غَزّة: سَتَبْزُغ بِذْرَة الأَمَل مِن عَتْمَة المَشْهَد

في الأُسبوع الأَخير من العام 2025
هُنالك متَّسَع من الأمل يجب أن يَأتي حتى لو كان ضئيلًا، يُشبه الأمل الذي أحدّثكم عنه - الهَمس وسَط رياحٍ عاتية عاصفة، وسُيول أَمطار لا تتوقّف فَوق خَراب بات مشهدًا قائمًا في غزة الآن! أُجاهِد الواقعَ المرير والرؤيا القاتِمة، وأنزِع من قَلب الموت بِذرة حَياة، نعَم فبذرة الأمل آتية رغم قَتامة المَشهد في غزة!
إنّها نِهاية عام أُخرى لا تزال كالسّوط بقَسوَتها وأَكثَر، فأصوات الانفجارات تَعلو الآن في مربّعات سكنية في غزّة ورفح، والمرّبعات السكنيّة هي بيوتٌ لا تزال ناجية من مطحنَة الإبادَة، وكانت تحمِل أملًا لأصحابِها بعودَة للبيت، البيوت، الحيّ، المدينة، عشرات العائلات تَرتَجِف من وَقع صوت الانفجارات، وتَرتَجف في الوقت نفسه من شدّة البَرد الذي يحمِلُه الشتاء الأكثر قَسوة عليهم في الخيام لعام آخر، أصواتُ الانفجارات والعتمةُ التي يفرضها غياب ضوء الشمس يجعلنا نفكّر بوعي أكبَر مما نملِكُه، فالبُيوت تُنسَف في دقائق ويَعلو الحُطام والغُبار وجهَ المدينة، لكن كم يكلّف إعادة بنائها وقتًا ومالًا وجهدًا، بل كم وقتًا وجهدًا ومالًا تحتاج إزالة الركام والحطام الذي ينتشِر مع كلّ نَفَس.. صباح كلّ يوم في كلّ مدن غزة! كَم نحتاج وقتًا ومالًا وجهدًا وعزيمة لنرمّم دواخِلَنا، ذلك الإنسان الذي واجَه هذه الوحشية منفردًا!
تحرّرت هبة اليوم من الحياة/الموت/الركام
اليومَ، بَعد عامين تحت الرّكام خَرَجت عِظام الإعلاميّة هبة العبادلة التي تفوّقَت على أقرانها في حينه. كانت مذيعة ومقدّمة برامِج في "راديو الأزهر"، وإذاعة "صوت وطن"، وبَرَعَت في مُناظَرات الشباب والحوارات واللقاءات، وكانَت مقدِّمة مميَّزة في الاحتفالات والمَهرجانات بصَوتِها الرّخيم وقوّة أَدائها وشخصيّتِها الفذّة!
اليوم 25 من كانون الأول/ديسمبر، بَعد عامين تحت الرّكام، تحرّرت هبة مِن وَأْدِها هي وابنتها وأكثَر من خمسين فردًا من عائلة الأَسطل في خان يونس، هبة التي تَنطِق صوَرها بالقوّة والإبداع، عَجِزنا عن إنقاذها حينَ راسَلَت هذا العالَم البائس لتُعلن أنّها محاصَرة مع العشرات في بيت واحد، بينما الانفجارات تتوالى ولا منفَذ لهم .. ناجَت هبة قَبل عامين إلّا أنّ كلماتها كانت الأَخيرة!
كتَبَت في مُناجاتها: "دعواتكم الصّادقة لنا الزميلات العزيزات أنا وأهلي ومَعنا 5 عائلات، حوالي 30 سيدة و10 أطفال و20 شباب ورجل موجودين في منطقة السّطر الغربي شارع 5 والدبابات تحيط بنا، ندعو الله السلامة لنا جميعًا، ونحملك أن تنقل صوتنا في حال كتب الله لنا الشهادة. 3 أيام من أصعَب اللحظات التي يمكن أن يمرّ بها الإنسان تحت صوت القذائف والاشتباكات وبقايا البيوت التي يتم استهدافُها ويسقُط ركامُها فوق رؤوسنا ورائحة البارود والغاز ناهيك عن صوت تحريك الدبابات بِجِوارنا، نحتَسِب خوفنا وصبرَنا عند الله، ونقول إنّنا كلّنا لسنا أرقام وكلّ منّا لديه أحلام وطموحات وذكريات".
![]() |
|---|
الاعلامية الشهيدة هبة العبادلة وابنتها جودي
كانت هذه آخر كَلِماتها، فبتاريخ 9/1/2024، قَصَفت الطائرات الحربيّة الإسرائيلية منزل أَخوالها من عائلة الأَسطل، حيث ارتَقَت هبة العبادلة وابنتها جودي ووالدتها رويدة الأسطل، وأفراد من عائلة الأسطل وعائلات أخرى قدروا باكثر من 59 شهيد بدأوا بانتشالهم في نهاية العام 2025.
مُنذ ذلك الحين وَهِبَة وابنتُها والنّساء والأطفال والرجال باتوا كتلةً واحدة، عَجَنَتهم صواريخ الاحتلال وفَتَكت بهم في بيت خالها الذي لجأوا إليه جميعًا، ورغم صرخات الأطفال والنساء فإنّ الطائرات الحربيّة أكمَلَت مهمة القَتل غير الرحيم، وانتقَمَت مِن أَجساد الأَبرياء.
منذ التاسع من كانون الثاني/ يناير 2024 ظلّت تحتَ الرّكام أجسادُهم التي تحلَّلت وأصبحَت عظامًا تلتَحِم بحجارة البيوت ورِمال الأرض، يتنفّسون الوجَع واليقظة الأبديّة وقد تعلّقت أرواحُهُم بين السماء والأرض، الأمر الذي نالَ مِن ذويهم الأَمَرّين، استمرّت الحرب اللعينة لتَقتل الأبرياء ثم لتَقتل النّاجين بعَذابات موتاهُم الذين ظلّوا تحتَ الرّكام والحُطام، لا راحَة في الحياة ولا راحَة في الموت، ظلّت الأجساد التي باتت عظامًا يابسًا نالَت منه خشونة الرّكام حتى هذا اليوم (25 كانون الأول/ديسمبر 2025)، حيث تمكَّنَت فيه طواقم الدفاع المدَني من انتشال جُثث الضّحايا الأبرياء، وانتَشلت جُثة هبة وابنتها مع باقي العائلات!
![]() |
|---|
تشييع جثمان 25 من عائلة الأسطل في خان يونس بعد انتشال جثامينهم وعظامهم بعد عامين
(تصوير عبد الله العطار)
حُزن مَهيب يُخيّم في الأَنحاء، فحتى قُدسيّة الموت وقُدسيّة الدّفن وإكرام الشهداء باتَت كابوسًا آخَرَ لأهالينا في غزّة، فأنتَ تدفِن عظامًا بعد عامين ولا تملِك أن تفرّق بينها! لا كلمات تُجدي في مَدافن الأحياء/ الأموات! تحرّرت هبة اليوم وانعَتَقت عظامها بعد عامين من المَوت، هبة التي كَتَبت على صفحتها بتاريخ 31 تشرين الأول/ اكتوبر 2023:
"مُعجزة فقط هي ما سيُنهي هذا الكابوس، يا ربَّ المعجزات أَوقِف الحرب".
أمّا في العاشِر من أكتوبر من العام نفسه، كتبت هبة: "كُلّ الصور التي تَأتي من مُختَلَف الأماكن التي نُحبّ، لا تُدلّل على معالمها وربما يتساءَل بعضُ الأصدقاء مَن منكم استطاع أن يتعرّف لهذه الأماكن بعد القصف؟! كُلّ شيء في غير مكانه حتى باتَت كُلّ المَعالم لا تُشبه نفسها، لكنّي أقول سَوف نبقى نعرف كُلّ الأماكن جيدًا: الرّمال، خانيونس القلعة، شارع الجامعات.. لأنّنا لا نَستدلُ على الأماكن فقط من حجارتِها إننّا نعرفها من رائحة الذّكريات وصَوت المَواقف التي مَرَرنا بها، وعدد الأيام التي تجوّلنا فيها في كلّ هذه الأماكن.
نعلمُ أنّه حقّ علينا ليسَ التّباكي علىٰ ما نُشاهِد؛
لكن كيف نَشْرحُ لأَعيُننا يا ربّ!
بالله كيف أشرَح!
وداعًا عمر أبو شاويش، وداعًا سعيد الطويل وداعًا لكل الشهداء والأبطال".
تودّع بكلماتها مَن سَبَقَها من صحافيين، ولا تَعرف أنّها ستَلحَق بهم بعد أشهر قليلة!
كلّ الأَعوامِ تَشْهَد!
منذ التاسع من كانون الثاني/ يناير 2024 ثم التاسع من كانون الثاني/يناير 2025 وها هو يَأتي التاسع من كانون الثاني/يناير 2026 وهم عظامٌ تَصرُخ من أجل دَفنِها، تستَصرِخ البشريّة لدَفن رحيم؟؟! هل هذه أُمنيات بَشَريّة حقًا! وكَم من آلاف الأَجساد التي قُتِلت وذَبُلَت عظامُها ووهَنَت بانتظار أن ينقِذَها النّاجون من جَحيم اللا موت!! كم ألفًا من الجثامين الطّاهرة لنساء وأَطفال ورجال في كلّ أنحاء غزة تنتظر يدًا لتنشِل عظامَها وتَدفِنها مع قراءَة سورة الفاتحة والدّعاء بالرّحمة لروحها تَهدأَ في سماء سَوداء ليس لها مَثيل إلّا في غزة. حين كَتَبْت عن الأُمنيات الاستثنائيّة في غزة في نهاية العام 2024 لَم أَكُن أُداعِب الخيال مطلقًا، فكلّ أُمنيات الغزيّين هي حُقوق واجِبة بفِعل القَوانين والشّرعة الدولية لكنّها تَصمِت ويَنقَطِع صوتها أمام حدود غزة التي باتَت جحيمًا لا يوصَف للناجين، فبدلًا أن يُعينَهم العالَم على حياة بائسة ليسَت بحياة، تَجِدُهم ينكّلون بالناجين، وكأنّ سؤالًا يَطرُق أَذهان الناجين صباح مساء! فيمَ نَجَوتُم؟؟! ولِمَ نَجَوتُم؟ وكأنّ العالَم يُريد أَن يَشطِب عن روحِه ثقَل الذنْب الذي يتحمّله لأَجل غزة فقرّر وَأْدها بالنّسيان، وبمواجَهَة مَصيرها وَحدَها!
عانَت غزة على مَدار عامَين بَشاعَة إِبادة إنسانيّة واجتماعية وإعلامية وثقافية وبيئية، غزة سَبَحَت في بَحر من الدّم ولا تزال، بيوُتها أصبحَت ركامًا، وحدائقها باتَت قبورًا، أمّا مدارسُها فقد أصبحَت ملاذًا للنازحين، ومَشافيها ما عادَت مشافيَ، حتى أسوار جامعاتها سَقَطَت خلال عامين أُكِلَ فيها الأخضر واليابس، لكن رغمَ كلّ الجِراح والبَشاعَة والمَوت فإن أعوامًا قاسية جدًا تنتظرُها حال استمرار إغلاق المَعابر وعَدم إنقاذ عشرات آلاف الجرحى والمَرضى والمَنكوبين، وحال عدَم إدخال ما يَحفَظ كرامَة النّاجين الذين يُعانون الكثير في الخِيام المُهترِئة، فَقِطعة القِماش لَن تصمُد صيف شتاء! نَعَم، غزة تُعاني الآن أكثرَ لأنّ الكثيرين يعتقدون أنّ الحرب قد توقَّفَت بينَما هي لم تَقِف ما دامَت التّفجيرات لا تزال مستَمِرة والقصف يَأتي فَجأة، والسّماء لم تَخلُ من طائرات "الكواد كابتر"، والشّهداء لا يَزالون يتساقَطون، والحصار لا يَزال مضروبًا على حبّةِ دواء وشُربة ماء ولقمة طعام تُسِند جوعهم!
لكنّ الناجين يَستحقّون الحَياة الكَريمة، ويَستحقّون أن نَصنَعَ من المَوت أملًا، فقد وهَبَهم الله الحَياة وعلينا أن نتحلّى بالأمل، وأَن نكون أكثرَ قوّة كي نتمكّن من إحياء هذا الأمل رَغم عشرات الآلاف من المآسي والنّكبات التي ستستمرّ مَعنا سنوات طويلة، ورغم ذلك، ورغم هذه القَتامة فإن هنالك أمَل بأن نعمَل على إِعادة الأمَل وبِذْرَته لأنفسنا، ونتفاءَل بقُدوم عام جديد، عام التّشافي، وعام الأَمل بيوم أفضَل يحفَظ كرامة النّاجين، ويوفّر لهُم لقمة العيش الكريمة، ويَغْزل لهم من الحُزن ألوانًا لكي يرسِموا غدًا أكثر إشراقًا.. نَعَم سيأتي الخَير، وستأتي الحرّية يوم قريب!
الوَداع ليس كافيًا لهبة العبادلة وابنتها وأمها وعائلَتها بل المطالَبة المستمرّة بتجريم الاحتلال الإسرائيلي، فالجريمة بحقّها وحقّ النساء والأطفال والرجال التي ارتُكبت منذ عامين لا يجِب أن تتوقّف عند الحزن والفاجعة والألم الكبير الذي نَشعره فحسب، بل يَجب ألّا يُفلت الاحتلال الاسرائيلي من العِقاب بعد هذه الجرائم التي تَشهد عليها عظامهم التي خَرَجت للنور بعد عامين كاملين لتكون دليلًا فجًّا على إبادة الأبرياء وخِداعهم بعدما تمّ جمْعُهم في بيت واحد وقَتْلهم بهذه الطريقة الوحشية!
لا يَجب أن يكون العام القادم فَقَط عامَا للأُمنيات، بل عامًا لمزيد من الإصرار والمطالبة بحقوق شهدائنا ونسائنا وأطفالنا وإعلاميينا الذين لم يتوقّف استهدافهم حتى الآن! لدينا هَمّ كبير والجرح لا يزال مفتوحًا، لنستقبل عام 2026 يجب أن نمسَح دموعنا وأَن نبكي طويلًا وكثيرًا، لكن أيضًا أَن نَعمل معًا لأجل إنقاذ الناجين في غزة، ولا نملِك نحن كإعلاميين وكتاب إلّا كلماتنا ومنصّاتنا الإعلامية، فكلمة الحقّ في مَشهَد الدّم ليسَت رفاهيّة، وليست إلّا طريقنا للتّشافي والعمل والبدء من جديد!






