دِفاعًا عَنِ التَّفاؤُل "الحَميدْ"

قد يَبدو الحَديث بنبرةٍ مُتفائِلة، تتطلّع نَحو المستقبل، وتَبحَث عن بَصيص أمَل وسط عالمٍ غارق في الظلام، بالنسبة إلى الكثيرين شكلًا من أشكال الانفصال عن الواقع، لكنّنا -على النَّقيض من ذلك- نَدعو الجَميع إلى الالتصاق بالأمل، وتحليلِه، ورؤيته، لكن من زاويةٍ مختلفة وبأسلوبٍ أكثر نضجًا وعمقًا.. بعيدًا عن الطريقة الانفعالية التي اعتاد أغلبُنا أن يفكّر بها، ليس في ما يخصّ الشأن الفلسطيني وَحده، بل في كلّ ما يمتّ إلى الإنسان بِصِلة في منطقتنا وسائر أرجاء العالم.

فنحن نَعيش الآن مرحلةً مختلفة عن كلّ ما سبَق، كَسَر فيها البعض الكثيرَ من (المحرَّمات) التي كان مجرّد مناقشتها أو التطرّق إليها مسألةً محفوفَة بالمَخاطر، بعد أن شاهد العالَم (ولا يزال) الثّمن الباهِظ لَصَمته عقودًا عن جرائم الكيان الغاصب، حيث بدَأَت بشكلٍ أو بآخر بالارتداد عليه، بل وتَشكيل تهديد له، سواء  كان ذلك بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. لقد كان لمعركة الوَعي والثقافة (الحقيقيّة، لا تلك المزيَّفة أو المصطَنَعة التي تعوَّدنا على "استهلاكها" كمنتج لا يختلف عن تلك الموجودة في الأسواق أو المحلات التجارية) أثرٌ هائلٌ، حقَّق للقضية الفلسطينية انتشارًا عالميًا أعاد إحياءها والتّعريف بها، وحتى ولادَتَها من جَديد في نظر الكثيرين، كما دَفَع جيلًا كاملًا من مختلف الثقافات للبَحث والاطّلاع والمقارنة بنفسه في لحظة استنارة قلّما تَحْدث على المستوى الإنساني بالشَّكل الذي حصَلت به، فحثّته على العودة للتحقّق من تاريخ منطقة تمّ تجنيد وضَخّ المليارات لتشويه تاريخها وتزييف قضيّتها وتحييدها وإقصائها، بَعد فقدانه الثقة في نزاهة مصادر الأخبار ومصداقيّتها في بلاده الأم .

ساهَمَ الوَعي والتّثقف وتزايُد الأصوات المتضامِنة دوليًا من مختلف الاتّجاهات -سواءً كانت تلك المعروفة منها أو تلك التي برَزَت بعد العدوان الحالي على كلّ ما هو فلسطيني- واتّخاذها خطواتٍ جريئة وملموسة وتبنّيها خطابًا قويًّا وشجاعًا وبنبرة غير مسبوقة، ساهَمَ من ناحية في تدعيم الرواية الفلسطينية وترسيخها أكثرَ فأكثر، وإضعاف الرواية الاستعماريّة في المقابل، وهي بكلّ تأكيد لحظة مفصليّة وتاريخية يَنبغي علينا التّعامل معها بذكاء وحكمة وواقعيّة، وإدراك مدى قوة الثقافة عندما يتمّ استخدامها وتوجيهها بشكل فِعلي وصحيح، توظَّف فيها مختلف العناصر وأَشكال الموهبة وطُرق السّرد لإيصال الحقيقة بصور مختلفة ومتطوّرة ومبسَّطة، وبأبعاد متعدّدة تواكِب متطلّبات هذه المرحلة، مع الاستفادة من أخطاء المَراحل الساّبقة، وذلك بعد اعتمادنا الخاطئ على تجارُب وأسماء قدّمت على مدى عقود خطابًا أجوَفَ لا يمسّ الإنسان ولا يخدِمُه ولا يساهم في تنويره أو تطوير فكرِه.

تتطلّب المرحلة الكثير من الانفتاح والمرونة دون التخلّي عن أيِّ من الثَوابت الوطنية أو الأخلاقية، حيث يَجب على الفلسطيني أيًا كان موقعُه أن يتحلّى بالمسؤولية، وأن يكون على مستوى الحدث، كقدوة وداعم أوّل لقضيته وكيانه ووجوده، وأن يؤمِن بأهميّة أيّ خطوة مهما بَدَت بسيطة، وأوّلها وضع جميع الخلافات والاختلافات جانبًا.. السطحيّة منها وتلك التي لا تعود على المجتمع والمَصلحة العامة بنفع، خاصةً وأنّنا في مرحلة لا تَحتمل المزيد من الانقسامات ووجودُها سيعود بالسّلب على الجميع، واحترامنا بعضنا البعض هو جزء لا يتجزّأ من احترامنا الرايةَ والقضيّة التي نتساوى تحت مظلّتها، كما يَنبغي -بعد أن وصلت الأحداث إلى ما وصلت إليه- أن نُدرك مدى أهميّة التّواصل مع مختلف القضايا الإنسانية في مختلف بلاد العالم، وألّا تدفعُنا الظروف المأساوية التي تعيشها بلادنا إلى التّقوقع أو إلى عَدَم الاهتمام، فالمسانَدَة الإنسانية تفوق في قوتها وتأثيرها أيّ مساندة أخرى، كما أنّ المأساة التي يعيشها شعبنا ينبغي أن تفتح له آفاقًا جديدة فكريًا ووجدانيًا تَجعله على تَماس مع كلّ وَجع إنساني وروحيّ يمتد ليشمل كلّ المخلوقات.

ما لا يجوز نِسيانه أنّ وعَي كلٍ منّا بظروفه وإدراكه لها وإحسان تعامله معها، استنادًا إلى الانتشار الفلسطيني حَول العالَم لخصوصيّة قضيّته، هو عامل مهمّ في رسم صورة مشرقة ومشرّفة عنه وعن الخلفية الثقافية والحضارية له، فنجاحُه رسالة، وخُلقُه رسالة، ونتاجُه رسالة، وتوظيفُه موهبَتَه وإدارته الاحترافيّة لها رسالة، استخدامه اللغات التي يُتقنها رسالة في حدّ ذاتها، قُدرته على إيجاد المقارَبَة التاريخية والأخلاقية والثقافية للقضية الفلسطينية مع بقيّة شعوب العالم وإيجاد وحدة إنسانيّة بينها هي أيضًا رسالة، ووعي الأجيال الفلسطينية المختلفة بمَدى أهمية المعركة الثقافية في هذا التوقيت هو أمرٌ حيوي يَحتاج إلى الكثير من التفكير والعَمَل الجاد والابتعاد عن المهاترات والجَدَل العقيم الذي لا طائِل منه، فالأولويّة هي للإنجاز.. للموقف.. للكلمة المؤثّرة.. للظهور الراقي والمَدروس.. للفكرة الواعية.. للّغة الرّصينة.. للطَّرح الجريء وغير المبتَذَل.. للإبداع والتجدّد.. للتناغم مع المبدأ الذي نُنادي به.. للترّكيز على الأفكار لا التسويق لأشخاص.

يستمدّ المستقبل الفلسطيني وجوده من إيمان أبنائه بحتميّته ورَفْض مجرّد التّشكيك فيه رغم كلّ المِحَن التي يكابدها، والظروف اللاإنسانية التي يعيشها، ورغم تمزّق العائلات بين البلاد، فهو -بعيدًا عن كلّ العبارات العاطفية- شعبٌ يمتلك المقومات كافة التي تَجعلُه جديرًا بالحياة وقادرًا على الاستمرار وإنتاج الحضارة وتصديرها، لأن التصاقه بالثقافة وقدرته على صُنعِها هو جزء من هويته وتركيبته التي توارَثَها عبر آلاف السنين، وكانت بمثابة صمّام أَمان يحميه من التلاشي والذوبان في الآخر، وهي ما يمنَحُه القدرة على الصمود، لذا إن حَسُن توظيفنا كفلسطينيين الثقافةَ والمعرفةَ في معركة الوعي سيكون هذا أَحَد أهمّ ركائز صناعة الغدّ لشعبنا ووطننا وكلّ أمة تناضل لنيل حقوقها وانتزاع حقّها في الوجود.. فالإنسانية دائمًا تنتَصِر.

خالد جهاد

كاتب وشاعر فلسطيني - أردني، له مقالات متنوعة في الشأن الثقافي والاجتماعي

Share your opinion