عَامٌ جَديد لِلعالَم.. إِلّا غَزّة!

"كَأَنّ أَحَدَهُم قد هَرَس عِظامَك تَحت شاحنَته!".. بهذا التّعبير كُنا نعبّر عن وجَعنا سنواتٍ طويلة في غزة، كُنا نَعجَز عن وَصف الألم والتّعب والإرهاق الذي نال مّنا سنواتَ حصارٍ امتدت لتغطي ثُلُثَ عُمرنا!! والآن نَشعُر بالمَعنى! كَأَنّ شاحنةً قد داسَت على ذاكرَتي فَبدأتُ أتَقافَز بين الآلام التي لا تَهدَأ، ففي غزة الآن وعلى أبواب عام جديد يَأتي ضاحكًا بينما نَحن نكتَوي بامتداد المَوت في مدُننا وشوارعنا، هَرَسَت الشاحنة ذاكرتي فعُدت لفيديو قصير يختصِر بقايا حياتي، وصَوت أخي المُرتبِك.. نعم، لقد توقَّف الموت وبدأَ مَوت آخرَ يَفتَح أبوابًا ونوافذَ لا نَستطيع أن نعدَّها، البَرد يقرُص الجسد النحيل والأغطِيَة تَغرَق من الامطار، والريح لا تَرحم آلاف الخيام التي باتَت كريشة في مهبّ العاصفة، لتترُك الأجسادَ النحيلة المنهَكَة طوال عامَين من ترقُّب لقَتل غير رحيم، أَجسادٌ نَجَت، بِفِعل اللغة هم ناجون، لكنّهم أمواتٌ لا يَزالون يتنفّسون، عن أيّ ذاكرة أتحدّث، وعن أيّ شاحنة أُشير لكم!

لقد داسَت جنازير الدبّابات قلوبَنا وأرواحنا طيلة أيام طويلة على امتداد عامَين كامِلين، ولا تزال تَرقُد في حُلوقِنا فتمنَعنا من الكلام، وتمنعُنا من التّصديق بأنّنا الآن مشرّدون في غزة وخارجها، لَم يَعُد بإمكاني أن أفكّر في حياتي بقَدر ما أنا عالقة في غزة، بين شَوارع رفح التي أترقَّب أيّ صورة قديمة لها! أيّ ذكرى يرسلها الأحبة والأصدقاء، فبَعد أن سُرِق حسابي الشخصيّ، وتعرَّض على مدار عام كامل لـ "لتهكير" استعدته يومًا ونَشَرتُ "بوستًا" واحدًا ثم تعرّض للإغلاق مرة أخرى! لم أَهتَم إلا لأرشيف الذكريات الذي باتَ كنزي الوَحيد لتصديق حياة سابقة كانت يومًا لي ولعائلتي. أفكّر بتلك الأرملة التي تَأوي أحفادها! ماذا تفعل في صقيع يهدّد أجسادهم النحيلة، ولقمات طعام تُسكت معداتهم، صادروا حتى أحلامنا التي كنّا نحلمها بتعليم وعَمل وكرامة، أَخَذوا كلّ شيء ولا يزالون يصادِرون أنفاسنا، المُدهِش أنّ الجميع يَعلم والعيون تحدّق والموت يَقضِم كلّ يوم قضمة من أجسادنا المنهَكَة وأرواحنا التائهة ولا أَحَد يصرخ لأجلنا، لقد جَعَلوهم لقمة صائغة للخَوف!

عاصِفَة اللغة!

كلماتٌ وعناوين تقتُلك كلّ لحظة ما أن تسمَعَها أو تقرأَها أو تفكّر فيها.. هذا عام جديد قادم ضاحكًا بينما نحن نتعثّر بوقفَتنا، بصلابة مَلامح وجهنا، بشَعرنا الذي دبّ الشَّيب فيه مبكرًا، بجسدنا الذي غدا نحيلًا، ورغبتنا التي لم تعُد تفرح لإنجاز صغير، نُرقع قلبًا تلو الآخر، نُغلق بابًا للألم تلو الآخر في محاولة للبقاء بفعل النجاة ناجين! وبفِعل الأمل أنقذَتنا الحياة من مَصير كان حياة أو موتًا والآن أصبح موتًا تلو موت، نُجاهد أنفسنا لنُبقي شُعلة الشّمعة بنورها الضئيل وسَطَ مَشهد مِن شدّة احمراره بات أسودًا، نحاول أن نرسم ابتسامة علّها تنتفض وتصبح حقيقة، علّنا نستقبل عامًا جديدًا بأمنية تتحقّق، ولا تبقى عالقة لتغدو حياتنا بأكملها أمنيات معلقة استثنائية كالعام الذي سبقه. ما الذي اختلف الآن! لم يختَلف مذاق التشرّد والمنفى، ولم يختلف طَعم الخيمة، نعم للخيمة طَعم مرير يعايشه الذين لا يَزالون بِلا بيت، بِلا جدران، بِلا خصوصيّة، بِلا أمل، بِلا أَقدام، بِلا يَدَين، بِلا أَب وأم، الآلاف من أبناء مدينتي لا أَمَل لهم إلا الله، انطفأت الروح وباتت بشظاياها تطعنُنا مع كلّ نَفَس نتنفّسه، عالقةٌ الحياة بين أمنيات ويوم جديد لا يزال يصرّ على أن هنالك سبيلًا للحياة، أَصحو من غيبوبة أفكاري على تلك الأصوات وذلك المشهَد:

جيش الاحتلال يَنسِف مربّعات سكنية!

مالناش بيوت..!

راح كلّ شيء..!

الخيمة طارت..!

النار ما حرقَت إيدينا حرقت روحنا كمان..!

المعابر مسكرة..!

تحويلة من سنة ومفشّ سفر..!

جرحى ينتظرون.. أطفال بلا طفولة..!

موت أحمر ..البرد والسقعة موت أحمر..!

عاصفة من الكلمات تضجّ في رأسي كأنّي هناك وكأنّي لستُ هنا، يتراكم الثلج أمامي دفعة واحدة، لا يتنفّس، يَجثُم على قلب المدينة الهادئة، ولا يعرف أنَّه نيران مشتعلة بروحي كلّما لاح صوت الأحبة، أو لمَحتُ صورة أصبحت ذكرى لحياة مفعمة بالحيوية والتألّق، الثلج لا يُمضغ ولا يصلُح للقفز إلا للسناجب التي تلجأ لأعلى الشجرة، الثلج يتسرّب إلى صدري فيصير جدولًا حارقًا من الماء، لا يتوقّف عن السريان ولا أتوقّف عن التّحديق في ألبوم حياتي الماضية. ثلاثة أعوام ننتظر المصير الذي نعرفه، ونرفضه، ونُعيد القول لأنفسنا إنه وقت وسيمضي، لكنّها سنوات تَجثُم على صدورنا بدموية غير رحيمة، نَضيع في غزة ونَضيع بين الدول، لا أحد منّا يرغب أن يسأل ماذا بعد؟! لا أحد منّا نحن المشرّدين في أصقاع المعمورة يودّ أن يسأل الآخر: وين بلادك؟!! هذا يعني إقرارًا بأننا فقَدنا البلاد والبيوت والحياة التي عشناها، نتجمّل بالصمت الذي ابتلعَنا فلم نَعُد نشعر بالحياة التي تركض حولنا، نتقوقَع على أحلامنا ونضحَك في سرّنا، حين كانت لدينا أحلام! وحين كنّا نستعدّ لنرتاح قليلًا، لم نَكُن نعلَم أنها راحة قهريّة ابتلَعَت كلّ شيء ولم تَبق إلا أضغاث حياة!

عامٌ جديد يَقهرنا ويذكّرنا بأن نُجيب على السؤال الممِّزق: وين بلادك؟! أنا في بلد! وزوجي وأولادي في بلد! أختي في بلد! وأخواتي الآخرين في غزة، وأختي الحبيبة في السماء! قِطَطي في بلد! وأبوهم مات في الحرب ودَفن في رفح! هذه الإجابة الوحيدة التي أعرفها، لكني لا أعرف إن بقروا قبره كما فَعَلوا بمقابرنا، لا أعرف إن كان الموتى يشعرون بفقدان بيوتهم/ مقابرهم!

 لم تُخبرني أُمي يومًا! لم يُخبرني أبي يومًا.. وأنا دائمة السؤال عن كلّ شيء منذ نعومة أظافري وأنا أسأل منذ أن وَعَيت على حياة المخيم! لكن لم يَخطر ببالي أن أسأل إن كان المَوتى يعرفون مصائرَهم مع بداية عام جديد في رفح!

عام جديد يا غزة أُلوّح لك من بَعيد وأنا أَتَقافَز بين صفائح ساخنة وثلوج تبدو للناظر بيضاء بينما هي تَغلي كبركان خامد لا تَرى منه سوى فوهته! ديسمبر آخر كان سابقًا ممتلئًا بالمناسبات الجميلة، كان ديسمبر مميزًا لعائلتنا في رفح، لكنّه الآن بات مصيَدَة للحزن والألم والاغتراب، باتَ ديسمبر المَنفى الذي لم نخْتره لكنه اختارنا!

عامٌ جديد يا مدينة الأيتام التي لم تَعُد تبتسم، عام جديد علينا أن نخلَع الموت من حلوقنا، وأن ننهض يومًا، قد لا يكون يومًا قريبًا لكنّنا سنتشافى رغمًا عن الموت لأنّ الحياة جديرة بهم بعد المذبحة! ستُزهر غزة يومًا قريبًا وأمنياتها لن تَبقى عالقة، فما دامت حياتها تُغيظ القاتل ستنهض لأن أبناءَها وبناتها يستحقون الحياة والحب!

هداية صالح شمعون

إعلامية وكاتبة فلسطينية من قطاع غزة-رفح.

Share your opinion