد القيَمي وما أثبتته الأبحاث من أنّه سيكون هو الحاسم ولو بعد حين، فهنا سنفصّل كيف سيؤثّر الواقع على مستقبل الفلسطينيين وقضيّتهم، مع العلم أن هذا الاستشراف سيكون محدودًا، لكون المتغيّرات في المنطقَة كثيرة، وكلّها تؤثّر على عوامل المستقبَل، لكن هي قراءَة وتَحليل بعين المراقِب والباحث، وفقًا لما نراه مِن واقع اليوم.
وعليه، فإن مستقبَل القضية الفلسطينية منوطٌ بأربعَة عوامل:
الصّمود الفلسطيني وضمان سُبُله: وهنا نتحدّث بشكل أساسي عن ثبات الفلسطينيين على أرضهم، وتَعميق وجودهم فيها من خِلال توفير سُبل الحياة المعقولة لهم لكَي يكونوا قادرين على الثّبات على هذه الأرض. ولْنَكُن صريحين، فلا يمكن لَوم الفلسطيني على خياراته، إذا ما استمرّ يعيش صنوف المعاناة. وإن كان القارئ للمشهَد يرى أن تقاطُع المبادئ مع الواقع مُركّب، لكن هذه الجزئية -أي تعزيز صمود الفلسطينيين ببقائهم على أرضهم- ستشكّل حاجزًا أَمام تصفية القضية الفلسطينية.
وِحدة المشروع الفلسطيني: جَعَلت حالة التّشرذم التي يعيشها المشروع الوطني الفلسطيني من رؤية المستقبَل وسُبل التّعامل معه محطّ خلاف، وفي حال استمرار حالة الشّرذمة في التطلّعات وأدوات تحصيلها، فإن العالم لن يكترث، بل سيصبح الفلسطيني أقل اهتمامًا بمشروعه الوطني، وهذا سيؤثر على مستقبل القضية. في هذا السّياق، يجب القول إنه يجب أن يكون هناك أمل عند الفلسطيني (على مستوى الفرد والجماعة) وأن تكون هناك مقوّمات ليتحقق له مطلبه بتقرير المصير، وهذا الأمل يتعلّق بعوامل على الأرض، يتمثّل جزءٌ منها بوحدة المشروع الفلسطيني وأهدافه وسبل تحقيقه والشعور بنجاعة خياراته، علمًا أن فقدان الأمل مَعناه تراجع القدرة على الصمود.
تَعزيز الرّبط الفلسطيني بالدول الإقليميّة والعواصم الدوليّة لتشكّل أدوات ضغط على الفاعلين وصنّاع القرار في العالم. فقد أثبتَت الحرب الأخيرة أن حقيقة صمود الفلسطينيين كشَعب وثباتهم على أرضهم من دون مساندة جادّة من الدول العربية والإسلامية في تَغيير واقعهم الإنساني ووقف الَحرب عليهم، أدّى إلى حالة من عدَم الثقة بالآخرين. لكن مَع حقيقة ذلك، فإن موازين السياسة الدولية تتطلّب أن يكون دورٌ دولي يضغط على دوائر صنع القرار في العالم، فصمود الشعب الفلسطيني على أرضه هو الأساس، لكن يجب أن يُرافقه تحرّك دولي من خلال الدول العربية والإسلامية والصديقة لتقوم بدورها في اللعبة الدولية (وهذا ما رأيناه جزئيًا باتفاق وقف الحرب الأخير، مع مشروعية النقاش حوله)، وبالمناسبة هذا ليس مرتبطًا بمصلحة الفلسطينيين فقط، بل بمصلحة هذه الدول واستقرارها ومصالحها.
أخيرًا، الرهان الفلسطيني على الرأي الشعبي في الدول الغَربية كرافعة لتَحقيق المطالب الفلسطينية أمرٌ مُهم، فحالة الالتفاف الدولي حول القضية الفلسطينية مرتبطة بمعانيها الإنسانية، أي الشعب الذي يريد تحقيق العدالة وتحقيق المصير وأن يعيش بسلام وكرامة، هذه معانٍ تتحدث للرأي العام في كلّ مكان، ويجب أن تكون حاضرة في مستقبَل الخطاب الفلسطيني، فهي تتحدّث لكل العالم، وتجعل القضية الفلسطينية قضية أخلاقية تُحرج كلّ من يتعاطى معها.
تمُرّ القضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر (وبالمناسبة ما حَدَث وكيفية تأثيره على واقع الفلسطيني وقضيته يَجب أن يُناقَش مليًا في صفوف الفلسطينيين) بظروف صَعبة، فمن ناحية، بَلغت المعاناة الفلسطينية ظروفًا لا تُطاق، ومن ناحية أخرى بفعل آلة الحرب فإن قضية الشعب الفلسطيني وصلت كلّ بيت في العالم، هذه القضية بمعانيها الإنسانية والقيمية لَن تموت، وستبقى حالة عدم الاستقرار في المستقبل سيّدة الموقف ما لَم تُحلّ جذور الصراع، هذا كما تُشير إليه الأبحاث، وهذا ما يجب أن يفهمه الجميع.

د. ابراهيم خطيب
أستاذ جامعي في إدارة النزاعات في معهد الدوحة، أكمل د. خطيب درجة الدكتوراة في العلوم السياسية عام 2018 من جامعة هومبولت في برلين.وواصل أبحاثه لما بعد الدكتوراة في جامعتي أكسفورد وهارفارد. متخصص في دراسات النزاع، سياسات الشرق الأوسط، الدين، الديموقراطية، والهويات



