ماذا لَو كانَ الخِطابُ النّسَوي المَركَزيّ في رام الله أَكثَرَ تَحَرّرًا؟

مُنذُ تَوقيع اتفاقيتيّ أوسلو، أُعيدت صياغة الخطاب السياسي بحيث يَظلّ المهيمن عليه حزب الأغلبية في الجسم السياسي، وهو ما قد يشكّل عقبة أمام الجِسم الاجتماعي المتشكّل في عقود ما قَبل اتفاقية أوسلو، مُذْ كانَت اللجان الشعبيّة والاتحادات ذات خِطاب اجتماعي سياسي واقتصادي، وهو ما انعكَس على تشكّل ديناميكيّ لخطاب جندري من قَلب الفصائل اليسارية التي شكّلت حاضِنة سياسية للمجتمع الفلسطيني.

لماذا رام الله؟ 

في الوَقت الذي قَسِّمت فيه المناطق الواقِعة ضمن حدود العام 1967 في اتفاقيّتي أوسلو إلى مناطق "أ" و "ب" و "ج"، عُزلت القدس عن سيادة السلطة التي حُصرت سيادتها على المناطق المصنَّفة "أ" فقط، وهو ما أدّى لتصنيف منطقة القدس الشرقيّة (العاصمة المفترَضَة) تحتَ مسمّى "ب"، فكان على السلطة أن تختار رام الله كعاصِمة سياسية مؤقّتة، وتأجيل الكثير من القضايا حَسب أوسلو.

 كانت رام الله، كَمَدينة، موقعَ استقطاب لمعظَم المدن الفلسطينية، فهي تُشكّل منطقة ذات مَعالم تاريخية مَسيحية، واستطاعت أن تستوعب مالكين أجانب من العرب الإقطاعيين من الخليج ولبنان الذين امتلكوا أراضي فيها، عدا أن بعض الطوائف المسيحية الغربية اختارتها موقعًا مركزيًا في الشرق الأوسط مثل "الكويكرز"، والجماعات الماسونية، كما أنّها استقبلَت العديد من نجوم الفنّ العرب في فندق عودة، وفندق  الموفنبك، وأَحيَت فيها صباح "الشحرورة" واحدة من أجمَل الأُمسيات الغنائية العربية التي تسجَّل في إرث هذه المدينة النابضة بالحياة.

لقد جَعَلها موقعُها الذي يَربط شمال فلسطين بجنوبها، وقربها من جارتها القدس، حاضنةً سياسية اجتماعية للفصائل اليسارية التي قادَت المقاومة الشعبية، وكانت جامعة بيرزيت مَنارة فكريةّ مهمة لليسار الفلسطيني، حيث يتمّ تَمرير الأفكار والممارسات النسويّة في قالبها السياسيّ من خلال الأكاديميين، ولعلّ أبرزهم د. حنا ناصر، الذي حوّلها من كليّة أسّسها والده موسى ناصر إلى جامعة، خلال مسيرة سياسية حافلة للأب والابن.

المناخ السياسي في الثمانينات

هيّأَ المناخ السياسي الظروفَ والأسباب للخِطاب النسوي حتى يحقّق مستوى تقدميًا في مشاركة المرأة السياسية والاجتماعية على نحو تكامليّ مع الرجل، خصوصًا في الأرياف والمخيمات الفلسطينية، فانخرطت المرأة في العمل السياسي ضمن اللجان الشعبية التي استوعبت النساء والرجال، وشكّلت هذه التكاملية نموذجَ حماية وتكافل اجتماعي واقتصادي في وجه الاحتلال، الذي جرّ منظمة التحرير إلى مربع التسوية غير المتكافئة بين المستعمِر والمستعمَر، وجرّدها من قوّتها نحو العَدم الذي أصبح الواقع برمته.

لقد سَبَقَت مرحلةٌ مفصليةٌ مهمةٌ اتفاقيتيّ أوسلو على الصعيد الاجتماعي، فكانت الوقائع التي حصَلت أثناء الانتفاضة الأولى مرحلةً تكشّفت على نحو برز فيها دور المرأة والرجل في الصمود الواعي فكرًا وممارسةً، وانشغل الحيّز المكاني بالعديد من أشكال التكافل الاجتماعي الذي اكتشفه الاحتلال كنقطة قوة للمجتمع الفلسطيني لا يُمكن السيطرة عليها وإخضاعها بقوة السلاح. جاءت اتفاقيّتا أوسلو تحملان في جُعبتهما خطة مُحكَمة وتكتيكية لاستدراج الفلسطيني القويّ إلى مربع الخضوع التام، وهو ما انعكس على مسألة فعاليّة اللجان الشعبية التي كان الرجل والمرأة فيها شريكان، وتوظيف طاقات الرجال والنساء في ما يسمّى "بناء دولة مؤسسات مجتمع مدني"، وكأنّ المجتمع الفلسطيني لم يكن متمدنًا. فجاءَت أوسلو لتنزع الهوية الجماعية وتُلبِس الفلسطيني المقاوِم ثوبَ ما بعد الحداثة والليبرالية، وتوسيع الرؤيا اليسارية لتستوعِب فكرة المجتمع المدني المتشبّه بالدول المانحة، وتنظيم الحياة العامة على نحو يُشبه الحياة العامة في الدول الغربية، لتكون هذه الحداثة بديلًا للأنشطة الشعبية القائمة على التطوّع في الأساس، وتحويل الفلسطيني إلى مواطن يحلُم بحقوق ورفاهية وهميّة لصرف نظره عن التصدي للاحتلال.

النّزعَة الليبرالية للخطاب النّسوي بعد أوسلو

كان من أهمّ آثار أوسلو في بداياتها "لَبْرَلة" الهوية الفلسطينية، أيْ توجيهها نحو تبنّي الأفكار الليبرالية وفق شروط الدول المانحة، واشتدت النزعة الليبرالية في مرحلة ما بعد الانتفاضة الثانية واستلام الرئيس محمود عباس منصب الرئاسة الفلسطينية، لكن تخلّل تلك المرحلة تأهيلُ الهوية الفلسطينية لهذه الحداثة، واستدخال مفاهيمَ بديلة عن النضال، مثل الديمقراطية، والحقوق الاقتصادية، والمشاركة السياسية للمرأة في المجتمع المدني، لذا من مجمَل القول إن المرأة الفلسطينية انتقلت من حالة صناعة التاريخ وتشكيل الهوية الوطنية الخاصة بالمجتمع الفلسطيني، إلى حالة استهلاك النماذج الليبرالية الجاهزة التي عليها أن تطبّقَها من دون تفعيل الوعي النقدي لتطبيقات ما بعد الحداثة على مجتمع أعزَل منزوع القوة، يلاحِق أحلامه في عالم الرأسمالية المتغوّلة، حيث أصبح الفلسطيني والفلسطينية غارقان في الرفاه مدفوع الثمن، والقروض المتسلّلة إلى معظم الأسر الفلسطينية.

نَحو نسويّة ذات هويّة فِلِسطينية أَصيلة

ليسَ من المفترَض من الخطاب النَسوي في فلسطين أن يَنسلخ عن الخطاب الجندري العالمي المَحكوم بسياسات ليبرالية توهِم الدول والشعوب الخاضعة أن هذه الهوية إمّا أن تكون أو لا تَكون، فهي لا تُراعي الخصوصيّة الأصيلة للهوية الفلسطينية، والخطاب الجندري المتشكّل من هوية ترفض الخضوع للاستعمار. أَرى أنّ هذه الهوية يجب استعادتها بخطابها النسوي القوي الذي يَرفض هذه الهيمنة الاستعمارية، وتحسين وإضافة ما يلائمها من الخطاب النسوي العالمي، وأن لا تتبنّى الخطاب الجندري الليبرالي بحذافيره، والذي يرفع شعار التحرّر الفردي، ويَخضع للرقابة التامة من سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني لهذا الخطاب والهيمنة عليه والتحكّم في سيرورته، فالخطاب النسوي الذي كان شعبيًا، أصبح نخبويًا وحكرًا على مؤسسات الــ NGO’s التي تُهيمن عليها من الفصائل اليسارية أصلًا، وكأن القضية أصبحت سوق محاصَصَة بين اليسار واليمين الفلسطيني، فكلّ منهما يهيمن على مساحاته، وإن الخطاب النسوي بشكلِه الخاضع لهذا التسييس والاحتكار، صعبَ التحقيق على واقع المجتمع الفلسطيني الذي يتّصف بأنه مجتمع ريفي، فقد نجحت الثورات اللاتينية في الحفاظ على الخطاب النسوي الأصلاني الذي يَأتي من المرأة الريفية المقاومة للامبريالية التي كانت تهيمن وقتذاك في الدول اللاتينية.

إنّ الشكل المأمول لسيرورة التحرّر من الاستعمار يتطلّب خطابًا جندريًا مستقلًا وأصيلًا، ويستوعب كلّ فئات المجتمع من الرجال والنساء على نحو تشاركي، بعيدًا عن الكلاشيهات الليبرالية التي توهم المجتمع الفلسطيني بالتحرّر إذا تبنى الليبرالية ومارسها، لا أتصور أن الخطاب النسوي سيَسير نحو هذا التحرّر بشكل نقدي، خصوصًا في زمن التخلّي عن الفلسطيني بكلّ أطيافه، وسيصل كلّ الأطياف إلى رؤيا مشتركة غير متحيّزة، وستَسعى للتحرر من هذه الحرية المدّعاة كذلك، وقد أصبح الفلسطيني بعد الحرب، يبحث عنها ولا يجِدها، بل أصبحت بنماذجها المستوردَة من الغرب الليبرالي لا تلبي متطلّبات المرحلة بسبب عدم ملاءمتها للهوية الفلسطينية الأصلانية.

إنّه وَهْم الحرّية والتحرّر الذي سأخصّص له مقالًا قادمًا.

تانيا كرجة

باحثة وصحافية فلسطينية، تميل للفلسفة والنقد الماركسي الجَدَلي، وتؤمن بأن الخلاص لا يأتي بالفكر النقدي فقط، بل بممارسته حتى يتحقق التحرّر.

Laith AbuSbeih
لفتت الكاتبة الأنظار إلى موضوعة شديدة الحساسية وتحتاج إلى دقة في التعامل مع مفاهيمها، تبدو مقولتها قوية جدا إلا أننا بحاجة إلى مفهمة واضحة لتجنب أي لبس نظري، فمثلا، ربطت الكاتبة قوة الخطاب الجندري، بظرف الثمانينات لاجتماعي، وهذا صحيح فقط في حال سبقه تحليل لطبيعة المجتمع الفلسطيني أنثربولوجيا وتراكم بناه الثقافية في مختلف مراحل تاريخه، من هنا تستطيع القول أن استجابة المجتمع لأي خطاب جندري يأتي ضمن معايير مواءمة هذا الخطاب للخصوصية الثقافية للمجتمع بعيدا عن تحيزات المُخاطِب، كذلك فإن ربطها لتحولات الخطاب الجندري الفلسطيني ما بعد أوسلو بأداة الحكم الذاتي يبدو صحيحا في حال كان في ضوء الطرح الفوكوي حول السلطة الحيوية والجنسانية، أما إذا أخذ في ضوء الاستقطابات السياسية فكان على المقالة أن تفرد فقرة في تأثيرات تنامي الانسياق الاجتماعي لخطاب الإسلام السياسي الذي بدأ ولد قبل أوسلو وانتشر بعدها، فالخطابات بأنواعها ومن ضمنها الخطاب الجندري أصبح عرضة للتشويش الأيد لوجي وهذا مهم جدا أن نقرأه. الأمر الآخر أحب أن أجد صيغة واضحة للخطاب الأصلاني الذي تقصده الكاتبة، فهي ألمحت إليه بشكل عمومي يحدث ريبا عميقا في أنها تقصد تحويل أنظارنا من النسوية الليبرالية باعتبارها شرا من شرور الامبريالية، إلى النسوية الاشتراكية باعتبارها بديلا مناسبا، لكنها لا تذكر هذا بوعي الكاتب بل لاوعيه، والنسوية الاشتراكية بدورها لديها إشكالات أيضا إزاء الخصوصية الثقافية الفلسطينية. كلام كثير يمكننا أن نقوله حول ما قالته الكاتبة، وهذا يدل على أهمية طرحها وقوته بطبيعة الحال، وليس انتقاصا منه البتة. تحيتي لها ولكم.
الخميس 1 كانون الثاني 2026
رأيك يهمنا