مُسْتَقْبَل الفِلِسْطينيّين: السّينَاريو القَاتِمْ وَمُسوّغاتُه

عندما اتُّخذ قَرار الحركة الصهيونية النهائيّ باختيار فلسطين، كان أَحَد الاعتبارات الجوهريّة أنّ الشعب المُقيم فيها كان ضعيفًا نسبيًا ويمكن التغلّب عليه. إن المقولة القائلة: «أَرض بلا شَعب لشَعب بلا أَرض» كانت مبالغًا فيها وغَير صحيحة من الناحية الواقعية، لكنها وَصَفت المناخ السيكولوجي والمبدئي لتداعِيات الصراع. وقد شكّلت عشرينيات القَرن الماضي مرحَلة حاسمة، إذ إنها اتّسمت بهُدوء استغلّته بريطانيا لتَقوية المُجتمع اليَهودي وتَوسيع مؤسّساته ومستَوطناته؛ فمِن جهة جَرى تعزيز المشروع الصهيوني في فلسطين، ومن جهة أُخرى بدأَ انهيار المشروع الوطني الفلسطيني، وذلك أيضًا بسبب عدم اعتراف البريطانييّن بحقوق الفلسطينيين الوطنيّة. وقد تبيّن لاحقًا أن الرّهان على التوصُل إلى ترتيبات مع البريطانيين كان خطأً جسيمًا.

على مرّ السنين، واصَل الفلسطينيون خَسارة المَزيد جغرافيًا وسياسيًا، ولا سيما على الصّعيد الإقليمي، بدءًا من لجنة بيل (1937)، مرورًا بخطّة التقسيم 181 (1947)، وصولًا إلى "الخط الأخضر" (1949). أمّا اتفاقيات أوسلو عام 1993, فقد ارتكزت من الجانب الفلسطيني على أنّها سَتَضمَن الحدّ الأدنى المتبقّي من الأرض الفلسطينية (22٪)، إلا أنّ هذا التعهّد لم يتحقق في نهاية المَطاف.

يُمكِن اليوم الحَديث عَن انهيار شِبه كاملٍ للمشروع الوطني الفلسطيني. فقد أَصبحت السلطة الفلسطينية محيَّدة وغير ذات صِلة، ضعيفة، وتَعتمد على الاحتلال في مختلف المجالات، وغير قادِرة على المبادَرة بخطوات حقيقية وفعّالة لخدمة أبناء شَعبها. وعَلى الصّعيد الدبلوماسي، ورَغم تَحقيق بَعض النّجاحات المَحدودة، فإن إنجازات السلطة هذه لا يُتوقَّع أن تُثمر نتائج ملموسة، وبالتّأكيد لن تُؤدي إلى التحرّر من عبء الاحتلال.

في الوَقت الرّاهن، وبَعد حرب غزة، يمكن التوصّل إلى عَدد من الاستنتاجات القاتِمة من مَنظور الشعب الفلسطيني. أولًا، تتمتّع إسرائيل بقوة كبيرة وتفوق استراتيجي واضِح مقارنة بجميع الدول العربية المُحيطة بها: فالأردن يَعتمد عليها في المياه، ومصر تَعتمد عليها في الطاقة، وسورية تَبحث عن سُبل للتوصّل إلى تسوية معها، بينما يُعاني لبنان مِن انهيار اقتصادي وانقسام سياسي حادّ. أمّا الشعب الفلسطيني نفسه فيرزَح تَحت وطأة الاحتلال في الضفة الغربية، والقدس الشرقية، وبشكل خاصّ في قطاع غزة. لقد تُرِك هذا الشعب وحيدًا، دون رعاية حقيقية من العالمين العربي والإسلامي، كما بدا جليًا خلال الحَرب، باستثناء حالات مَحدودة مِثل قطر، وحزب الله، والحوثيين.

أهمّ ما يُمكن استخلاصه من حرب غزة هو أنّ الدعم الغربي لإسرائيل يَكاد يكون مطلقًا وغير مشروط. فباستثناء بعض التّصريحات العامة وغير الملزِمة، أو بعض التظاهرات المَحدودة على هامش الحياة السياسية في تلك الدول، لم يُبدِ الغرب تأثرًا حقيقيًا بحجم القتل والدمار في القطاع. وقد ثَبَت أن العَرب، وبالأخص المسلمين، لا يُنظر إليهم في الغرب باعتبارهم أصحابَ قيمة، ولا يُنظر إليهم على أنّهم يستحقون حماية حقوقٍ أساسية.

تُعدّ هذه المراجَعَة ضَرورية لفهم الاتّجاه الذي تَسير فيه الأُمور. فالعالَم الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، هو صاحب القَرار في الشرق الأوسط، ولا يَشعر بأيّ التزام تِجاه حقوق الشعب الفلسطيني. وسيبقى دعمه لإسرائيل راسخًا في جميع المَجالات: الدبلوماسية، والسياسية، والعسكرية، والاقتصادية. أمّا الدول الأوروبية، ورغم تبايُن مواقفها، فإنّ غالبيتها تدعم إسرائيل بدرجات متفاوتة، وهي منشغلة أساسًا بالتهديدات القادمة من روسيا، وتَسعى للحفاظ على تَحالف قوي مع الولايات المتحدة، لذلك لَن تَدخل في مواجهة مع واشنطن بشأن القضية الفلسطينية.

العامِل الأَهَم في استشراف مستقبَل الفلسطينيين هو طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي والرأي العام داخله. أهم مميزاته هيمنَة الصهيونية الدينية الرّاعية للاحتلال وصاحبة مَشروع الدولة اليهودية على كلّ الأرض بين البحر والنهر. بالإضافة لذلك فبَعد السابع من أكتوبر، شَهِد المجتمع الإسرائيلي موجَة راديكالية حادّة وواضحة، تَجمع بين صَدمة نفسيّة عميقة من جهة، ونَشوة قوّة من جهة أُخرى. وقَد جَرى تَطبيع أَفكار واتّجاهات لم يكُن من المتصَّور سابقًا طرحها علنًا. ففي غزة، يَحظى استخدام القوّة بدعم شعبي واسع دون أيّ نقد يُذكر، ويَنطبق الأمر ذاته إلى حدّ كبير على الضفة الغربية. وحتى اعتداءات المستوطنين لا تُثير اهتمامًا عامًا يُذكر. ويرافِق ذلك تحوّل جوهَري في بنية النّظام، حيث باتَ اليمين الديني المتطرّف يسيطر على أجهزة الأمن المختلِفة، مما يفسّر التوجه نَحو الحسم العسكري، ومصادَرة الأراضي، وبناء المستوطنات، إلى جانب تفكيك المجتمَع الفلسطيني في المَناطق المحتلة بواسِطَة التّرهيب، وفي داخِل إسرائيل عَبر تَغذية الجَريمة وزَعزَعة الأَمن الجَماعي.

من مجمَل ما سَبَق، يمكن استخلاص عدد من الاستنتاجات. أولًا، هناك شِبه إجماع داخل المجتمع الإسرائيلي على تَعميق نظام الفَصل العنصري (الأبارتهايد). ولم تعُد هذه الكلمة موضِع رَفض، إذ إن الغالبية السّاحقة من الجمهور اليهودي لا تتحفّظ عليها. ويختَلف هذا النظام عن نَموذج جنوب أفريقيا بسبب طبيعة الصّراع، والعامل الديني فيه، فضلًا عن المَصالح الغربية في دَعم السياسة الإسرائيلية، ولا سيما في المجالات الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية.

ثانيًا، إن العِداء المتزايِد تِجاه الفلسطينيين يؤدّي إلى تعبئة سياسية تعمّق صراعًا غير قابل للحلّ، وتشجّع نزعات متطرفة وعنصرية تتماشى مع تحوّل النظام نَحو الأوتوقراطية والسلطوية، مع الاكتفاء بالمظاهر الشكلية للديمقراطية. كما أنّ وسائل الإعلام المركزية في إسرائيل مجنّدة بشَكل شبه كامل ضدّ الفلسطينيين، ولا تَرى نفسها ملزَمة بعَرض قضيّتهم، مما يعزّز سياسات القمع وتَعميق الاحتلال.

ثالثًا، تؤدّي التحوّلات الإقليمية إلى مزيد من عَزل الفلسطينيين، سواء من خلال خُضوع الدول العربية للإملاءات الأمريكية، أو بسَبب انشغال دول إقليمية بأزماتها الداخلية. وقد تبيّن أن سياسة عزل الفلسطينيين عبر الاتفاقيات الإقليمية كانت فعّالة، ووفرت لإسرائيل مزايا إستراتيجية كبيرة لتَصفِية المشروع الوطني الفلسطيني، وفي مركزه إقامة دولة فلسطينية.

إلى جانب ذلك، يتعمَّق الاستغلال الاقتصادي، حيث تشكّل الأراضي الفلسطينية مَصدر دَخل مهمًا لإسرائيل، سواء كسوق استهلاكي تابِع أو كمصدر للموارد الطبيعية. ولا يبدو أنّ هناك تغيرًا قريبًا في هذا المَسار.

يتجلّى الضّعف الفلسطيني أيضًا في مواجَهَة دولة قوية عسكريًا واقتصاديًا، تَحظى بدعم غربي غير مَشروط، وفي ظلّ ضعف عربي وإسلامي مُتزايد، يَبدو أن مستقبَل الشعب الفلسطيني غَير واعد، بل ربّما قاتِم، وهو ما تؤكّده المَسيرة التاريخية الممتدّة لأكثَر مِن قَرن.

د. سليم بريك

محاضر وباحث في العلوم السياسية.

رأيك يهمنا