الخَيالُ السّياسي فِلِسطينيًا: ضَرورةٌ وَلَيسَ تَرفَاً

"سنكون يوما ما نريد"
محمود درويش
في مقالٍ مُهمّ للدكتور وعالم الاجتماع الفلسطيني جميل هلال، بعُنوان: «الدّاخل» و«الخارج» في تحوّلات بِنْية الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، نُشر قَبل قرابة عَقد من الزمن، حاوَل هلال تَشخيص الحالة الفلسطينيّة آنذاك. استعرَض هلال السِّمات الأبرَز للحَقل السياسيّ الفلسطينيّ في بداية العقد الثاني من القرن الراهن، ومن بين هذه السِّمات: غِياب قيادة سياسيّة موحَّدة للشعب الفلسطينيّ؛ وجود أزمَة تمثيل وطنيّ نتيجة تغييب المؤسّسات الوطنيّة الجامعة؛ وغياب المرجعيّات الوطنيّة.
وإذا كان تَوصيف هلال دقيقًا في تلك المرحلة، فإنّ المرحلة الراهنة، ونَحن نَدخل الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، هي الأَكثَر صعوبةً وقسوة، حتى يُمكن القول إنها الأَقسى منذ نكبة عام 1948، والأكثر ضبابيّةً من بين جَميع المراحِل في تاريخ الشّعب الفلسطيني في أماكن تَواجده كافة، سواء في قطاع غزّة، أو الضفّة الغربيّة والقدس، أو في الشّتات، أو في الدّاخل الفلسطيني.
فقد تعرّض قطاع غزّة في العامَين الماضيين، وما زال، لإبادة جماعيّة وعمليّات قَتل وتَعذيب وتَجويع، وهَدمٍ ونسفٍ للبنى التحتيّة ولكل مقوّمات الحياة الأساسيّة الكريمة، حتى أصبح الوضع كارثيًّا بكلّ معنى الكلمة. أمّا الضفّة الغربيّة، فتعاني من اقتحامات القوّات الإسرائيليّة اليوميّة، وهدم المنازل، والاعتقالات، واتّساع المستوطنات وتغوّلها، واعتداءات المستوطنين على الناس والأشجار والممتلكات، إضافةً إلى التخطيط لضمّ الضفّة والتّضييق المتواصِل على حياة الناس.
وفي القدس، تتواصَل عمليّات انتهاك المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة، واقتحام المَسجد الأقصى، واتّساع الاستيطان، وتهجير السكّان، والاعتداء المتواصل على العمّال، ومنع منظّمة الأونروا من تقديم المساعدات للسكان، وتهويد الحيّز، ومحاولات كيّ الوعي.
وعلى مستوى المواطنين الفلسطينيّين في الداخل، الذين يَحظَون بمواطنةٍ منقوصة ومشروطة وضعيفة، يواجِهون أعتى الحكومات الإسرائيليّة تطرّفًا وعنصريّةً وفاشيّة. فرغم أنّ الحكومة لا تقوم بدورها ومسؤوليّاتها الأساسيّة تجاه المواطنين، الذين فَقَدوا الأمن الجماعيّ والشخصيّ نتيجة تفشّي العنف واستفحال عصابات الإجرام وتواطؤ الشرطة، ويعانون من العنصريّة المؤسّسيّة والملاحقة، فإنّها تعمل في الوقت نفسه على تقليص الميزانيّات المستحقّة، وهَدْم المنازل، وتَشريع القوانين العنصريّة والفاشيّة. كما أنّ العمّال والموظّفين والطلّاب والمحاضرين والأطبّاء يتعرّضون للاعتداء والإقصاء.
أمّا في الشتات، فتزداد الأوضاع سوءًا، وإنْ بتفاوتٍ نسبيٍّ من دولة إلى أخرى.
ورَغم صُمود أهالي غزّة، فإنّها تتعرّض لمؤامَرة كبرى تهدف إلى إبقائها تحت السيطرة والنفوذ الأميركيّين، حيث تُعدّ الولايات المتّحدة الشريك الفعليّ للحكومة الإسرائيليّة في تنفيذ الإبادة في قطاع غزّة. وفي الضفّة الغربيّة، تلفُظ السلطة الفلسطينيّة أنفاسَها الأخيرة بعد فَشَل مشروع أوسلو، إذ لا تحظى بأيّ شرعيّة، ولا تستطيع حمايَة المواطنين من ممارسات الحكومة الإسرائيليّة، وتُعاني من الفَساد والترهّل والشيخوخة.
وعلى مستوى المجتمع الفلسطينيّ في الداخل، تواجِه القيادة السياسيّة حالةً من الانقِسام والانحسار، بالتزامن مع مخطّطات الحكومة لتقويض المجتمع الفلسطينيّ في الداخل.
ورغم أنّ التّشخيص بين الوَضع السابق والوَضع الحالي يبدو متفاوتًا في حدّته وقَسوته، فإنّ السِّمات والمعيقات التي ذَكَرها هلال ما زالت قائمة: غياب قيادة سياسيّة موحَّدة للشعب الفلسطينيّ؛ وجود أزمة تمثيل وطنيّ نتيجة تغييب المؤسّسات الوطنيّة الجامعة؛ وغياب المرجعيّات الوطنيّة.
وإذا كان المستقبَل يتطلّب الخيال، فلا يمكن للخيال إلّا أنْ ينطلق من الواقع؛ وكلّما ابتَعَد عن ضيق التفكير الأحاديّ إلى رحابة التفكير المتعدّد الأبعاد كان أكثر نجاعةً وإتقانًا. فالتفكير أحاديّ الاتّجاه يُنتج إنسانًا منغلقًا ومحدودًا، يُعاني من ضعف البصر والبصيرة، ويُبقيه أسيرًا للأنماط والأنساق الرتيبة والمكرورة في مساري الفكر والعمل. وأحيانًا، وللأسف الشديد، قد يقود إلى أوضاعٍ مرضيّة، وحالاتٍ من الركود والخمول والكسَل الفكريّ والعمليّ.
بينما الفكر متعدّد الاتّجاهات والأبعاد والطبقات يفتَح العقل والروح على آفاقٍ جديدة، وحواراتٍ مُفيدة، وفضاءات رحبة يُفعَّل فيها الخيال، ويُثار فيها النقاش، وتُرى فيها الأوضاع المركّبة فرصةً للتطوّر، وفَحْص الذات ومساءَلتها، وجَمع الحقائق والتمكّن منها، والتفكير من جديد من أجل تَجويد الممارسة والحضور والفعل.
يقول عالم النفس العام والنظري الألماني، ديترخ دورنر، في كتابه الذي تُرجم مؤخرًا للعربية تحت عنوان "ثقافة الفشل: كيف تؤثّر طريقة تفكيرنا في نجاحنا:"تشير الدلائل إلى أنّ البَشَر، منذ بداية التاريخ، طوَّروا أسلوبًا للتعامل مع المشاكل يعتمد على الحلّ الآني. فالمَهام عند نشوء البشريّة كانت أُحادية ومحدَّدة... ولم يكن لتلك المشاكل أهمية تَفوق حدود المشكلة نفسها أو تتجاوزها... ولم تكن هناك حاجة لإدراك أن حلّ كلّ مشكلة يَحمل في طياته مشكلة أو مشاكل أخرى، لكن في عصرنا هناك ضرورة لهذا النّوع من التفكير، والربط بين المشكِلة وما يَنجم عن حلّها هو القاعدة وليس الاستثناء. لكن هَل تطورَّت طريقة تفكيرنا بحيث تتأقلَم مع الطبيعة المعقَدة للحياة وطريقة ترابطها؟ وما هي الأخطاء التي من المرجح أن نَرتكبها عندما لا نأخذ بالحسبان الآثار الجانبية والبعيدة المدى لقراراتنا؟".
وفي كتابٍ آخرَ لعالم الاجتماع الفرنسيّ المعروف إدغار موران، بعنوان «التفكير الشامل: الإنسان وكونه»، يقترح منهجًا نظريًّا ذا تطبيقات عمليّة، ويقدّم فكرَة الترّكيب من أجل رؤية الصورة الكاملة بكلّ عناصرها، رافضًا الفكر الاختزاليّ الأُحاديّ الاتّجاه. يقول موران: "ما دُمنا لا نُعلِّم البشَر مَن هم، ستظلّ معرفتنا بذواتنا تَشكو من فجوة خطيرة...".
إنّ ما نستفيده من كتابَي موران ودورنر في سياقنا هو ضرورة تَدقيق وتَطوير طرائق التفكير وحلّ المشكلات والأزمات، مع الأخذ بعين الاعتبار الأهداف وعلاقَتها بالنُّظم والمعلومات والبيئة العمليّة، ورُؤية جميع الفَواعل والديناميّات والأَبعاد والإسقاطات والآثار، كي لا يُشكّل حلٌّ عينيٌّ لمشكلةٍ محدّدة سببًا في خَلق مشكلات أكبر وأعمق.
إنّ المستقبَل لم يُكتب بَعد، وما زال التاريخ مفتوحًا، وأبوابه مُشرَعة. يُمكننا أن نتصوّره في سيناريوهاته المتعدّدة، غير أنّ ذلك يتطلّب تفكيرًا شاملًا، وأخذًا بعين الاعتبار مجمَل المركّبات، وفَحص إسقاطات كلّ خيار أو سيناريو. ورغم كَثرة المعيقات والحواجز، فإنّ المنظومة القيميّة التي تَحمي القضيّة الفلسطينيّة – العدل والحرّيّة والمساواة والكرامة الإنسانيّة – دائمة وثابتة، لا يُمكن محوُها أو تهميشُها. ودعم شعوب العالم لها في السنتين الماضيتين أكبرُ دليل على سُؤددها وحيويّتها وحضورها.
مَع ذلك، ومِن أجْل ترجمة الرؤى إلى واقع، نحتاج إلى عملٍ جماعيٍّ ووحدويّ، وإلى الثقة والأمانة والإخلاص، مع التّأكيد على استحضار ما هو غائب: قيادة سياسيّة موحَّدة للشعب الفلسطينيّ؛ تمثيل وطنيّ في إطار المؤسّسات الوطنيّة الجامعة؛ والاتّفاق على المرجعيّات الوطنيّة.




