"رواق".. فَلسَفَة الِبناء في زَمَن الهَدْم

وَسَط الدّمار، حين تكون الأرضُ مُثقَلة بالخراب والعدَم، وتكون الذكريات مهدَّدة بالمَحو، يُصبح مفهوم الإعمار وسيلةً للملَمة الجِراح والناس والعَون. ما شَهده، قطاع غزة وناسُه من حرب إبادة جماعية ارتكبها -ولا يَزال- الاستعمار الصهيوني هو عمَل ممنهَج لكَسْر البشر والحجر والشجر، بما يتضمّنه من إبادة الهويةِ والذاكرة. إلّا أنّ أهل غزة ما زالوا يقومون بالبِناء والابتكار والحِفاظ على حجارَتهم بكلّ الوسائل المتاحة. 

يَعمَل الفاعلون في قطاع المَوروث الثقافي، سواء أولئك الموجودون على الأرض في غزة أو خارجَها، منذ بداية حرب الإبادة، على التّفكير والتأمّل بإمكانية حفظ موروث غزة الغنيّ الذي يَحوي أكثر من 300 مبنى تاريخي، يقع معظمُها في مدينة غزة. تنقسم هذه المباني بين العام والخاصّ والتجاري. فمنذ أول شَهر من حَرب الإبادة، اجتمَع العاملون في قطاع الموروث الثقافي، بما يضمّ المؤسسات الثقافية والدوائر الحكومية والأفراد المختصّين، لوضْع خططِ استجابة وتقييم لحالة المباني التاريخية في القطاع وحالَة الأرشيفات الورقيّة والمَخطوطات. 

في البداية، كانت هذه الخطَط محاولة لتكثيف الجُهود والمعرفة العملية والعلميّة بشكل جمعيّ. تمّ مَسح المباني بإضافة مواقعها وحالتها، ومن بينها تلك التي تَعني الكثير لأهل غزة خاصة وفلسطين عامة. فغزة تحتوي على واحد من أهم المَساجد وأكبرها، هو المَسجد العمريّ الكبير، الذي تعرّض لهدم وقصف مرّات عديدة خلال حرب الإبادة وبقي أهلُه يصلّون فيه. وفي دير البلح، يقبَع مقام الخضر الذي يَعود إلى القرن الثالث ميلادي. وفي غزّة، تحوّل الحمّام العثماني الوحيد "حمّام السمرة" القائم في المدينة إلى كَومة رُكام. تحوّلت كلّ هذه المَعلومات إلى أَرقام ومعلومات عن كلّ المباني التاريخية، والأَحياء الأساسيّة والشوارع والمَحال. 

مع كلّ هذا الرّكام، أدرَكنا أهمية العَمل الجَماعيّ لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأن يكون حجر أساس الإنقاذ أنامل الغزيّين. ارتئينا ضرورة العمل على مشاريع مستعجَلَة لإنقاذ الحجارة من التّشرذم وحماية المباني، أو ما تبقّى منها. نسأَل أنفسَنا دائمًا عن جَدوى الأشياء وسط الحطام، لكننا نؤمن بأنّ عملنا هو إصرارٌ على الاستمرار والحياة، وهو وسيلة ومحرّك اقتصادي للعمّال والمهندسين، وهو فعل مضادّ لجميع المخطَّطات العالمية والاستعمارية التي تَسعى إلى فرض واقع جديد في فلسطين.  

الصورة لأعمال انقاذ الجامع العمري الكبير في مدينة غزة

مَعَ خسارة البَشَر وأُسُس الحياة الرئيسة، فَقَدنا أوراقًا وصورًا تعود للمجتمع والأفرد وتحكي قصَصهم وقصَص مبانيهم. في هذا السّياق، عَمِد "رواق" إلى حِفظ وحماية أرشيفه المكوّن من صور وفيديوهات وتسجيلات صوتيّة ومخطَّطات توثّق الحياة الاجتماعية في القرى والبلدات الفلسطينية، ومحطات تاريخية في فترة الثمانينات والتسعينيات والألفينيات. تَكمُن أهمية هذا الأرشيف في كونه شاهدًا على مساحات لم تَعُد موجودة الآن أو تغيّرت مع مرور الوقت؛ مئات آلاف الصوَر لفلسطينيين من المجتمعات المحلية تَستَخدم المساحات البيئية والمباني التاريخية، وصور لغزة كما كانت قبل الدمار والهدم. في قلْب هذا الفعل، تقف الأرشَفَة والتوثيق بوصفهما أدوات حيّة، لا تُعنى بحفظ الذاكرة وحدها، بل تعمل كشاهد على معرفة الشعوب الأصلانيّة ووجودهم المتجذّر على الأرض وصُمودهم. 

بالرغم من تعزز أهمية عملنا في حماية التراث المعماري فقد تغيّرت خلال العامين الماضيّين فكرتنا ونظريّاتنا عن حفظ الموروث والعمارة، فنرى بأن عملية إعادة الإعمار والبناء في المباني التاريخيّة هي فعل متحرّك يتطلّع إلى الحاضر والمستقبل ويواكب احتياجات مستخدميه، فكم من الأناس في غزة فَقَدوا أطرافَهُم الحركيّة، والسمعيّة، والبصريّة! وعليه، على المباني التاريخيّة أن ترعى هذه التغييرات، وأن تكون مساندة للأفراد، مع الأخذ بعين الاعتبار أصالةَ المكان وأهمية الحفاظ على تفاصيله. 

على الرغم من خصوصيّة الحالة الفلسطينية فإنّه من الضروري الاطّلاع على الحالات المشابهة في الدول المحيطة كالعراق التي تعرّضت لنهب موروثها الثقافي وسرقته وتدميره، واليمن كذلك، على سبيل المثال لا الحصر، والأخذ بالدروس المستفادَة، مع أن تكون هناك مراعاة تأخُذ الجانب الإنساني في غزة في الاعتبار. 

بالتّوازي مع حرب الإبادة في غزة، ازدادت التّضييقات على الضفة الغربية في محاولات للسيطرة على أكبر قَدر من الأرض ومصادرة المناطق المصنّفة "ج" وشرذمة الجغرافيا وتفكيك المخيمات الفلسطينية وتهجير سكانها مجددًا. في هذا السياق، عَمِد الاحتلال الإسرائيلي إلى استغلال الفرصَة لسرقة المواقع التاريخية والأثرية في الضفة الغربية وفَرْض السيطرة عليها من خلال استحداث قوانين، ومنع وصول الفلسطينيين إليها، بالتركيز على مواقع مهمة منها: القدس الشريف، والحرم الإبراهيمي وسبسطية الأثرية. ناهيك عن مئات الحواجز الإسرائيلية والبوابات الجديدة التي تُعيق حركتنا وقدرتنا على الوصول للمواقع التاريخية والأثرية المستباحة من قطعان المستوطنين المسلحين كذِراع جديد لفَرض السّيطرة الإسرائيلية بشتى الأشكال المُمْكنة. 

يستمر "رواق" في عَمَله ورؤيته لتحدّي الشّرذمة الجغرافية التي يفرِضها الاحتلال، وتوثيق الموروث التاريخي في فلسطين وحمايته من خلال منهجيّة مجتمعيّة واعية، تضع الموروث الثقافي على سلّم الأولويات في القضية الفلسطينية، وتوظفه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتُشرك فئات متنوّعة في عملية صناعة القرار في عمليات الحماية وإعادة الإعمار والتّعافي. 

لا يأتي العَمَل في إطار نظريّ فحسب، وإنما من خلال سلسلة من التدخّلات والمشاريع على الأرض، منها مَشروع خَلق فرص عمل للحرفيّين الفلسطينين وتدريب المهندسين الجدد والطلاب، وترميم أكثر من 160 مبنى تاريخيًا، وتأهيل 26 مركزًا تاريخيًا في الريف الفلسطيني. 

نَرى في عملنا نافِذَة أَمَل ومساهمة لتحقيق العدالة والحرية لفلسطين، واستحقاق الشعوب الأصلانية لأرضها ووطنها وتقرير مصيرها ضدّ القوى الاستعمارية. 

رواق - مركز المعمار الشعبي

انطلق “رواق” عام 1991 عندما اجتمعت مجموعة من المهتمين في جهد منظم لإنقاذ المباني التاريخية في فلسطين. تتمثل مهمة "رواق" في حماية التراث المعماري والثقافي في فلسطين واستعادته وتأهيله من خلال برامجها الرئيسة: برنامج الترميم، وبرنامج إعادة إحياء أهم 50 مركزًا تاريخيًا، والبرنامج المجتمعي والثقافي. يساهم "رواق" في إنتاج المعرفة حول التراث ونشرها من خلال برنامج البحوث والمنشورات، بما في ذلك سجل المباني التاريخية في فلسطين، ويعمل بالتعاون مع الجهات الفاعلة الأخرى على بناء بيئة مؤسّسية وقانونية مواتية.

رأيك يهمنا