مَمَرات إِجبارِيّة نَحوَ النُّهوض بالاقِتصَاد الِفلِسْطينيّ

لا يُمكِن الحَديث عن اقتصاد فلسطيني أو آليات للنّهوض به أو حتى عن أحلامنا المتعلّقة به دون تحديد أساسيّات تَبدأ من تحديد حدود هذا الاقتصاد ومقوّماته، والظروف السياسية والشروط اللازمة لتحقيق المطلوب، وشكْل الاقتصاد الذي نريد، وهل فعلًا هناك إرادة سياسية جدّية للنهوض به، أَم أنّنا بحاجة إلى تحفيز النمو الاقتصادي دون النّظر إلى التنمية الحقيقيّة.

يقدّم هذا المقال بَعض المقترَحات للنهوض بالاقتصاد الفلسطيني، منطلقًا من أَنّ استقلاله وتحريره من التبعيّة هو الأساس، كما أنّ النهوض بالاقتصاد يبدأ من العمل على تحقيق التنمية المستدامة التي تَسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وخَلق قاعدة اقتصادية قادِرة على تحقيق النموّ طويل الأجل، وخَلق بنية تحتية ملائمة للنهوض، وقاعدة مَتينة لتعزيز التنمية المطلوبة وتحقيقها، بما يشمل قطاعات الصحّة والتعليم، بما يتيح تحقيق مؤشرات اقتصادية اجتماعية، تقلّل للحدود الدنيا مستويات الفَقر والبطالة، ويحقّق الرفاهيّة للمواطنين، وإذا ما تم الاتفاق على هذا الأساس، بالإمكان البَحث والتعمّق في تقنيّات الوُصول إلى اقتصاد قويّ ومتين ومتحرّر من التبعيّة والاستغلال، ذي سيادة على القرار.

في هذا السّياق، يبدَأ التّعبير عن الإرادَة السياسيّة لتحقيق المطلوب باتّخاذ قرار بالانفكاك التّدريجي عن الاقتصاد الإسرائيلي، والسّعي بشكل كامِل لتحقيق التّكامل الجغرافي والاقتصادي مع قطاع غزة، وتَرتسم حُدود الاقتصاد الفلسطيني في هذه المَقالة ضِمن مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أنّ هذا المَقال مَبنيّ على رأي شخصي، مَفاده أن النّهوض بالاقتصاد الفلسطيني يتطلّب المطالبَة بالاستفادة من الأراضي المصنّفة (ج) واستغلالها اقتصاديًا بالشكل الأمثل كونها تشكّل 60% من مساحة الضفة الغربية.

من هُنا، يجب أن تتوفّر إرادة سياسية حقيقيّة تَسعى للتحرّر والانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال، وتَسعى لخلق اقتصاد منتِج غير استهلاكي، من خلال اتخاذ قرارات وسياسات تهدف لتعزيز الإنتاج المحليّ، وتوفير مُدخَلات الإنتاج من مَصادر مختلفة بَعيدة عن الاحتلال، وتُعنى بتعزيز العلاقات مع الدول العربية، وتؤمِن بأنّ العُمق العربي يُعَدّ أساسًا للتحرّر والنهوض الاقتصادي في فلسطين، بمَعنى: البَحث عن سُبل توفير مصادر البترول من الدُول المجاورة حتى وإن كان بتكاليف أعلى، والبحث عن آليات توفير مصادر الطّاقة المتجدّدة، والعمل بشكل جديّ نحو تخفيف التبعيّة الاقتصادية من خلال تفكيك المنتَجات التي يتمّ استيرادها من إسرائيل والبحث عن مصادر بديلة لها.

ما الاقتصاد الفلسطينيّ المُتخيّل؟

اقتصادٌ فلسطيني مستقل وقويّ ومتين، يَقوم على مجموعة أُسس ومبادئ تعزّز دور القطاع الخاص، لكن ضمن تدخّل من الدولة لصالح: توجيه الاستثمارات في القِطاعات اللازمة، وتَحقيق النموّ وخلق فرص العمل، وتحريك عجلة الاقتصاد، دون إهمال المعطَيات الاقتصادية والاجتماعية التي تَضمن تحقيق التّنمية المستَدامة في فلسطين. وعليه، أعتقد أن مقوّمات الاقتصاد الفلسطيني تَكمن في محاور عدّة، أهمّها رأس المال البَشري، والزراعة والصناعة، والميزَة النسبيّة لموقع دول فلسطين الجغرافي، ناهيك عن قطاع السياحة، وعَليه يُمكِن الاستثمار في ما يأتي:

أولًا: رأس المال البشري

يَمتاز المجتمَع الفلسطيني بطابَعه الفَتيّ، حيث يُشكل الأفراد تحت سنّ 30 عاماً نسبة 65% من إجمالي السُكان في فلسطين،[1] كما بَلَغ عدد الأفراد البالغ أعمارهم 15 سنة فأكثر في الضفة الغربية، 2,170,100، منهم 46.9% داخل القوى العاملة و53.1% خارجها، علمًا أن المصنَّفين خارج القوى العاملة هم مَن لا يبحَثون عن العمل، أو لا يرغبون بالعمل، وبالتالي، هناك العَديد من غَير الباحثين عن العمل هم من المحبَطين نتيجة تردّي الأوضاع الاقتصادية، وشعورهم بعدم إمكانية الحصول على عمل، تحديدًا أنّ نسبة البطالة (وهي تعبّر عن نسبة غير العاملين وهم داخل قوى العمل) تشكّل 31% في الضفة الغربية، وبالتّالي، من تم احتسابهم خارج قوى العمل هم ليسوا بالضرورة غير قادرين على العمل أو غير راغبين، وبالتّالي، وفقًا لتلك المعطَيات وربطها بمؤشرات التعليم المعبّرة عن نسب مرتفعة مقارنة بالدول العربية،[2] فإن الاستثمار في رأس المال البشري قد يكون من أولويّات النهوض في الاقتصاد الفلسطيني. فعلى الرّغم من ارتفاع نسَب التعليم، فإن هناك حاجة لتعليم المَهارات التقنيّة والتّعليم الريادي، وتَشجيع البحث والتطوير،[3] والعمل على توجيهها بما يَخدم النهوض بالاقتصاد الفلسطيني من خلال مقترحات عدة تشمل ما يأتي:

أولًا: تَعزيز الاستثمار برأس المال البَشَري، بالشّكل المواكِب للثورة التكنولوجية وثَورة الذكاء الاصطناعي، وبما يَخدم احتياجات السوق العالَمي، مِن خلال تعزيز قطاع البرمجيّات والخَدمات الرقمية، وتعزيز العمل على تصدير الخدمات والتقنيات للخارج، وللدول المجاوِرة والوطن العربي.

ثانيًا: تَعزيز الاستثمار برأس المال البشري بالشّكل الذي يَخدم توسيع البنية التحتيّة الاقتصادية بحيث تتمكّن هذه البنية بشقّيها الاقتصادي (الاتصالات، وسائل النقل، الاستيراد والتصدير، شبكات الكهرباء والمياه) والاجتماعي (خدمات الصحة والتعليم، والتدريب والرعاية الاجتماعية) من تلبية احتياجات السكان، الأَمر الذي يتطلّب توجيه الاستثمارات في البنية التحتية، والعمل على خلق فرص واستيعاب عمالة كبيرة في مختلف التخصّصات وعلى مختلف المستَويات الإدارية والتقنية، في القِطاعين الحكومي والخاص على السّواء.[4]

ثانيًا: النّهوض وتَوجيه دَور القطاع الخاص

يَلعَب القطاع الخاص دورًا مهمًا في الاقتصاد الفلسطيني، لكن هذا الدّور مقتصِر على الإنتاج الخَدَماتي، وغير القابل للتّداول، إذ إن تفريغ القاعِدة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني أثَّر سلبًا على قرارات الاستثمار، الذي بلَغ في متوسطه 26% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنّ معظمه ذَهَب إلى قِطاعات غير قابلة للتّداول التجاري وليس إلى أنشطة إنتاجية،[5] بالتالي فإن القطاع الخاص يواجِه تحدّيات عديدة في فلسطين تحدّ من قُدرته على الاستثمار في الصناعات التي تولّد إنتاجًا قابلًا للتّداول، وتولّد نموًا طويل الأجل، لذا يجب على الحكومة الفلسطينية والقطاع الخاص العمَل بشكل متكامِل لخلق بيئة جاذِبة للاستثمار، وتَوليد إنتاج قابل للتّصدير والتّداول من خلال ما يأتي:

أولًا: العَمَل على تعزيز التّكامل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث لا يُمكن النّهوض باقتصاد فلسطيني دون تَعزيز الدّور المتكامل بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ثانيًا: العمل على تعزيز العلاقة مع المستثمرين ورؤوس الأموال الفلسطينية خارج البِلاد، من خلال حثّهم على ضخّ الأَموال والمَعونات للاستثمار داخِل فلسطين، وتعزيز شبَكة الاستيراد والتّصدير معهم، والبَحث في إمكانية الاستفادة في سياق النهوض في الاقتصاد الفلسطيني.

ثالثًا: تَعزيز العلاقة مع العُمق العربي، إذ إنّه لا يُمكن النّهوض بالاقتصاد الفلسطيني في حال استمرت علاقة التبعيّة الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي، وبالتّالي، فإنّ دَور القِطاع الخاص والحكومة العَمَل على بَحث آفاق التعاون والاستيراد والتّصدير مع الدول العربية، وخصوصًا المواد الخام والوقود، اللذين يسهمان، بصورة إيجابية، في الميزة النسبية السعريّة للمنتوجات الصناعية الفلسطينية.[6]

رابعًا: توجيه الاستثمارات لقطاعات الإنتاج التي تُحاكي متطلّبات السّوق العالَمي، وبالشّكل المتوازِن مع متطلّبات السوق الفلسطيني، بمعنى تعزيز ودعم الاستثمارات في قِطاعات الطاقَة المتجدّدة، والتكنولوجيا والبرمَجيات، والاقتصاد الرّقمي، وأيضًا لقطاعات الصناعة والزراعة، بما يخدم ويخلق التّوازن مع متطلَّبات السّوق المحلي.

ثالثًا: قِطاعَيّ الزراعة والصناعة

إنّ الاستثمار في القِطاع الزراعي لا يشكّل فقَط مدخلًا وميزة نسبيّة اقتصادية، إنّما هو استثمار في قطاع أساسي لتعزيز الصمود والاستقلال، وبالتالي فإنّ الحديث عن الاستثمار في القطاع الزراعي يندرج في سياق السّيادة على الغذاء والسعي لتحقيق الحريّة والاستقلال. وعلى الرغم من محدوديّة المساحات الزراعية المتاحَة في فلسطين أو على الأقلّ في الضفة الغربية وقطاع غزة (ضيق الرّقعة الزراعية ذات الخُصوبة الجيّدة، محدوديّة كمية المياه وارتفاع تكلفتها)، فإنّ هذا القطاع أُهمل وتراجع أداوه على مدار الأعوام، وبالتالي لا بد من الاستثمار فيه والنّهوض به، والبحث عن سّبل وآليات تقلّل من تَكاليف مُدخَلات الإنتاج، من خِلال أنظِمَة الزراعة الذكيّة والحديثة، وأنظمة الريّ الحديثة، ناهيك عن ضَرورة الضّغط على المطالبَة بحقّنا باستغلال الأراضي المصنّفة (ج) والاستفادة منها.

كما شَهِد القطاع الصناعي تراجعًا مدويًا خِلال فترة ما بعد أوسلو، حيث انخفضَت مساهمَة قطاعي الزراعة والصناعة من الناتج المحلي الإجمالي كنسبة من 27% عام 1994 إلى 17% عام 2021. وعلى الرغم من أهميّة هذا القِطاع وقُدرته على تَشغيل العمال واستيعابهم، فإن اللجوء لقطاع الخدَمات والتجارة بما يُحقّق ربحًا أسرَع وإيرادات للحكومة من الجمارك، أدّى إلى إهمال قطاع الصناعات التحويليّة، كما أنّ ارتفاع تكلفة مُدخَلات الإنتاج، أدّى إلى ارتفاع تكلفة المنتَج النّهائي مقارنة بالسّلع المستورَدة، وبالتالي، يحتاج هذا القطاع إلى سياسات حمائيّة من خلال تَخفيض الضرائب على المنتَجات المحلية الناتجة عن قِطاع الصناعات التحويليّة، والبحث عن سُبل استيراد مُدخَلات للإنتاج قد تكون أَقلّ تكلفة من المستوردَة من إسرائيل وتَوسيع نِطاق الاستيراد والتّصدير، والبَحث عن أَسواق خارجيّة لتصدير المنتَج الفلسطيني.

رابعًا: تَحقيق العَدالة الاجتماعيّة

عَلى الرّغم من أهميّة الدَور الذي قد يَلعَبُه القطاع الخاصّ، فإنّ أهمية دَور الحكومة يَكمُن في خَلق توازنات تَضمن تَحقيق العدالة المجتمعيّة وتقليص الفَجَوات في الثّروات بين أفراد المجتمع. وعلى الرغم من أهمية الاستثمار في القطاعات المذكورة أعلاه، فإن الّتعاونيات كنموذج اقتصادي تعاوني تحرّري يستطيع الاستثمار أيضًا إلى جانب القطاع الخاص في القطاعات المذكورة كافة، وبالشّكل الذي يضمن تحقيق العَدالة المجتمعية، وقد يَكون أَداء التعاونيّات أكثر كفاءَة من القطاع الخاص إذا ما تمّ الاستثمار فيه، وبناء على ذلك، يُفترَض أن تتّبع الحكومة مجموعة من السياسات التي تحققّ العدالة، بدءًا من توجيه الإنفاق الحكومي لدعم القطاعات الاجتماعية، وبما يعزّز الاستثمار في رأس المال البشري، وقطاع التعليم الموجّه نحو ما يخدم آليات النهوض الاقتصادي. كما يُفترَض العمل على سياسات ضريبية تصاعديّة، تقلّل الفجوات بين الناس، وتحقّق عدالة التّوزيع، والعمل على دعم إنشاء التعاونيّات وتعزيزها، ودعم قطاع الزراعة والصناعة، والإنتاج المَحليّ، وسيتم ذلك من خلال البَحث عن تَنويع مَصادر التّمويل الخارجي، وتوسيع شبكة المستثمرين في العالم، وتوجيه الصناعات والإنتاج الموجّه للسوق العالمي، بما يشمل الخدمات الرقميّة والبرمجيات، وفتح الأسواق مع العالم، والتحرّر من التبعيّة للاحتلال الإسرائيلي. وعلى الرغم من أنّ المقترحات أعلاه قد تبدو صَعبة التحقّق، فإنها ممكنة، في حال تمّ اتّخاذ قرار النهوض الاقتصادي، والاستغناء عن القطاعات الاستهلاكية، وتحفيز النمو الاقتصادي الحقيقي، وتَقاسُم الأعباء والتكاليف بعدالة.


[1] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني | الإحصاء الفلسطيني يستعرض أوضاع السكان في فلسطين بمناسبة اليوم العالمي للسكان، 11/07/2025.

[2] In the Occasion of International Literacy Day, 8th of September.

[3] استمرار الوضع الراهن: التعليم | الشبكة.

[4]  يوسف صايغ، المقومات الاقتصادية لدولة فلسطين، معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني ماس، طبعت عام 2022.

[5] https://www.unescwa.org/sites/default/files/pubs/pdf/palestine-economic-dependency-development-arabic.pdf.

[6] مأزق الاقتصاد الفلسطيني والأمل بالبعد العربي | مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

لميس فرّاج

باحثة في السّياسات المالية والموازَنة العامة والسّياسات الاقتصادية والتنموية، ومهتمّة بالقضايا الاجتماعية- الاقتصادية والاقتصاد السياسي.

رأيك يهمنا