الأَمَلُ "قِماشَةُ" أَدَبِ الأَطْفَال

يشكّل الأَمل إحدى الركائز الجَوهرية في أدب الأطفال، إذ يُبنى هذا الأدب في جوهره على فكرة أنّ المستقبَل يَحمل دائمًا إمكانات أوسَع مما يراه الطفل في لحظته الحاضِرة. فالعَلاقة بين الطفل والعالَم علاقة تتأَرجَح بين الفُضول والقلق، وبين الاكتشاف والخوف.
ومِن ثمّ، يصبح الأمل الموجَّه عَبر القصة عنصرًا تأسيسيًا في بناء التوازن النّفسي والمعرفي لديه. لذلك لا يُعدّ الأمَل قيمة مكمّلة أو هامشية في أدب الأطفال، بل هو البنية العَميقة التي تتشكّل عبْرها الأحداث والشخصيات والحلول السرديّة.
مِن خلال هذا الدور البنائي، يتجاوَز أدب الأطفال دورَ الترفيه إلى التّشكيل النفسي والتربوي، خاصةً حين يقترن بإرشاد واعٍ من الكبار.
أهميّة الأمَل في البِناء النفسيّ والتربوي للطفل
يُمثّل الأمل، وِفق النظرية النفسية، استعدادًا إدراكيًا وعاطفيًا يَجعل الطفل ينظر إلى المستقبَل بوصفه مجالًا مفتوحًا يُمكن تغييره عَبر الجهد والعمل، وتتجلّى أهميته في كونه يعزّز مهارات الصمود النفسي، ويخفِف أَثَر الخَسارة والإحباط، ويُعطي الطفل تفسيرًا أَقَل قَسوة للعالم.
لهذا تُعدّ القصة وسيلة فعّالة لترسيخ هذا الاستعداد، لأنّها تقدم للطفل نموذجًا ملموسًا يبيّن أن الصعوبات ليست نهاية الطَريق، وأنّ كل تجربة تحمِل إمكانية التحوّل.
يَظهَر الأمل بصورة واضحة في الأدب العالميّ. فـعلى سبيل المثال، بطلة القصة المَشهورة "هايدي"، تُظهر قُدرة الطفلة على تَجديد العلاقات الإنسانية واستِعادة الفرح رغم الانفصال والفَقد، و"الساحر أوز" تقدّم من خلال "دوروثي" رحلةً تعلّم الطفل أنّ الشجاعة ليست غياب الخَوف، بل القُدرة على تجاوزه.
هذه الأعمال، والكثير الكثير غيرها، تُرسّخ الأمل بوصفه قوّة عملية لا مجرّد نهاية سعيدة، فهو متجسّد بالسعي، والصداقة، وبناء الذات.
أمّا في الأدَب العربي والمحلي، فيتخذ الأمل شكلًا أكثر التصاقًا بالواقع القريب للطفل، فيستلهم الواقع ويتعامل مع تحدّياته مباشرة. ففي "أحلام ليلى الصغيرة" تواجِه الشخصية الطفولية ضيقَ الحياة بقدرة على تخيّل إمكانات بديلة، وفي "سلمى والبحر" يُظهر الطفل قدرة على تشكيل عالمه الداخلي رغم محدودية الواقع الخارجي.
تميَّز الأدَب المحلي والعربي بمعظمه بتناول موضوع الأمل، لأنّ الواقع الذي نعيشه حتّم على الكاتب أن يقدّم مَخارج إنسانية تشجّع الطفل على تجاوز اليأس. فَنَجِد معالَجَة مباشرة لظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية ضاغطة، مع الحِفاظ على بنية سرديّة تُظهر قيمة العَمل الجَماعي، والإيمان بالذات، والقُدرة على الخلق والإبداع، وتتميّز هذه الأعمال بكونها متجذّرة في البنية المحلية، وهو ما يمنحُها قدرةً أكبر على إحداث أَثَر نفسي لدى الطفل، إذ يَرى الشخصيات امتدادًا لتجربته الخاصة.
أدَب الأطفال والأمل في المجتمَعات المَأزومة
تُشير الدراسات النفسية والاجتماعية إلى أنّ الأطفال في البيئات المتأزّمة عُرضة للقلَق والشعور باللاجدوى وفقدان الأمن الداخلي. في هذا السياق، تكتَسِب القصة وظيفة علاجيّة تساعِد الطفل في إعادَة تنظيم المَشاعر، وتمنحُه مساحةُ آمنة للتعامل مع الصّدمة. للأمل في أدَب الأطفال ضِمن هذه البيئات ثلاث وظائف أساسيّة: الأولى إعادَة بناء التوقّعات المستقبَلية عَبر تقديم سرديّات تُظهر إمكانية تَجاوز الفشَل أو الفَقد، أمّا الثانية فتَعزيز الانتماء الاجتماعي من خلال قصص تُبرز التعاون وتُعيد الثقة بفاعليّة الجَماعة. وأخيرًا، تقوية البنية النفسيّة للطفل بإعطائه أدوات تخيّلية لتفسير الواقع واستيعابه، وتَقديم نموذج لما يمكن أن يكون في المستقبل. ولأنّ الطفل غالبًا ما يفتقِر إلى أَدَوات تحليل الأزمة أو فَهْم أسبابها، فإنّ الحكاية تقدّم له تأويلًا مبسّطًا للواقع دون الوقوع في التزييف أو الإنكار، لهذا تُصبح القصة وسيطًا بين الواقع القاسي والقدرة على تحمّله.
دَور الكِبار في تَفعيل قيمة الأَمَل
على الرّغم من قوة السّرد في ذاته، إلّا أنّ دورَ الكبار؛ “الأهل”، والمعلمين، والمرشدين، يُعدّ حاسمًا في تحويل الأمَل من قيمة سرديّة إلى ممارَسة حياتية، ويُمكن تحديد هذا الدَور في مستويات عدّة:
المستوى الأول يَكمُن في القراءَة والتّفسير فإنّ القراءة المشترَكَة تَمنح الطفل فرصَة لطرح تساؤلاته حول أمور صعبة مثل الفَقد، والخوف، والخيبة. والكِبار بدورهم، عَبر الحوار والتوجيه، يساعِدون الطفل على الرّبط بين أَحداث القصة وتجرُبَته اليومية، مما يرسّخ الأمل بوصفِه عمليةً وليس نهاية جاهزة. أمّا المستوى الثاني فيكمُن في إبراز البُعد الإنساني، ذلك من خلال الإِشارَة إلى لحظات التحوّل في القصة، كتصرّف بُطولي صغير أو مبادَرة تعاونية، يوجّه الكبار الطفل لفَهم البنية العَميقة للقصة، حيث يتجلّى الأمَل كنتيجة للخيارات الإنسانية وليسَ لصُدَف السّرد. والمستوى الثالث هو تَحويل القيمة إلى سُلوك، فعِندما لا يتحقّق الأمَل من خلال القراءَة والسّرد، من الراجح أن يتحقّق من خلال مبادَرات يومية تشجّع الطفل على السّعي، ووضع أهداف بَسيطة قابلة للتّحقيق، والاحتفاء بالمجهود لا بالنتيجة فقط.
المستوى الرابع وهو الأهَم هو حِماية الطفل من خِطابات اليَأس، ففي المجتمَعات المَأزومة تنتَشر خِطابات الإحباط وانعدام الثقة التي قد تؤثّر على نفسية الأطفال. فيُمكن للكبار إعادَة صياغة هذه الخطابات بطريقة لا تُخفي الواقع، لكنّها تَمنح الطفل شعورًا بأن التّغيير ممكِن، وأنّه ليس ضحيّة سلبيّة للظروف.
في المحصّلة، يُمكن القول إنّ الأمل ليس عنصرًا إضافيًا في أدب الأطفال، بل هو البنية العَميقة التي تَمنَح هذا الأدبَ قُدرته على التأثير والتغيير، خصوصًا في المجتمعات التي تَعيش أزمات ممتدّة.
وعندما يُفعَّل هذا الأَمَل من خلال دَور واعٍ ومسؤول للكبار، يصبح أدَب الأطفال أداةً مؤثرة في حمايتهم، وفي بناء وَعي قادر على تَجاوز اللحظة الصعبة وتخطّي الأزَمات نَحو فضاء أوسَع من الإمكان والرجاء.
نبيلة زعبي
معلّمة لغة عربية، وكاتبة لها إصدارات عدّة في مجال أدَب الأطفال.



