مَشروع مَحو فِلِسْطين: الأَقْنِعَة تَتَبَدّل، والجُموحُ على حالِه

كان من شَأن بَعض القُدوم اليهودي إلى فلسطين أن يكون طبيعيًا، وعضويًا، وتلقائيًا، وإن كانت بداياته غارِقة في التصوّرات والمكائد الاستعمارية. بل كان بإمكان إسرائيل نفسها بعد قيامها أن تُدرك مقامَها وأُفُقها وأن تَبني مستقبلها بما يجنّب المنطقة المآسي ولا يَضَع الوجود اليهودي على المحكّ. هذا وذاك يتطلّبان الإقرار بأنّ فعل الاعتداء على الحقّ الفلسطيني سوف يتبعه لا محالة ردّة فعل مقاوِمة، وأنه، رغم أوهام التفوّق والإنجاز الواهي، ليسَت المعطَيات الموضوعية والتاريخية لصالح الرّغبة الاستيطانية. غَلَبة إسرائيل قائمة آنيًا على ظروف عَرَضية، تتشبّث الأهواء بتصويرها جوهرية، وتَبني عليها قناعات من شأنها إطالة أمد المواجهة القاتلة على مدى أجيال إضافية. لا بد لأيّ قراءة مستقبلية فلسطينية، وإن صحّ ركونها إلى إدراك أن مَوازين القوى هي لصالح من هو اليوم في موقع المَقهور، من أن تتَعامل مع واقع أنّ الأَذى سوف يستمر، وَحدَه التأطير يشهَد التحوّل. بعد أن كان الحديث عن الحضارة، خطاب المرحلة التالية يستدعي العصبية ويُثني عليها. فالجموح على حاله، والرغبة بتحقيق القهر لا تزال قائمة.

هو احتلال استيطاني استبدالي إلغائي، أدَواته مَزيج متذبذب من زَعم الفضيلة وإنكار ما يتعارض معها من أفعاله، ومن إشهار الدهاء والاستعلاء والتبجّح لحظة الانتصار والنّشوة. هذا أو ذاك، وفق الحاجة وبما ينفَع الغاية. «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» لمن أمكَن دفعه إلى التّصديق، أو لمَن يرضى بطَمس الوقائع عَساه يستنقذ وهمه بأخلاقيته، لكنّها العودة إلى الأرض «الموعودة» دون اعتذار، ورغم أنف الأغيار والعَماليق وسائر الحسّاد، ساعة يتطلب الأمر شدّ العَصَب.

يوم كانت التورية ناجحة، وكان الإرهابي ثم الجهادي التكفيري هو العدو القبيح، كانت دولة «النّور للأمم» هذه هي الدّرع الواقي لعالم أساء فَهمها، بل قصّر بشكرها لحمياتها له ولصونِها مبادئه، فيما هي تُقْدم طواعية على واجبها الحضاري، وفق القناعة الواهمة. أليست هي صاحبة الرقيّ الأخلاقي الذي يجعلها تبغَض أعداءَها لا لأنهم يقتلون أطفالها، بل لأنهم يرغمونها على قتل أطفالهم؟ إلى أمس قريب، ما يَنفع الغاية كان الحديث عن الإنسانيّة والديمقراطية والقيم العالميّة وحقوق الإنسان، وهذه جميعًا إسرائيل هي التي تجسّدها، وأعداء إسرائيل هم من يَنقُضها. طبعًا مجددًا وفق القناعة المشوَّهة المتهافتة.

كان المنهَج الإسرائيلي الثابت ولا يزال الإفراط باستعمال سلطان القوة لإفهام الإنسان الفلسطيني بأنه لا حُدود لمسعى قمعه، مع القدر الكافي من التّزيين الشكلي الموجّه للخارج للمحافظة على السرديّة التي تَجعل من إسرائيل الضحية، بل تُغدِق عليها الثناء لرقيّها في مواجهة عدوها المتخلّف حضاريًا، المنحطّ أخلاقيًا.

مع غزّة، الأمور تبدّلت والإمساك بكلّ من العصا والسَّردية أصبح مستعصيًا. لا القوة الفارطة ولا القوة المتوحّشة تمكنت من إخماد إصرار أبناء الأرض على المقاوَمة، بالسلاح، بالبقاء، بالتوثيق، ولم يعد ثمة قدر كافٍ من التنفيخ والتشتيت والتحوير لاعتراض التهاوي السريع لرواية التضليل. إسرائيل فشلت في القمع، رغم الفجور بالإجرام والقَتل والتّدمير، وإسرائيل انفَضَحت في الدّعاية، بسبب هذا الفجور عينه.

أضحَت السرديّة المؤيدة لإسرائيل مكشوفة أمام العالم، وهو ما يستجلب لإسرائيل القَلَق، إلى حدّ ما، يطعن باستحقاقويتها، وربما يُعَرقل بعض السَّفر لجنودها إلى ملاذات التّرفيه التي يستسيغونها. لكن هذه السرديّة قد انهارت كذلك أمام الجمهور النّاخب في الولايات المتحدة بمن فيهم المُحافظون، بل تصل إلى أوساط إنجيلية إجلالُ إسرائيلَ لديها فعلُ عبادة، وهو ما يستوجب الهَلَع بالتأكيد.

إسرائيليًا، التّسوية دون الانتصار المطلَق مستحيلة، ولا سيما بعد الإغداق البذيء عليها من جانب الولايات المتحدة بكامل التّمويل والتّسليح والتغطية السياسية لتَسْحَق غزة. لا يمكن لإسرائيل البتّة التّخلي عن مسعى إنزال الهزيمة القاطعة بالفلسطينيين، إذ إن أيّ أمل متبقٍ في أوساطهم، بعد الإفراط بالتوحّش إزاءهم، من شأنه أن يغذي فكرة التّمكين الآتي ولَو بَعد حين. الخطر هو الدولة، هو المقاومة، هو الهويّة، بل هو الوجود الفلسطيني بحدّ ذاته. غزّة مع ما تلاها، أفسدت إنجازًا مهمًا كانت إسرائيل قد اطمأَنَت إلى تحقيقه، وهو نقل الوجود الفلسطيني من موقِع الحقّ الجليّ الذي يُلزِم المجتمَع العالمي بالإقرار به، بالأرض، بالدولة، بالهوية، إلى موقع العلّة التي تقتضي المعالجة لتذليلها وتذويبها والانتهاء من الإزعاج الذي تتسبّب به.

حُظوظ إسرائيل لتصحيح الفَشَل بمعركة السرديّة ليست معدومة، لكنّها ضئيلة. المشكلة هي أن محاولات الطّمس والتّحويل إن لم تنجح في ردْم الهوّة بين موقف الجمهور المستهدَف ومَسعى توجيهه، فإنّها تضاعف من عُمق هذه الهوّة، وتُظهر السرديّة على أنها كاذبة ومضللة. وهذا ما يجري للتوّ في الولايات المتحدة.

وإنْ لَم يعد بالإمكان الدفاع عن إسرائيل، لا كفكرة ولا كسلوك، فلا بد من تذكير الجمهور بأنّ مضامين الشرّ والعداء والتّهديد تكمُن في مواقع أخرى، الإسلام بالتأكيد، العالم الثالث، البشَرَة السمراء التي تجتاح البلاد، الشيوعيّة المتآخية مع الجهاد. وإن لم يَنفَع هذا التّذكير، فتبًا للجمهور، والتّعويل على رأس المال الكَفيل بشراء الطبقة السياسية، والدفاع عن قُدُراته لمنع اعتراض شراء الطبقة السياسية.

ما يجري في الولايات المتحدة ينطَبق على العالم أَجمع. ليس أن إسرائيل ومن يجاريها من المتموّلين ذوو قدرة مطلقة، وليس أن تراجع المنظومة الدولية القائمة على القَواعد والأسس من اجتراحِهم، لكنهم يدرِكون بالتأكيد جدوى توظيف هذا التّراجع لتمكين إسرائيل من خَوض الشّكل التالي من معركتها، شكلٍ تغيب عنه اعتبارات الرقيّ الأخلاقي وتَحْضر فيه العصبيّات الناقضة للإنسانية الجامِعة. أيْ إذا كان من الصعب إفهام الجمهور بأن المَقْتَلة التي ترتكبها إسرائيل هي من أجل القيَم العالميّة، فربما المَطلوب إقناع الجمهور بأن هذه القِيَم لا قيمة لها، وأن الولاءات الذاتية تستحقّ أن تكون فوق كلّ اعتبار.

هذا التوجّه جليّ استقرائيًا، على أنّ التّعبير الصريح عنه يتكرّر، كما جاء على لسان إِحدى الناشطات اليهوديّات التقدّميات (وهي كانت كاتبة خطب للرئيس الأسبق باراك أوباما) حين أشارت، دون حَرَج وبتأسّف صريح، إلى وجوب إعادة النظر بمناهج التوعية بشأن المحرقة اليهودية، حيث إنّ الناشئة اليهود يَقيسون على أساسها للوقوف إلى جانب الحقّ الفلسطيني.

أَحَد أهَم الدروس المستفادة من غزّة هو بالفعل أن القِيَم العالميّة، أيّ المروءة بالمصطلح الجديد، هي أساس فعلي لمواجهة مَنطِق القوة، هي ما دفع مئات الآلاف إلى الشوارع نصرة للمظلومين في غزة رغم القَبضة المالية السياسية على عواصم الغرب، هي ما جعل العديد من طلاب جامعات النخبة في الولايات المتّحدة، الموعودين بمستقبل زاهر وافر، أن يضحّوا بمستقبلهم لقول كلمة الحقّ، وهي ما أحدث التحوّل لدى الجمهور الأميركي، للمرّة الأولى على الإطلاق، من دعم إسرائيل إلى تأييد الحقّ الفلسطيني.

المرحلة التالية من شأنها أن تنضوي بالتالي على طَعن بهذه القِيَم العالمية، على إبراز الأصوات الطاعنة بها في المنطقة والعالم، وبالتأكيد على التذكير المتواصل بأن الفلسطيني ليس صاحب حقّ، بل صاحب مسعى للفَتك بالغرب. كلّ هذا في انتظار ظروف وفُرَص لتَجسيد الجموح المستمرّ لمَحو كَلِمَة فلسطين من التّداول.

شَكْلُ المستقبل الفلسطيني رَهن باستيعاب هذا التحوّل ومواجهته ومعالجته، وربما من وَحي تجربة العامَين الماضيين، إِدراك أن المروءة، لا العصبيّة، هي السبيل لاختصار الأَذى القادم.

د. حسن منيمة

المحاضر في معهد الشرق الأوسط بواشنطن

رأيك يهمنا