الأُمومَة المَكلومَة في فِلِسْطين: عَنِ "العُنفُ الإِنجابيّ" المُدَبَّر

"كانَ ذلك خَطًأ… أَشعُر بالذّنب لأنني جلبتُ كائنًا هشًّا إلى هذا العالَم الذي لا يَرحم"، قالت لي ذلك أمّ شابة حين دخلَت عيادتي يرافقُها والداها وزوجُها. كانوا يَخشون أن تكون مُصابة باكتئاب ما بَعد الوِلادة. أمّا هي، فكانت تَخشى أنّها أذنبَت بحقّ طفل حياته مهددة بالفناء في أيّ لحظة.

"حياتُنا مهدورة.. نُنجِب أطفالًا لا نَستطيع حمايتهم. في أفضَل الأحوال، سيرِثون صدماتنا. أَلا تَرين الأطفال الذين يَموتون في الحَضانات في غزة؟ وإنّ نجَوا من القصف، فلن ينجوا من الجوع".

إنّ اكتئاب ما بعد الولادة ليس أمرًا نادرًا في عَمَلي. لكن في فلسطين اليوم، غالبًا ما يظهرُ الاكتئاب محمّلًا بسرديّة خاصة: حزنٌ استباقيّ لدى الأُم، وخوفٌ عميق من فُقدان قدرتها ووكالَتها كراعية وحامية لأطفالها.

الأمومَة تحت الحِصار

في الظروف العاديّة، تصف النساء الفلسطينيات الأمومَة كمرحلة للتطلّع لاتّساع العائلة وتَجدد الحياة. لكنّ العنف السياسي يُعيد تشكيل هذا الحدَث الحميمي؛ فالحواجز العسكرية تؤخّر الوصول إلى المستشفيات، والقَصف يُرعب العائلات، وتدمير المَنظومة الصحيّة يحوّل الحَمل إلى مخاطرة غير مَحسوبة.

على مَدى عُقود الاحتلال، استُهدِف الإنجاب الفلسطيني بشكلٍ مباشِر. وَصَف سياسيون إسرائيليّون الأرحام الفلسطينية بأنّها «قنابل ديموغرافية». 
وفي عام 2013 كتب المتحدّث الرسمي باسم مؤسسة نجمة داوود الحمراء في لواء اليركون -منطقة تل أبيب منشورًا على صفحته يقول فيه: "كَم يَلزم الأمّ العربية لتتخلّص من القُمامة؟ تسعة أشهُر!".

في غزة، كان مختبَر الإخصاب من أوائل المُنشآت الطبية التي قُصفت. وفي النّقب، ظهرت تقارير عن إعطاء نساء بدويّات حُقَن «ديبو-بروفيرا» لمنع الحمل من دون موافقتهنّ المستَنيرة. 

وفي مواجَهَة آلة الموت هذه، أكّد الفلسطينيون -على مدى عُقود- إرادَة الإنجاب، وارتفاع الخُصوبة، واختيار الحَياة.

وِلادات ميّتَة على الحَواجز

أتذكّر عام 2006 في رام الله، حين كان يأتي أبٌ كلّ شهر لتعديل جرعة دواء الصرَع لابنه الوحيد الذي وُلد على حاجز عسكري داخل سيّارة والدِه. توفّيت الأمّ أثناءَ الولادة، ونجا الطفل من المَوت لكنّه أُصيب بالشّلل الدماغي والصرَع. في كلّ زيارة، كان الأب يُعيد سرَد القصّة بعينين دامعتين، وكأنّ مَوت زوجته يتجدّد كلّ مرّة.

خلال الانتفاضة الثانية، وضَعَ 69 امرأة أطفالهن على الحواجز في الضفة الغربية. انتهت معظم تلك الولادات بمآسٍ، إذ توفّي مواليد أو أمّهات بسبب غياب الرعاية الطبية.[1] 

موتُ الولادَة الآمِنَة في غزة

أثناء الإبادة في غزة، حيث قدِّر عدد النساء الحوامل بنحو 50 ألف امرأة، وحيث يولد نحو 130 طفل يوميًا، حوّل الجيش الإسرائيلي الولادة إلى كارثة. فالوصول إلى المستشفيات شِبه مستَحيل، والأمّهات جائعات، مَصدومات، ومَفجوعات، بعضهنَّ يَخضعن لعمليات قيصريّة من دون تَخدير.

بِحَسب تقرير صادر عن صندوق الأمم المتّحدة للسكان حول الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلّة، نُشر في أيار/مايو 2025، فإنّ رعاية الأمومة وحديثي الولادة قد توقّفت بالكامل بسبب نَقص الوقود والمستلزَمات الطبية. وقد ترَك ذلك النساء الحوامل، والأطفالَ الخدّج، والمواليد ناقصي الوزن، من دون الدّعم المُنقِذِ للحياة الذي يحتاجونه. 

يُشير التقرير إلى تراجُع حادّ في أعداد الولادات، يقابله ارتفاع في وفيات الأمّهات والمواليد الجدُد، في انعكاس صارخ لانهيار الخدَمات الصحية وخُطورة الظروف التي تُجبَر النّساء على الولادة فيها. فمقارنةً بالفترة نفسها من عام 2022، انخفضت الولادات في غزة بنسبة 41%. وتعرّضت أكثر من 2600 امرأة للإجهاض، وسُجّلت 220 وفاة مرتبطَة بالحمل قبل الولادة. كما ارتفعت بشكل كبير حالات الولادة المبكّرة ونقص الوزن عند الولادة، إذ وُلد أكثر من 1460 طفلًا قبل أوانهم، وأكثر من 1600 طفل بوزن منخفض، وأُدخل أكثر من 2500 مولود إلى العناية المركّزة. كما تتزايَد وفيات حديثي الولادة، من بينهم ما لا يقل عن 21 طفلًا توفّوا في يومهم الأول.

التقيتُ، خلال العامين الماضيين، بكثير من النساء في القُدس والضفة الغربية لا يَعِشن تجربَة الحمل بوصفه مناسبةً للفرح والأمل، بل مناسبةً للفَزعَ. إن خوفَهُن ليس وهمًا؛ إذ كيف تَحمل امرأة طفلًا تحت تهديد دائم بالموت، والهدم، والاقتحامات الليلية؟ ماذا يحدث للجهاز العصَبي للأم حين تَشعر بحركة جنينها، فيما تَحوم الطائرات المسيّرة فوق رأسها؟ أو حين تَسمع عن إجهاض قريبة لها بعد التعرّض للغاز المسيّل للدموع؟ أو حين يحذّرها طبيبها من أنّ المستشفى قد يكون بلا كهرباء ساعة المَخاض؟

مِنَ المعروف أنّ التوتّر أثناء الحمل يؤذي نمو الجَنين. أما التوتّر المزمِن والمتواصل الذي تعيشه النساء الفلسطينيات، متقاطعًا مع الجوع، والتعرّض الدائم للخوف، والصدمات النفسية المتراكمة فهو عنفٌ سياسيّ موجَّه إلى الجيل القادم. نحن نُشاهد أطفالًا يولدون في ظلّ إبادة، ليُذبَحوا بعدَها.

هندَسَة الشعب الفلسطيني

لا تَقتَصر الهندسة الديموغرافية الإسرائيلية على خُطوط النار. فَحِرمان العائلات من لمّ الشّمل في القدس يَمنع الأزواج من العيش معًا، ويمزّق الأُسر، ويعطّل التّخطيط الإنجابي. ما يَنبغي أن يكون قرارًا خاصًا وحميمًا يصبح رهينةً للاحتلال.

مع ذلك، نجِد أمّهات فلسطينيات يواصلن الإنجاب. يسمّين أبناءَهن صُمود، وكرامة، ووطن. يحتضنّ أطفالهنّ في خيام اللجوء، ويغنين التّهويدات تحت أزيز الطائرات، ويبنِين شبكات تَكافُل. حين يندُر الحليب الصناعي، يتقاسَمن الرّضاعة. وحين يتعذّر الوصول إلى المستشفيات، يُسانِدن بعضهنّ في الولادات المنزلية.

عندما تَقصف إسرائيل أَقسامَ الولادة، أو تَمنَع الوَقود عن الحَضانات، أو تدمّر المستشفيات، فهي لا تستهدف البنية التحتيّة فحسب؛ بل تستهدف مستقبَل الشعب الفلسطيني.

وعندما تُواصل النساء الفلسطينيات الأمومَة، والرّعاية، والإنجاب، فهنّ لا يَنجيَن فقط، بل يَعشن ويُقاومن.

كلّ ولادةٍ إعلانٌ بأننا ما زلنا هُنا، وأننا نرفض الرّحيل. وكما أنّ النساء اللواتي يَخترن عدَم الإنجاب لسنَ بالضرورة مضطربات، فإنّ اللواتي يحملن الحياة في مثل هذه الظروف لسنَ ساذِجات. كلا الخيارين فعلُ شجاعةٍ يَنبع من القرار الحرّ وحقّ الاختيار.

لا يَجوز أن تَبقى الصحّة الإنجابيّة الفلسطينية على هامِش الاهتمام الدولي. مكانُها في صميم النقاشات حَول حقوق الإنسان، والاستعمار، والنسوية، والعدالة الصحيّة. على الجمعيات الطبية، والحركات النسوية، ومنظمات حُقوق الإنسان أن تسمّي هذا الواقع باسمه الحقيقي: اعتداءٌ مَنهجي على النساء الفلسطينيات وحُقوقهن الإنجابية.

إنّ الولادة في فلسطين ليست حدثًا بيولوجيًا فحسب، بل إنها حقٌّ إنساني، وفِعل سياسي، وشَكل من أشكال الصمود. الحَمْل في فلسطين ثنائي المَعنى: حمل طفل وحمل عبء شعبٍ وأمله، في عالم يَسعى باستمرار إلى سدّ الطريق أمامنا.


الإحالات:

[1] Itani, F. H., & Daghlas, A. (2012). Israeli checkpoints. In M. M. Saleh & R. Saʻadah (Eds.), The suffering of the Palestinian patient under the Israeli occupation (pp. 77–83). Al-Zaytouna Centre for Studies & Consultations.

الصورة: للصحفي - المصوّر هاني الشاعر.

د. سماح جبر

طبيبةٌ نفسية تمارس عملها في فلسطين، وتقدّم خدماتها للمجتمعات في القدس الشرقية والضفّة الغربية. شغلت سابقًا منصب رئيسة وحدة الصحّة النفسية في وزارة الصحّة الفلسطينية. وتشغل حاليًا منصب أستاذة سريرية مساعدة في الطب النفسي وعلوم السلوك في جامعة جورج واشنطن في العاصمة الأميركية واشنطن، كما تشارك في اللجنة العلمية للمبادرة العالمية لمناهضة الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وهو برنامج مشترك التمويل من قِبَل الاتحاد الأوروبي، حيث تعمل عضوًا في لجنته العلمية.

Share your opinion