العَلاقات اللبنانيّة الفِلِسْطينيّة: ماهِيّة التَغَيُّر العَميق وَسِياقُه

لم يكن مَلَفّ العلاقات اللبنانية الفلسطينية في لبنان يومًا ملفًا مرتبطًا بالكامل بالعلاقة بين لبنان والمؤسسة الفلسطينية الرسميّة، سواء كانت منظمة التحرير الفلسطينية أو السُلطة الوطنية، وبالضرورَة لم تكن الدولة اللبنانية صاحبَة اليد الطولى في تقرير مستقبَل هذه العلاقة، ولا في تقرير مصالِح الدولة اللبنانية على هذا الصعيد.
مخيمات لبنان منصّة إقليمية
خَضع الوجود الفلسطيني في لبنان منذ بدء اللجوء في عام ١٩٤٨، لتطوّرات لم تقتصر على المشهَد السياسي اللبناني فحسب، بل تعدّاها إلى مداخَلات إقليمية ودولية مهّدت للحرب الأهلية في العام ١٩٧٥، وما تلاها من اجتياحات إسرائيلية للبنان، وحروب داخلية كانت الفصائل الفلسطينية أحد أطرافها والمخيمات إحدى ساحاتها، وبدأ معها مسار جديد شكّل الانفلات العسكري الفلسطيني واللبناني عنوانًا بارزًا لها.
كلّ ذلك جَعَل الفلسطينيين في لبنان عرضةً لاستغلال إقليمي واستثمار سياسيّ محليّ وإقليمي، وبَدَت المخيمات الفلسطينية نقطة ارتكاز لتوجيه رسائل أمنيّة إقليمية ودولية بمواصفات رسالة مَجهولة المَصدَر.
لا يحتاج ما تقدّم إلى بَراهين، فسيرَة أربعة عقود تدفَع لتثبيته، رغم محاولات نوعيّة برزَت مع انسحاب الجيش السوري من لبنان عام ٢٠٠٥.
ويمكن القول من النّاحية النظرية إن مرحلة جديدة بدأَت في العلاقات اللبنانية الفلسطينية، فمع انسحاب الجيش السوري، وبقرار حكومي لبناني، قامت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، وهي هيئة حكومية تأسّست في عام 2005 تحت اسم «فريق عمل معالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيين» لتُعنى بالسّياسات العامة التي تَستهدف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
لبنان وترميم الثّقة
على الرغم من الخطوات التي قامت بها لجنة الحوار، وتتسم بإعادة ترميم الثقة بين الحكومة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية ومختلف الفصائل الفلسطينية في لبنان، فإن خطُواتها بقيت خَجولة على مستوى الفاعلية، بسبب الضغوط الإقليمية التي أرادت المحافظة على وضعيّة في المخيمات قابلة للاستخدام في سبيل أهداف لا علاقة لها بفلسطين، وإن كان شعار فلسطين وحقوق الفلسطينيين شعارًا قابلًا لتغطية كلّ الممارسات مهما بلغت من السوء.
ما يمكن رَصدُه مع التحوّلات الأخيرة التي شهِدَها لبنان إثر "حرب الإسناد" هو عودة الروح إلى ملفّ اللجوء الفلسطيني في لبنان، الذي لا يُمكن اختزاله بالبُعد الأمني والعسكري، بل يتجاوزه إلى جملة ملفّات تتّصل بحقوق اللاجئين في العمل والتملّك، وغيرها من آليات تحسين ظروف العَيش في المخيمات المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية.
نَزع السّلاح كمدخَل للتّصحيح
اتَّخذَت الحكومة اللبنانية قرارًا قبل أشهر بنَزع السلاح الثقيل والمتوسّط من المخيمات، واستجابَت حركة فتح لهذه الخطوة وسلّمت كميّات من السلاح للجيش اللبناني، في حين لم تستَجب الفصائل الأخرى لهذا القرار، وبدا أن الحكومة متمهّلة في استكمال هذه الخطوة، لكن مصادر فلسطينية دبلوماسية في بيروت بالتّقاطُع مع مصدر رسمي لبناني، تتحدّث عن تطور مهمّ في مقارَبَة الحكومة اللبنانية لملف الوجود الفلسطيني في لبنان، وتحدّثت عن إِعداد ورقة متكاملة تقوم بها رئاسة الحكومة بمشاركة فلسطينية غير رسمية، وبعيدًا عن الأضواء، تتّصل بالرؤية اللبنانية لتنظيم الوجود الفلسطيني، وهي بحسب وصف المصدر تدعو للتفاؤل، مستندًا إلى طبيعة النقاش الجدي والبحث الدقيق في مقارَبَة الملفّات المتراكِمة، فضلًا عن الرؤية القائمة على مبدأ احترام السيادة اللبنانية، والتعامل القانوني والعادل مع الفلسطينيين في لبنان، سواء على مستوى ترتيب أوضاع المخيمات من مختلف النواحي وعلى قاعدة الخضوع للسيادة اللبنانية، والعمل على بناء علاقة رسميّة مباشرة بين الدولة اللبنانية والسّلطة الفلسطينية من خلال القنَوات الدبلوماسية، وحَصر دور الفصائل بشؤون فلسطينية من دون المسّ بموقع السّفارة الفلسطينية التي صارت الجهة الوحيدة الموكلة فلسطينيًا بالاتصال بالدولة، في ما باتت الفصائل -وعلى رأسها حركة فتح- تتبع قيادة منظمة التحرير، ولا علاقة للفصائل بالدولة اللبنانية.
مأْسَسَة العلاقات
لا يقتصر الجهد الحكومي اللبناني على الملفّ الأمني والسلاح على أهميته، لكنّه البوابة التي تطمح الحكومة من خلالها لمعالجة ملفات متراكمة، كالأملاك الفلسطينية المصادَرَة، ومأْسسة العلاقة اللبنانية الفلسطينية، وتحسين ظروف العَيش في المخيمات.
يَبقى أن مأساة الفلسطينيين في لبنان متراكمة، فإلى جانب القضية الأساس باستمرار إسرائيل في نكران حقوقهم في العودة، دفعت المخيمات الفلسطينية أثمانًا هائلة من الدّم والدّمار في حروب عبثيّة أدّت في العقود الأربعة الماضية إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا في مواجهات داخلية أو في حروب مع منظَّمات لبنانية ومع الجيش اللبناني، وإن دفع اللبنانيون أثمانًا هائلة في المقابل، فإن كلّ ذلك كان مآسيَ صمّمها وأدارها النظام السوري في معظم الأحيان، وقوى إقليمية، فيما لا يعفي ذلك الفلسطينيين واللبنانيين من مسؤولياتهم.
نظرة للمستقبل
في أيّ نظرة موضوعية للمستقبَل، يجب الالتفات إلى أن السلاح الفلسطيني أو اللبناني في المخيمات أو في يد الميليشيات اللبنانية، تحوّل إلى عبء على الطرفين اللبناني والفلسطيني، ولَم يعُد الإصرار على التمسّك بالسلاح يوفّر أيّ وظيفة تمهّد لنيل الحقوق في التحرير أو العودة، إن أيّ نظرة مستقبلية للنضال الفلسطيني يجب أن تنطلق من ثابتة أن السلاح لم يَعُد مصدر قوة في لبنان على الأقل، بل وسيلة لضرب قضية الشعب الفلسطيني، وعنصر ضعف في إعادة ترميم العلاقة مع الحاضنة اللبنانية.
إنجاز للسلطة الفلسطينية
أهمّ ما يُمكن الإشارة إليه في العقدين الأخيرين أنّ السلطة الفلسطينية نَجَحَت في كَسر حواجز العداء مع كلّ الأطياف اللبنانية، وهو إنجاز لا يجب الاستهانة به، بل مِدماك يبنى عليه في المستقبل.
الفرصة مؤاتية اليوم لإعادة الاعتبار للعلاقة اللبنانية الفلسطينية من باب المَصالح المشترَكة، ومن خلال سيادة كلّ طرَف على القرار الوطني.




