إِعلام فِلِسْطيني للمُستَقبَل: أَن نَحْمِل الرّوايَة، لا أَن نَمُرّ بِها

مِن مَوقع تَجربتي المتواضِعة في العمل الصحافي، ومن احتكاكي المباشِر مع الواقع الفلسطيني الذي يزدحم بالأحداث والتحدّيات، كثيرًا ما أَتوقّف لأتساءَل: إلى أين يتّجه إعلامنا؟ وما الصورة التي أرجو أن يتكوّن عليها مستقبله؟ فالإعلام في فلسطين ليس مجرّد قناة للنقل أو التّغطية، بل هو جزء أصيل من معركة الوَعي، ورُكن أساسي في حِفظ الرواية الوطنية، وأداة تُضيء على الإنسان الفلسطيني الذي يواجِه ظروفًا استثنائيّة لا يُشبهها شيء. لذلك، فإن حُلُمي بمستقبل الإعلام الفلسطيني لا يَنفصل عن إيماني العميق بأهميّة هذه المهنة، ولا عن قَناعتي بأن تطويرها ضَرورة لا خيارًا.

أوّل ما أتمناه هو أن يمتلِك الإعلام الفلسطيني قدرته الخاصة على صياغَة السرديّة، بعيدًا عن الردّ الدائم على الآخرين. فعلى مَدى سنوات طويلة، وَجَدنا أنفُسَنا في مَوقع الدّفاع، نُلاحق روايات عالميّة تحاول تَشويه الحقيقة أو اقتطاعها من سياقها. والمستقبَل الذي أرجوه هو مستقبَل نبدأ فيه نحن صياغةَ القصة، ونقدّم الحقيقة من قَلْب المكان، من أرضِ فلسطين نفسها، من المَيدان الذي يَشهد على التفاصيل لا من خارجه. أُريد لإعلامنا أن يصبح المَرجع الأوّل لكلّ ما يتعلّق بنا، وأن يمتلك خطابًا واضحًا قادرًا على التأثير في الرّأي العام الإقليمي والدولي، لا أن يبقى محصورًا في إطار ردود الأفعال.

أما الحُلم الثاني، فهو أن يقوم إعلامنا على مؤسَّسات مستقلّة وقادرة على حماية العاملين فيها. إذ لا يمكن أن نطوّر الأداء الإعلاميّ دون بيئة مهنيّة آمنة ومحميّة بقانون واضح يردع الاعتداء على الصحافيين، ويضمن لهم حقّ الوصول إلى المعلومات، ويمنحهم مساحة حرّة لممارسة دورهم دون خوف أو حسابات سياسية. إن الاستقلال الماليّ والإداريّ ليس رفاهية، بل شَرط أساسي لصحافة تحترم نفسها، وتحترم جمهورها، وتستَطيع الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. وأتمنّى أن يُعاد بِناء مؤسسات إعلامية فلسطينية تمتلك رؤية واضحة، وتستثمر في تَدريب الكوادر، وتَمنح الصحافي حقوقَه المهنية كاملة، ليبقى تركيزه منصبًا على الحَقيقة وحدها.

ويَتَّصل بذلك حُلُم ثالث لا يقلّ أهمية، وهو أن يتبنّى الإعلام الفلسطيني التحوّل الرقمي بكلّ ما فيه من إمكانات. فالعالَم يتغيّر بسرعة، والمنصّات الرقميّة أصبَحَت السّاحة الأساسيّة للتّأثير وصناعة الرأي. لم يَعُد الجُمهور يَنتظر نشرة الأخبار كما في السّابق، بل يذهب إلى هاتفه ليبحث عن معلومة سريعة، وصورة بليغة، وتحليل مختصر. لذلك أَطمَح إلى إعلام فلسطيني قادر على إنتاج محتوىً رقمي حديث، يَستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي، وصحافة البيانات، والتّغطيات المصوَّرة، والبث المتواصل. إنّ امتلاك اللغة الرقميّة اليوم هو امتلاك لمِنبَر عالميّ، وهذا ما يجب أن نَحرص عليه كي لا يَبقى صوتنا محصورًا داخل حدود جغرافية ضيّقة.

ولأنّ فلسطين قصّة إنسان قَبل أن تكون خبرًا سياسيًا، فإنني أحلُم بإعلام يُعيد الإنسان إلى مركز الحِكاية. فعندما تُختزل المأساة في أرقام، تفقِد جزءًا كبيرًا من معناها. أُريد صحافة فلسطينية تتناول تَفاصيل الناس، حياة الأُسر، مقاومَة الشباب اليوميّة، صمودَ النساء، أَحلام الأطفال، ومعاناة المرضى والعاملين والطّلاب. فالقِصص الإنسانيّة هي التي تحفظ الذاكرة، وتَكشف عُمق التجربة الفلسطينية، وتُعيد للمتلقي إحساسه بالمسؤوليّة تجاه ما يَحدث. الإعلام الذي يَقترب من الإنسان قادرٌ على الوصول إلى العالَم بطريقة أَصدَق وأَعمَق وأكثر تأثيرًا.

ويَظَلّ للمرأة في هذا الحُلُم مكانها الخاص. فالصحافيات الفلسطينيات أثبَتن حضورًا لافتًا في الميدان وفي غرَف الأخبار، وقدّمن تضحيات كبيرة، وفَرَضن حضورهنّ رغم التحديات، ومع ذلك، ما زال تَمثيل المرأة في مواقع الإدارة والتحرير أقلّ من المستوى المطلوب. 

أتطلّع إلى مستقبَل تكون فيه المرأة جزءًا طبيعيًا من صناعة القرار الإعلامي، لا مجرّد عنصر تجميليّ أو حضور شَكلي. أُريد فضاءات تمنحها الثّقة، وتفتح أمامها الطريق لتقود، وتُبدع، وتُساهم في تشكيل الخطاب الإعلامي الفلسطيني.

أمّا على المستوى الدولي، فأَحلُم بإعلام فلسطيني قادر على اختراق العالَم بلُغاته المتعدّدة. فقضيّتنا لم تَعُد قضيّة محلية، بل هي مسألة عالميّة تتصدّر النقاش الأخلاقي والسياسي حول العالم. ومن الضروريّ أنْ يمتلِكَ إعلامنا منصّات تخاطب الجمهور الدوليّ مباشرة، بلغة يَفهمها، وبخِطاب موثوق يواجِه التّضليل، ويعرِض الحقيقة كما هي. أطمَح إلى أن أرى مؤسسات فلسطينيّة تُصدر محتواها بالعربية والإنجليزية ولغات أخرى، وأن يتأهَّل جيل جديد من الصحافيين القادرين على العمل في بيئات دولية دون أن يتخلّوا عن هويتهم.

وأخيرًا، لا يمكن الحَديث عن مستقبَل حقيقيّ للإعلام الفلسطيني من دون إعطاء الصحافة الاستقصائيّة المكانة المركزيّة التي تستحقّها، فهي ليسَت مجرّد نوع من أنواع العمل الصحافي، بل هي العمود الفقري للإعلام المهنيّ والمسؤول. فالتحقيقات العَميقة تمتلك القدرة على الذهاب إلى ما وراء السّطح، وكشْف الحقائق المخفيّة، وتعريّة شبكات الفساد، وتتبّع مكامن الخَلل، وتسليط الضوء على الأخطاء البنيوية التي قد تهدّد المجتمَع أو تعيق تقدّمه. وهي، في الوقت نفسه، أداة فعّالة لمحاسبة الجهات التي تتجاوز القانون أو تَستغل مواقعها أو تتقاعَس عن أداء واجباتها. لذلك، فإنّ تطوير هذا النوع من الصحافة يتطلّب من مؤسّساتنا الإعلامية أن تتبناه بجدّية أكبر، وأن تخصّص له مواردَ حقيقية تشمل التدريب والتمويل والدعم الفني والغطاء القانوني، إلى جانب توفير الحِماية اللازمة للصحافيين العاملين في هذا المجال لما يواجهونه من مَخاطر وضُغوط. فوجود صحافة استقصائيّة ناضِجة يَعني وجود إعلام قويّ قادر على تصويب الأخطاء قبل تَفاقمها، وتعزيز الشفافيّة في المؤسسات، وحِماية المجتمَع من أيّ ممارسات قد تُلحق الضرر به. وهكذا فقط يصبح الإعلام سلطة رقابيّة مستقلة لا تخضع لأيّ تأثير أو ضغط، بل تعمَل بضمير مهني واضح، وتَضَع مصلحة الناس وحقّهم في المعرفة في مقدّمة أولويّاتها، كما يجب أن يكون دائمًا.

إنّ مستقبَل الإعلام الفلسطيني الذي أَحلُم به هو مَشروع تتشارَك فيه الأجيال، ويُبنى بالصّبر، والإيمان، والعمل المتواصل. إعلام حرّ، مسؤول، رقميّ، إنسانيّ، عالميّ، وقادر على حمْل رواية فلسطين بصوتٍ مهنيّ وصادق.

ملاك فريد أبو رعية

مذيعة ومقدّمة برامج في إذاعة الحرية، وصحافيّة حرّة، وطالبة دراسات عليا في الإعلام الرّقمي والاتّصال في جامعة القدس.

رأيك يهمنا