تَخَيُّل الغَدِ الفِلسطيني: الإِفْلات مِن أَسْر "المُمْكِن"

نَعيش في لَحظات تتزاحَم فيها المآسي ويُضَيِّق فيها الواقع على الخَيال، ويَبرز سؤال المستقبل الفلسطيني كأَحَد أَكثر الأسئلة تعقيدًا في الشّرق الأوسط، لَيس لأنّه محاصَر بجغرافيا الاحتلال فقط، بل لأنّه يتقاطَع مع خَرائط عربية متصدّعة، ومنطقة مضطّربة وسياقات إقليمية قَيد إعادَة التشكّل. في قَلب هذه السياقات، يشكّل السياق السوري محورًا بالغ الحساسيّة، إذ تحوّل من ساحة دعم تاريخي واحتواء للقضية الفلسطينية إلى ساحة حرب استمرت أربعة عشر عاماً، ومن ثم استغلال إسرائيل الفترة بعد السُّقوط مباشرة لتجريف القُدرات العسكرية السورية وتدميرها، وعدَم الاكتفاء بذلك، بل تمركَزَت قواتها في جبل الشيخ والمناطق الحدودية الجنوبية لسورية.

مع ذلك، ورغم كلّ ما يجري في المنطقة فإن التفكير في المستقبَل الفلسطيني اليوم لا يُمكن أن ينفصل عن سؤال أَكثَر عُمقًا: كيف نتخيّل مستقبلًا أكثر عدلًا وإنسانية في زَمَن تبدو فيه الوَقائع أكبر من البَشر؟

هنا تبدأ مرحلة التخيّل السياسي كأداة للخروج من أَسْر المُمكِن إلى رَحابة المفتَرَض، ومن ضيقِ اللحظة إلى أفُق المستقبَل.

 حين يُصبح التخيّل ضرورة، كي لا نفقِد الأمل، فالأمل في السياق الفلسطيني ليس ترفًا، ولا انفعالًا عاطفيًا، إنّه فِعل سياسي. فالفلسطيني الذي يَعيش تحت الاحتلال، أو في الشّتات، أو في المخيمات على أطراف المدن العربية، يَملك قدرةً فريدة على تحويل الذاكرة إلى طاقة، والخَسارة إلى سرديّة صمود.

لكن السؤال اليوم: هل يمكن لمجتمع مُنهَك أن يُعيد إنتاج مشروعه الوطني؟

هَل العالم الذي يفضِّل دومًا في منطقتنا العربية إدارة الصراع بدلًا من حلّه لا يزال قادرًا على توفير نافذة عدالة؟

هل يستطيع الفلسطينيون أنفسَهُم تجاوز الانقسام والعودة إلى مَركز الفِعل، وهل يمكن إعادَة تَشكيل مؤسّساتهم؟

أما في السياق السوري تحديدًا، يُصبح سؤال الأمَل مضاعفًا، فالفلسطينيون في سوريا الذين عاشوا عقودًا بوصفهم جزءًا من النسيج الوطني السوري، وَجَدوا أنفسهم في الحرب في قَلب مأساة مزدَوَجة هي فقدان الوطن السوري المؤقَّت، مَع بقاء الوطن الفلسطيني الأصلي بعيدًا.

مَع ذلك، ظلّت المخيمات السورية التي تحوَّلَت في بعض المناطق إلى رماد تَحمِل بذورًا صغيرة من الإصرار؛ مدارس تُفتح وسط الركام، شبّان يعيدون إنتاج النّشاط المدني، عائلات تَبحَث عن البقاء كخيار مقاومة، فالحال في سوريا هو معركة إثبات الذات، ومعركة البقاء والبناء عقب الحرب الطويلة.

لا يختلفُ اثنان على أنّ الحلّ العادل للقضية الفلسطينية يمرّ عبر تمكين الفلسطينيين من بناء دولتهم المستقلة. لكنّ الطريق إلى ذلك ليس خطّيًا، ولا يَخضَع للحسابات القانونية وحدَها، بل إنّه خليط من التحوّلات في ميزان القوى الدولي.

يَدخُل العالَم مرحلة ما بعد القطبية التقليديّة، حيث يفتَحُ تراجعُ الهيمنة الأحادية نوافذَ ضيّقة للحركات التحرّرية.

ومن ثم لابد من السؤال حول قُدرة الفلسطينيين على إعادة بناء البيت الداخلي.

لا يمكن لأيّ مشروع تحرّري أن ينهض فوق الانقسام، ولا فوق الاقتصار على الخطاب. 

وحدَها الوحدة السياسية، والرؤية التوافقيّة لمرحلة ما بعد التحرير، يمكن أن تُعيد الاعتبار للمعنى الوطني العام، ومن ثم النظر إلى الدور العربي وخصوصًا السوري.

فسوريا التي أعادت تثبيت موقعها الإقليمي تدريجيًا تمتلك، رغم جراحها، وزنًا رمزيًا وسياسيًا في معادلة الصراع. ومستقبل أيّ مقاربة فلسطينية سيكون أكثر اتساقًا إذا تمكنت سوريا من استعادة عافيتها، لأن الجغرافيا السياسية تَجعَل من دمشق محورًا لا يُمكن تجاوُزُه في توازنات المنطقة.

ومن ثمّ لا بدّ من النَّظر في تحولات المجتمع الإسرائيلي نفسه.

فكلّ أفق للحلّ لا بد أن يأخذ بالحسبان تَصاعد اليمين الإسرائيلي، وتَراجع القوى المؤمنة بالتسوية. لكن التجارب التاريخية تُظهر أن الانفجارات السياسية الكبرى تأتي غالبًا من داخل المجتمع الأكثر ثباتًا حين يبدو التغيير مستحيلًا.

ثم السؤال "ماذا لو…؟" ليس مجرّد لعبة افتراضية، بل شَكل من أشكال التخطيط الاستراتيجي في زمن الضباب.

ومحاولة تخيّل المستقبل الفلسطيني عبر أسئلة "ماذا لو…؟" ليست هروبًا من الواقع، بل تَفكيك له.

ماذا لو… استعادت سوريا استقرارًا كاملًا؟

قد يعني ذلك إعادة ضبط العلاقة الفلسطينية-السورية على أُسس جديدة، تستفيد من التاريخ دون تكرار أخطائه، كما قد يُعيد فتح المجال لدور إقليمي داعم، وأكثر واقعية.

ماذا لو… تفكَّك النظام السياسي الإسرائيلي على وَقْع صراعات داخلية؟

ليس سيناريو مستحيلًا، فالمجتمع هناك يعيش انقسامات غير مسبوقة. قد يشكّل ذلك فرصة تاريخية لإعادة تعريف الحلّ الذي طالما صُوّر كمسار ثابت، بينما هو في الحقيقة متغيّر دائمًا.

ماذا لو… توحّد الفلسطينيون ضمن رؤية واحدة؟

هنا يصبح الحُلُم السياسي أكثر وضوحًا: سلطة واحدة، قرار واحد، مشروع واحد.

وفي سياق كهذا، تتحول المخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان من رمز مأساة إلى رافعة وطنية.

ماذا لو… أعاد العالم تعريف مفهوم العدالة؟

خطاب حقوق الإنسان الذي يضعف أمام القوة، قد يَعود بقوة مع التحوّلات الدولية الكبرى كما عاد بعد الحرب العالمية الثانية. عندها، تصبح المطالبة بالحقوق      لجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت 123 دولة بدعوة إسرائيل إلى الانسحاب من الجولان وأنها أراضٍ سورية وهذا زخم دولي مهم معنوياً. 

ومن ثم بين الواقع والخيال – لماذا نحتاج التخيّل أصلًا؟

التخيّل ليس بديلًا عن العمل، لكنّه شَرط له.

فالشعب الذي لا يتخيّل مستقبله يصبح أسيرَ الماضي، وتتحوّل قضاياه إلى ملفّات بَدَل أن تكون مشاريع.

المستقبل الفلسطيني بحاجةٍ اليوم إلى خَيال واقعي، خَيال لا يُنكر قَسوة الاحتلال، ولا يتجاهَل ثِقَل الجغرافيا، لكنّه يفتح نافذة للاحتمالات.

في السياق السوري، يصبح التخيّل الفلسطيني أيضًا جزءًا من إعادة تخيّل سوريا نفسها.

فالقضية الفلسطينية ليست ملفًا خارجيًا فحسب، بل هي جزء من ذاكرة سورية سياسية وشعبية.

بذلك، فإن مستقبَل البلدين، رغم اختلاف الجراح، متشابك، وإسرائيل قلقة من سورية موحَّدة متماسكة، علماً أنّه ليس هناك تهديد سوري.

لا يمكِن لأحد أن يتنبّأ بشكل المستقبل الفلسطيني، لكن يمكن للجميع المشاركة في صياغته.

وحين يصبح التخيّل فِعل مقاوَمة، وحين تتحوّل أسئلة الأمل إلى أدوات لتحليل المُمْكن، يصبح المستقبل ليس وعدًا مؤجّلًا، بل مشروعًا قابلًا للبناء.

في النّهاية، يظل السؤال الأهم: هل نملك الشجاعة للتخيّل؟

لأنّ من لا يتخيّل لا يستطيع أن يغيّر، ومن لا يطرح ماذا لو…؟

لَن يَصل إلى "هكذا أصبح".

هكذا كان الحلم والخيال السوري الذي يتحوّل لحقيقة، وكذلك لأيّ شعب حلم وأراد وعمل.

د. زكريا ملاحفجي

المحلل السياسي والأمين العام للحركة الوطنية السورية.

رأيك يهمنا