"الكَنعاني" يُطِلّ من خَوارزميّات الغدّ: لَسْنا هَوامِشَ في قِصَصِ الآخَرين!

في السنوات الأخيرة لم نَعِش فقط "أحداثًا"، بل عشنا انهيار إحساسنا بالزمن نفسه. يومٌ واحدٌ يُمكن أن يَحمِل مَشاهد لا تُحتمل من غزة، وخبرًا عن شهيد من العائلة أو الأصدقاء، وفي المساء خبرًا عن نموذج ذكاء اصطناعي جَديد يغيّر شَكل العمل والتعليم والإعلام في العالَم.
نَنام على إشعارات الغارات، ونستيقظ على إشعارات التّحديثات التقنية، وبين هذين العالَمين، يقف الفلسطيني اليوم وهو يَشعرُ بأن الأرض تتغيّر تحتَه مرّتين: مرّة تحت أقدامه، ومرّة تحت خريطة العالَم كلّها.
في هذه المسافة المتوتِّرة، يطلّ سؤال شخصيّ جدًا قبل أن يكون سياسيًا: كيف يمكن للإنسان الفلسطيني اليوم أن يتخيّل المستقبَل، وأن يتكلّم عن الأَمل، من دون أن يخون وجَعَه، أو يَكذَب على نفسه، أو يستسلِم لليَأس؟
جُذور أَطوَل من كلّ الإمبراطوريات
![]() |
|---|
قَبل أن نرفع رأسنا إلى الأمام، نَحتاج لحظة ننظُر إلى الخلف. الفلسطيني الذي يجرّ اليوم حقيبتَه بين معبرٍ وحدود، أو يمشي بين جنودٍ ومستوطنة، ليس طارئًا على هذه الأرض. هو امتداد حيّ لسلسلة بشرية وثقافية تَعود إلى آلاف السنين، إلى أزمنة كنعانيّة سَبَقت كلّ الإمبراطوريات وكلّ الخرائط الحديثة.
مرّ فوق هذه الأرض نفسِها الفرسُ واليونانُ والرومانُ والأمويون والعثمانيون و"الانتداب"... وتغيّرت أسماء الدول والملوك، وظلّ هناك دائمًا أناس يزرَعون ويبنون ويتكلّمون لهجات تتغيّر ببطء، لكنّهم يحتفظون بعلاقة عنيدة مع المكان.
هذه ليست رومانسيّة. هذا مُعطى وجودي واستراتيجي: نحن شعب تَعلَّم، بالتجربة الطّويلة، كيف يبقى. كيف يُعيد ترتيب حياته تحت كلّ أشكال الحُكم والغزو، من دون أن يذوب تمامًا، ومن دون أن يتحوّل إلى هامش في قصّة الآخرين.
المؤلِم أنّ هذا الجَذر العَميق، في العامين الأخيرين، تراَفق مع تخيّل سياسيّ قَصير النَّفَس: أَمل معلّق على أسابيع أو أشهر، وعلى انهيار قريب لعدو أو نظام، وكأّن سلالة امتدّت آلافَ السنين مستعدة أن تربط مصيرها بجدول برامج قناة إخبارية.
الأمل الذي خَذَلنا
![]() |
|---|
كلّ واحد فينا يَقْدر يتذكّر جملة سَمعها أو شاركها بنفسه:
"الكيان أَوهَن من بيت العنكبوت، اقتصادُهم لن يَحتمل، المجتمع سينهار من الدّاخل، الحرب ستنتهي بسرعة، العالم لَن يسمح…".
حَملت هذه الجُمَل في داخلها شيئًا حقيقيًا: تَعب لا يُحتمل، رغبة صادقة في أن يتوقّف الكابوس، حاجة نفسيّة أن نصدّق أن هناك عدالة قريبة. لكنّها حَمَلت أيضًا شيئًا آخر: خوفًا عميقًا من مواجهة احتمال أن يستمرّ الألم سنوات، وأن ميزان القوّة ليس لصالحنا الآن.
حين جاء الواقع بعكس التوقّعات، لم يكن الألم فقط في عدد الشهداء والجرحى والمعتقلين، بل في شيء أكثر خفاءً: إحساس كثيرين بأن "الأمل نفسه" كان ضدّهم، بأنهم خُدعوا مرّتين؛ مرّة بما فعله المحتل، ومرّة بما أحبّوا أن يسمعوه.
مُهِم أن نَعترف بهذا الشّرخ الداخليّ. ليس عيبًا أن نحتاج الأمل لكي نُكمل يومنا، لكن يصبح الأمر خطيرًا عندما يتحوّل الأمل إلى قصة مُخدِّرة تشوّه رؤيتنا للواقع، ثم تتركنا محطّمين عندما ينكَشف.
العالَم الذي يتغيّر أسرَعَ من جَرحنا
بينما كنّا نعدّ أسماء الشهداء، ونتابع أخبار المخيّمات والقرى، كان العالَم من حولنا يدخُل مرحلَة إعادة تَشكيل عميقة:
نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على كتابة نُصوص، وصناعة صوَر وأصوات ووجوه، وإنتاج فيديوهات قد يَصعب تمييزها عن الواقع.
سباق تكنولوجي بين قُوى كُبرى، يتنافس فيه الجميع على مَن يملك البيانات والخوارزميات والقدرة على التّأثير في وَعي البشر.
تشقّقات متزايدة في النظام الدولي: أَقطاب جديدة تَصعد، تحالُفات قديمة تتغيّر، وثقة الناس بالمؤسسات التقليدية في العالم كلّه تهتز.
بالنسبة للفلسطيني، هذا ليس "خلفيّةً" محايِدة. لن يُحسم مصيرنا فقط على الحواجز، أو في خرائط السيطرة على الأرض. سيُكتَب جزء أساسي منه في الخوارزميات التي تقرّر أيّ قصة تُرى وأيّ قصة تُخفى، وفي القرارات السياسية التي تُتخذ في غرف مغلقة، وفي الطريقة التي سيُعاد فيها توزيع القوّة في عالم ما بعد ثورة الذكاء الاصطناعي.
هناك احتمال حقيقيّ أن يَستيقظ الجيل القادم في عالَم مختلف جذريًا من ناحية الأدوات والقُوى، بينما يَبقى جرح فلسطين مفتوحًا. ولهذا، فإن السّؤال عن الأَمَل ليس رفاهيّة، بل مسألة بقاء روحيّ وفكريّ.
بينَ ذاكرة الكَنعاني وأَدَوات المستقبَل
إذا جَمَعنا هذه العناصر الثلاثة معًا:
ماضٍ عميق لشعب نجح في البقاء عبر آلاف السنين.
حاضرٌ قاسٍ ومفتوح على المزيد من الامتحانات.
عالمٌ جديد يتشكّل بسرعة حول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والتحوّلات السياسية.
نكتشف أننا لا نستطيع أن نتكلّم عن الأمل الفلسطيني باللغة القديمة نفسها؛ لا لُغة "الانهيار القريب" تَكفي، ولا لُغة "لا شيء سيتغيّر" تُنصف الحقيقة.
ربما يكون الأمل الحقيقي اليوم في شيء أكثر تواضعًا وأكثر عمقًا في الوقت نَفسه: أن يَنجح هذا الشعب، بسُلالته الكَنعانية، في حَمل ذاكرته العَميقة إلى قَرن جديد، وهو يملك في الوقت نفسِه مهارات وأدوات تَسمح له ألا يكون مجرّد موضوع في تقارير الآخرين، بل فاعلًا في صياغة قصّته بنفسه.
لا يَعِدُنا هذا النوع من الأمل بنهاية سريعة، لكنه يَعِدُنا بشيء آخر: ألا يمرّ علينا المستقبَل ونحن واقفون في النقطة نفسها.
"ماذا لَو…؟".. أسئلة ضرورية للمستقبل الفلسطيني
بَدَل أن نكتفي بسيناريو واحد عن المستقبل، نحتاج إلى سلسلة صادقة من أسئلة "ماذا لو"، تربط الجذور بما هو قادم، وتسمح لنا أن نخاف وأن نحُلم في الوقت نفسه:
1.ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي هو الوَسيط الأساسي لمعرِفة العالَم؟
تخيّل طفلًا في قارّة بعيدة، لا يَعرف عن فلسطين إلّا ما يقوله له نموذَج لغوي في هاتفه. هل ستكون القصّة الفلسطينية موجودة بعُمق في ذاكرة هذه النماذج؟ أم سيمحوها من يقرّر ما يدخل إلى قواعد البيانات، ومن يموّل المنصّات؟
هذا السؤال يحمّلنا مسؤوليّة جديدة ومؤلمة أحيانًا: أن نتعَب في التّوثيق، أن نَكتُب ونترجِم ونصنَع مواد بصريّة وسمعيّة، أن نضَع أرشيفَ البيوت المهدّمة، والقرى الممسوحة، والحكايات الشخصية في فضاء المعرِفة المفتوحة، قبل أن تُغلقَ النوافذ، أو تُفلتَر القصص وِفق مصالح القوى الكبرى.
2.ماذا لو تغيّر شَكل النظام الدوليّ كما نعرفه اليوم؟
النظام الذي رَسَم حدودنا، وغطّى على النكبة، وشرعَن الاحتلال، ليس أبديًا. لكنّ سقوطه، إن حدث، لن يكون بالضرورة انتصارًا تلقائيًا للمظلومين. السؤال هنا مؤلم أيضًا: هل خيالُنا السياسي ما زال محبوسًا في قوالب القرن العشرين (دولة، أو دولتان، أو اتفاق جديد)، أم نملك القدرة أن نتخيّل أشكالًا أوسع للحضور الفلسطيني، تليق بشعب عاش قبل الدولة الحديثة وسيبقى بعدها؟
3.ماذا لو تحوّل الشّتات إلى شبَكة قوّة بَدَل أن يَبقى جرحًا فقط؟
في زمن العمل عن بُعد والاقتصاد الرقمي، يُمكن أن يصبح الفلسطينيون في العالم شبكة عقول وخبرات واقتصاد، لا مجرّد قصص حنين وغياب. هذا يتطلّب انتقالًا صعبًا من منطق النّجاة الفردية إلى منطق البناء التراكمي: شركات، مراكز معرفة، صناديق دعم، منصّات ثقافية تُعيد وصل الشتات بالجذر، وتَمنح للأرض المحاصَرة امتدادًا يتنفّس في العالم.
لا تقدّم هذه الأسئلة وعودًا سهلة، لكنها تفتح بابًا لأمل من نوع آخر: أمل مسؤول، يَعترف بالخوف والحدود، لكنّه لا يتنازل عن محاولة الفِعل بما نستطيع اليوم، من أجل من سيأتي بعدنا.
وصيّة من سُلالة قديمة إلى فلسطيني المستقبل
ربما سيعيش الفلسطيني بعد عشرين أو ثلاثين سنة في عالم يختلف جذريًا عن عالمنا اليوم: أنظمة ذكاء اصطناعي أَقوى من حكومات كاملة، خرائط سياسيّة جديدة، واقتصاد يعتمِد على مهارات وأعمال لم نَختَرع أسماءها بعد.
لا نستطيع أن نَعِده بأن الطريق ستكون قصيرة، ولا أن نكرّر عليه حكاية الانهيار القريب. لكن بإمكاننا أن نحاول أن نترك له شيئًا أكثر تواضعًا وأكثر صدقًا: ذاكرة واضحة عن جذوره، وأدوات حقيقية للتحرّك في العالم الجديد، وبعض القصص التي تقول له إنه لم يكن وحده.
نقول له بهدوء:
لم نكن شعبًا ينتظر معجزةً تنزل من السماء، ولا موجَة تغيير تأتي من عاصمة بعيدة. كنّا نحاول، قدر ما نستطيع، أن نعيش كامتداد لسلالة تعلّمت البقاء منذ الكنعانيين، وأن نَربط جذورنا القديمة بأسلاك الألياف الضوئية وخوارزميات الغد، حتى لا يأتيك المستقبل فارغ اليدين عندما يطرُق باب فلسطين.
هذا ليس وعدًا بالنهاية، لكنّه محاولة صادقة ألّا نترك الأمل نفسه يَسقط من أيدينا.

تامر منصور
مختص في الذكاء الاصطناعي والإنتاج الرَقمي، أسعى لفهم كيف يمكن للتكنولوجيا أن تغيّر حياتنا، وأبحث عن إجابات لمستقبل لم يأتِ بعد، محاولًا مساعدة الأطفال والمجتمعات على استكشافه بذكاء ليكونوا صُنّاعًا له، لا مجرّد مستهلكين.





