صَمْتٌ لَيسَ كَـ "صَمْتِ الحِملان"!

ثِقَل الزمن وإمكانيّة القَول: تأمّل في عَتَبَة عام 2026
نَدخل عامًا جديدًا مثقَلين بما يَحمله الزمن من جِراح وأسئلة وقلَق. لم تعُد اللحظات تمرّ كأحداث عاديّة، بل تنفَذ في الوعي وتُعيد تَرتيب الداخل والخارج معًا. لحظات يتكثّف فيها الخوف، لا بوصفه شعورًا فرديًّا، بل بوصْفه مناخًا يطوّق المجتمع، ويُعيد تشكيل علاقتنا بالكلمة، وبالسُّكوت، وبالقُدرة على التفكير.
لقد كشفَت السنوات الماضية — من الجائحة إلى الحروب إلى الانهيارات السياسيّة المتلاحِقة — عن هَشاشة الأنظمة التي كنّا نظنّها ثابتة، وعن اتّساع المساحات التي تحتلّها الرّقابة: الرّقابة الخارجيّة التي تَفرضها السلطة، والرّقابة الذاتيّة التي يفرضها الخوف. امتزج الاثنان معًا إلى حدّ لم يَعد من السهل معه التمييز بين ما نقوله وما نخشى قَوله، بين ما نُسمعه وما نَكتُمُه، بين الكلام والصّمت.
إنّ ما تعرّض له العالَم في العَقد الأَخير لم يكن مجرّد أزمات متتابعة، بل اختبارًا لقدرتنا على البَقاء "إنسانيين" في وَجه انغماس متزايد في العُنف، وفي وَجه خطاب يزداد ضَجيجًا بينما تتقلّص مساحات التّفكير الحقيقي. شيئًا فشيئًا، أصبحَت الكلمة مُقيّدة، إمّا بالخوف أو بالسخرية أو بالإنهاك. وأصبح الصّمت، في أحوال كثيرة، خيارًا يشبه الملاذ… أو العقاب.
لكنْ وَسَط هذا الثّقل، يظلّ هناك ما يمكن تسميته — استعارةً من الفيلسوفة الفرنسيّة سيمون فايل — بـ عَتَبَة النّعمة: ذلك الضّوء الصغير الذي لا يَفرض نفْسَه بالقوة، ولا ينافسُ الضجيج، ولا يدّعي القدرة على إصلاح العالم، لكنه حاضر بوصفه قوة مضادّة:
قوة تقول إن التفكير ما زال ممكنًا، وإن الإصغاء ما زال فعلًا أخلاقيًا، وإن الصمت ليس دائمًا استسلامًا، بل قد يكون قُدرةً على حماية المَعنى من التبديد.
إنّ ما نحتاجه اليوم، ونحن نخطّ أولى أسطر عام 2026، ليس خطابًا انتصاريًا ولا وعودًا سهلَة، بل إعادة اكتشاف وظائِف الكلِمة: كيف نقول دون أن نؤذي؟ كيف نَصمت دون أن نصبح شركاء في الظلم؟ كيف نفكّر دون أن ننجرّ إلى ثنائيات الخَوف؟ وكيف نُعيد بناء الإيمان بأنّ المستقبل ليس مساحة مغلقة بل مجالًا يتشكّل ببطء، عبر أصوات صادقة ومتروّية؟
ربما لا نملك القدرة على تغيير العالَم كلّه، لكنّنا نملك القُدرة على إعادة ضبط علاقتنا به. على أن نرفض أن نكون جزءًا من آلة الاستهلاك السَّريع للغضب، أو من دَفق المعلومات الذي يَطمس الحقيقة بدَل أن يكشفها. نملك أن نختار الانتباه بدَل الانفعال، والوعي بدَل التهيّج، والمعنى بدَل الشعارات.
وعليه، فإنّ بداية هذا العام يمكن أن تكون دعوة بسيطة، متواضعة، لكنها حقيقيّة:
أن نُعيد للّغة دورها كمساحة إنسانيّة، لا كساحة صراع.
أن نُعيد للصمت قيمته كتمرين على الإصغاء، لا كهُروب.
أن نُعيد للفكر حقّه في التعقيد، لا في السرعة.
وأن نُعيد لأَنفسنا القُدرة على رؤية ما هو أَبعَد من اللحظة، وما هو أَبعد من الخَوف.
قد يبدو هذا كلّه بطيئًا أو صغيرًا أمام عالمٍ يتغيّر بعُنف. لكنّه، في جوهره، ما يمنحنا القُدرة على الاستمرار دون أن نَفقد أنفسنا.
وما يَمنح 2026 فرصةً لأن يكون عامًا يبدأ بثِقَل… نعم،
لكن بِثِقَل يَحمل في داخله احتمال النّعمة أيضًا.

نادية حرحش
باحثة، كاتبة وناشطة . ولدت ونشأت في القدس . درست العلوم السياسية والمحاماة (عضو نقابة المحامين الفلسطينيين) . حاصلة على شهادات عليا في حل النزاع والتفكير الاستراتيجي، التنظيم المجتمعي ، الفلسفة الاسلامية والدراسات المقدسية. كاتبة صحفية في وكالة وطن للانباء (رام الله ) ،رأي اليوم (لندن) ،مجلة ٧ أيام (مصر). تعمل محاضرة في مجال الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والحضارات العالمية والفلسفة الاسلامية . لها أبحاث في الفلسفة الاسلامية والمرأة والشأن الفلسطيني.



