مُسافِرَة أَتَعالَجُ في فِلِسْطين

ماذا لَو؟ مُخَيّلَة عَن الطّب والتّكنُولوجيَا الطَبيَّة في فِلِسْطين الدَّولَة

"استغرقتُ 28 ساعَة سَفرٍ وطيران للوصول إلى فلسطين بهدَف العلاج. لَديهم أفضَل المستشفيات وأكثَر التقنيّات الطبية حداثةً وتقدّمًا. عيّنتُ موعدًا مع طبيب دماغ تخرّج من جامعة فلسطين الطبية، وأقامَ وحدة الدماغ الأكثر تقدّمًا عالميًا، والتي يزورها أطباء من أنحاء العالَم للتخصّص والتعلّم.

المَوعد غدًا.

سأَنتقِل إلى المَشفى بإسعاف ذاتيّ القيادة. أَبلغوني أنّ روبوتات داخل الإسعاف ستَأخذ كلّ العينات اللازمة، والصّور الطبية، والتحاليل، تجهيزًا للعلاج.

مِن خِلال تطبيق المشفى «فلسطينتك»، باتَت لَديهم كلّ معلوماتي الصحية عبر المُستشعِرات الذكية التي أَرتديها على جسدي.

بالطّبع لديّ بعض التخوّف، لكن ما طمأَنَني هو المُرافِقَة الطبية والنفسية المخصّصة لي عَبر التّطبيق. شرحت لي، بالتصوير ثُلاثي الأَبعاد، آلية العلاج وسَيرورته، وكلّ التفاصيل اللازمة."

أُمنية جَميلة.

كلمة «يا ريتْ» عُمْرُها ما عمّرت بيتًا. لكنّ هذه الأُمنية ليسَت «يا ريت». هذه أُمنية فكّ القيود، وإتاحة الفرَص، وإعطاء النّفس نَفَسها، وتَرميم العقل الإنساني، وإعادَة تَعويده على أنّه وُلد ليُبدع ويَخلِق ويَنجَح، لا ليُحارب ويُنقِذ ويَدفن.

خَيَال: ماذا لَو؟

طَلَبتُ من صَديقي الصّدوق، الأمريكي الإمبريالي، من البشر أنفسهم الذين هم سبب في واقعِنا الحالي — ChatGPT 5 — هذا الطَّلب البَسيط:

"ارسُم صورةً لمستقبَل الطبّ والتكنولوجيا الطبية في فلسطين، في مستقبَلٍ نظريّ تكون فيه فلسطين قد تحرّرت وحَصَلَت على الاعتراف كدولة مستقلة."

لم يُخيّب أمَلي.

أَنتَج هذه الصّورة الجميلة، بَعد تعديلات بَسيطة طلبتُها منه.

أحببتُ الصورة. فيها وصفٌ جَميل لما في مخيّلَتي:

تُظهِر الصورة مَشهدًا مستقبليًا متقدمًا للرعاية الصحية والتكنولوجيا الطبية في فلسطين، حَيث يحتَل الطبّ والإنسان مركز المشهَد، بينما تَظهَر الرّموز الدينية والتاريخية في الخلفيّة، أَصغَر وأكثر توازنًا.

في المقدّمة، نَرى طبيبات وأطبّاء فلسطينيين يَعملون بثقة واحتراف داخل بيئة طبية عاليَة التّطور. تُمسِك إحدى الطبيبات شاشَة هولوغرافية شفّافَة تَعرض نموذجًا ثلاثيّ الأَبعاد لجسم الإنسان، في إشارَة إلى التشخيص الذكي والطب الدقيق المُعتمِد على الذكاء الاصطناعي. إلى جانبها، تَستَخدم طبيبة أُخرى نظّارات واقع افتراضي لتحليل بيانات طبية متقدّمة.

في المنتَصَف، يَخضَع مَريض لعمليّة جراحية بمساعدَة روبوتات طبية متطوّرة، بينما تُعرَض البيانات الحيويّة وصوَر الأَعصاب والأعضاء على شاشات رقميّة ضخمة. تعمَل الروبوتات بتناغُم مع الطاقم البَشري، في تكامل إنساني–تقني لا يُلغي دور الإنسان بل يعزّزه.

على أَحَد الجَوانب، نَرى طفلًا مزوّدًا بطَرَف صناعي متقدّم، يُساعِدُه طبيب وروبوت طبي، في صورة تعبّر عن إعادَة التأهيل، والأَمَل، والاهتمام بجَودة الحَياة لا العلاج فقط.

في الخلفيّة، تمتَد مدينة حديثة خضراء تضمّ مستشفيات ومراكز أَبحاث، وتحلّق طائرات مسيّرة تنقل إمدادات طبية. تظهر سيارة إسعاف مكتوب عليها:

(Palestinian Medical Services) في إشارَة واضحة إلى وجود مؤسّسات صحية وطنية منظمة.

الصورة، ككلّ، تنقل إحساسًا بـدولة فلسطينية حديثة، نظام صحي متقدّم وشامل، تَركيز على العِلم، الإنسان، والعدالة الصحية، وتوازُن هادئ بين الهوية، والتاريخ، والمستقبل.

لو يَعلَم ترامب كيف نتخيّل فلسطين، وكيف نُريدُها، بَدَل أَن تكون «ريفيرا» على هَواه.

نتخيّل فلسطين وجهة عالميّة للصحة:

وجهة أكاديمية وطبية مَرموقة، تَستقبل مستشفياتها الجامعية ومَراكزها البحثيّة أطباء وباحثين من الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، للتعلّم، والتخصّص الدّقيق، والمشارَكة في أبحاث رائدة في مجالات مثل:

الطب الدّقيق، الجراحة الروبوتية المتقدمة، الذكاء الاصطناعي الطبي، إعادة التّأهيل العصبي، الأَطراف الصناعية الذكية، والصحة الرقميّة والطب عن بُعد.

تُدرَّس المناهِج الطبية في الجامعات الفلسطينية بلُغات متعدّدة إلى جانب العربية، وتُعتمد شهاداتها دوليًا، لتُصبِح فلسطين مركزًا لتبادل المعرفة لا مستهلِكًا لها فقط.

نتخيّل رعاية صحيّة متَطَورة، شامِلة، ومُنخفِضة التّكلفة،

نظامًا يَعتمد على الوقاية بقدْر اعتماده على العِلاج، مع كشفٍ مبكّر للأمراض عبر التحليل الجيني والبيانات الصحية الذكية المرتَبطة بسجلّات وطنية مؤمّنة.

مستشفيات مجهّزة بروبوتات جراحيّة بدقة نانوية، أنظمة تَشخيص تفوق المعدّلات العالمية، غُرَف عمليات هجينة، وطائرات مسيّرة لنقل الأدوية والدّم والأعضاء الحيوية بسُرعة قياسيّة.

نتخيّل فلسطين بيتًا للتقنيّات الطبيّة،

طبًا استباقيًا لا تفاعليًا، أجهزة قابلة للارتداء، أطرافًا صناعيّة عصبية، علاجات مخصَّصة، واقعًا افتراضيًا في التّدريب والتأهيل، ومنصّات طب عن بُعد تَخدم المناطق النائية بكفاءَة كاملة.

ونتخيّل شعبًا يتمتّع بصحة عالية ووعيٍ مجتمعيّ متقدمّ،

شَعب ارتفعت لديه متوسطات العُمر وجَودة الحياة، وانخفضَت الأمراض المزمِنة. أصبحَ الوعي الصحي ثقافة يومية تُدرّس في المَدارس وتُمارَس في البيوت. الناس لا يَذهبون إلى المستشفى فقط عند المرَض، بل يتفاعلون مع النّظام الصحي باستمرار.

رَغم كلّ هذا التقدّم، بَقِي للطبّ الفلسطيني بعدٌ إنساني وأَخلاقي عَميق، تمامًا كشعبه: الذّكاء الاصطناعي خاضِع لإشراف بشري، كرامة المَريض أولويّة، والطبّ رسالة إنسانيّة لا سلعة.

هذه هي فلسطين التي نتخيّلها ونُريدها. 

ببساطة، لأنّها تستطيع.

هنا كان من المفتَرَض أن تنتَهي مقالتي.

لكن خطر لي سؤال لـ ChatGPT:

"هل يَستطيع الفلسطينيون فعلًا الوُصول من الواقِع إلى هذا الخَيال المصوَّر في الصورة؟"

كانت الإجابة: نعَم، وبقوّة

ليس لأنّ الخيال جَميل، بل لأنّ الوقائع الحالية تُشير إلى ذلك.

الفلسطينيون اليوم أطباء وباحثون في أفضَل مستشفيات العالَم، أساتذة جامعات، روّاد في الذّكاء الاصطناعي والهندسة الطبية والصحة العامَة، ومسعفون يعملون في ظروف تُدرَّس في كتب الطبّ الطارئ.

خلال الحُروب والحصار ونَقص الإمكانيات، لم يكُن التوقّف خيارًا. فكان الابتكار ضَرورة. ابتكر الفلسطينيون طُرُق إسعاف، جِراحات طارئة، أساليبَ تعقيم بديلة، بروتوكولات علاج نفسيّ جماعيّ، وحلول إعادَة تأهيلٍ مَحلية.

صقَلَ هذا الماضي بَراعة الفلسطينيين: سُرعَةُ قرار، إبداع بلا موارد، وكفاءَة إنسانية عالية.

ما ينقُص الفلسطينيين ليسَ الذكاء، ولا الأخلاق، ولا الإرادَة.

ما ينقُصُهم هو السّيادة، الاستقرار، حريّة الحركة، بنية تحتية غير مدمّرة، وتَمويل مستَدام.

هذه عوامل سياسية، لا إنسانية. وعندما تَزول، يكون التحوّل أسرَع مما نتخيّل.

قد نَعتاد على التفاؤُل والمبالَغة بإجابات ChatGPT، لكن ما وُصف هُنا ليس مبالَغَة. المبالَغَة الحقيقية وضَبْعُ الخَيال يتمثّلان في واقِع الإبادة والدّمار.

أمّا هذا المستقبَل، فهو أَقرَب إلى الواقع مما نَعتقد أو ممّا جَعَلونا نعتقد. 

د. حنان خميس

مهندسة ومبادرة اجتماعية. 

مهندسة مختصة في مجال الهندسة الطبية، مديرة منتج في شركة Siemens Healthineers  الألمانية، ومؤسسة شريكة لجمعية نساء عربيات في مجالي العلوم والهندسة AWSc.

Share your opinion