الفِلِسطيني وَمَصائرُه: أَثَرُ الفُروقِ الطَّفيفَة

ماذا لَو لم تقتحم إسرائيل الأرض، ولم تُهجّر الإنسان، وبقي جدّي في داره؟
يَحكي لنا الواقع أن الأحداث الديناميكية تلعب دورًا مفصليًا في تغيير مسار الطريق. إذ إنّ تغيير مسرب السير إلى آخرَ أو تغيير الوجهة، يُغيّر مجرى الأحداث اليومية والمستقبلية، فـ إحداث تغيير بسيط قد يؤدي إلى نتائج معقّدة غير متوقعة، مثلما عَرّف درويش أَثَر الفراشة في قصيدته بأنه "جاذبيّةُ غامضٍ يستدرج المَعنى، ويرحلُ حين يتَّضحُ السبيلُ".
التّغييرات التي نعايشها، بسيطة تكاد لا ترى، وأثرها يمتد إلى أجل غير مسمى، فـماذا لو عاد بنا الزمن؟ أين سنكون؟
فعلى شُرفة المنزل، في نهارٍ معتدل الحرارة في عام تتهادى أيامه نحو حدود ألفين وخمسة وعشرين، أَسرّح النظر بالبعيد، بهتافات الأطفال، بأزمة السير، وحفيف أوراق الشجر، وأهمّها نسمة هواء الحرية التي تداعب وجنتيّ. يأخذني عقلي نحو التفكّر بعمق، بما تحمله هويّتنا اليوم من معنى، من المنطقيّ ألا نكون في الوضع الاقتصادي ذاته، وأن تنحصر الثقافة ضمن حدود البلاد، فلم يَشهد التاريخ نكبة للديار، ولم تنزح السلالة من ديارها، بل بقيَت في أرضها المقدسة. علّنا نعاني من أزمات اقتصادية وأخرى اجتماعية كما يقال "على قَدّ الحال"، لن يرافقني حينها شعور بأننا بقايا للنكبة، وبأننا نعاني أزمة هويّة، لن نعي حينها معنى أن ننتمي إلى أرضين إحداهما حرّة والأخرى محتلة، سوف نكون أحرارًا، نتعايش مع الواقع كما هو، لنا في الذاكرة حرية، وفي الوعي مساحة، وفي العالم بداية بلا نهاية. يعترف بنا العالم هنا كفلسطينيين، أحرار، بشر، لا تقيّدنا الحدود أو جواز السفر، لا منعَ من الدخول، أو حصار من الخروج.
الأمر أشبه بسيناريو حياتيّ لا يحمل طابعًا مختلفًا، مثله مثل الكثير ممن لم يعايشوا الحرب وانتزاعَ حقّهم بالحياة عنوة. الأمر روتينيّ، نسعى بأنفسنا نحو مستقبل مُشرق، به تعايش، وتسامح، ونخوة. ومن الطبيعيّ أن نخلق من بيننا عدوًا، فالإنسان بطبيعة حاله، يقاتل نفسه إن لم يجد عدوًا، يصبح جاره من يسرق حقّه، وأخاه من يأكل ورثه، فالنفس البشرية لا تشوبها شائبة، بوجود احتلال أو بانعدام وجوده. فالحقائق هنا لا تُفَبْرَك، ولا يغير من ملامحها شيء.
هنا أيضًا، نقف أمام صورة متناقضة، أحد أوجهها إنساني، والآخر وحشيّ، لكن عمومًا والغالب، هو وجه الإحسان والتصالح، إلى أن يثبت العكس. ففي أرض التسامح نجوب باحثين عن الفساد، وفي أرض السلام نقاتل حتى أنفسنا، وفي الأرض ذاتها ننادي بالحقّ وبالعدل ونصرخ بالحقيقة. لطالما يجول في خاطرنا العالم الورديّ أو ما أسمّيه "عالم الخيال"، ليس لأنه وهمي أو مستحيل، بل لأن استحالته تقع على عاتقنا. توهمنا دائمًا مسيرة الجموع، حتى لو تعارضت مع أهوائنا، فالخوف يجتاحنا، والوهْم يقتلنا، وبالطبع، نقتل أنفسنا.
لكن! ماذا لو لم يغير مجرى التاريخ، ونزح جدّي إلى أرض مجاورة، "معززٌ مكرم"، لكن يعاني ما لم أعانِ منه أعلاه، وتأخذه الصراعات مرارًا إلى مسارب عديمة المَعالم، حتى أجدني بعد قرن من النزوح على مفترق طريق، أجوب باحثة عن نفسي، متمسكة بشعاع أمل منبعث من البعيد؟ فعلى شرفة منزلي، في الأرض التي احتضنت اللجوء، وشرعت له أبوابها، يجتاحني سؤال: "من أنا؟". فـ هويتي هنا، جسر ثقافي وتاريخيّ، ورصيدٌ للوطن لا عبءَ لجوء. والثقافة عبرت الحدود وخلقت التّغيير الذي نحلم به، فنحن في عام ألفين وثمانيةٍ وأربعين، في عام الأمل، الذي نحلم به، عام به النضال حقّ والتمكين حقيقة، والهوية واضحة المعالم، نحاكي أرضَ وطنيّة قومية مشتركة، في الإقليم الأوسط، غير غارقين في قضية يعاديها العالم، ونطرح على طاولة النقاش قضايا التمكين ومواكبة التطور، فـ الإنسانية هنا سيدة الموقف، لا جماعات ولا أقلية، نعامل بعضنا البعض بالهوية المتفردة التي خلقناها لأنفسنا، لا بالأصل ولا بالفصل، ولا بأرض الانتماء أو دولة الجوار، نحاكي هنا كينونة التسامح، لا نجادل بحقوق الإنسان الأساسية لأنها حقّ مفروض لا يختزل ولا ينتزع. العبور أضحى غير مقيّد، ومعالم النفس حرّة واضحة، والرغبة بالتعبير لا حدود لها. نتشارك الآن القضايا الإقليمية وكأنها قضية وطنية، والأغنيات غير محدودة ضمن نطاق حدوديّ، بل تتراقص وتجوب كالطيور المهاجرة، تستقر في كل موسمٍ في الأرض التي تلائمها.
منذ ما يقارب قرنًا من اليوم، بدأ مسارنا يتشكّل، فكل حدث منذ ذلك العام حتى اليوم، لعب الدور المحوري في تشكيل حياتنا، وتشويه هويتنا، إن كان مقدرًا أم لا، فإن التغييرات الصغيرة التي نُحدثها منذ اليوم، هي عنصر الحَدَث في المستقبَل، وإن كانت محدودة ومقيّدة، فقد تخلق مساحة حرة أسطورية يومًا ما.
في الحقيقة، ومسألة الحقائق هنا دائمًا ما تحيّرني، فقد تكون الحقائق كذبة نُساير بها أنفسنا، أن السلام الذي نسعى له، قد يكون حلمًا بعيدًا، ففي كلا السيناريوهين، السلام هدف إنسانيّ الصنع، وكذبة نُخفي خلفها الاضطهاد ونزع الحقّ والقتل الذي نفسّره على أنه أمر لا بد منه لتحقيق تعايش متسامح لدولتين إحداهما متمكّنة في خلق سيناريو كاذب، والأخرى تضحي بذاتها لتطالب بحقوق أساسية أضحت أيضًا بالنسبة لها حلمًا بعيدًا.
الصورة:من معرض "وشراعي في مينا يافا" الذي يتناول تاريخ يافا وأهلها بين الأعوام 1880 – 1948 لأمينها إبن مدينة يافا رفعت ترك.




