حينَ يَسْتَبِدّ اليَأْسُ عَلى قَدْرِ حُلمِكَ تتَّسِعُ الأَرضُ

في زمن الإبادة يصبح الانشغال بالأُفق أقرب إلى اللا-انشغال. تراجعَت الحلول لصالح وقْف المقتَلة والإنقاذ. حتى القِيام بدور في الإنقاذ لم يكن حقيقيًا وأَشبَه بالاستحالة. مظاهرةٌ هنا بشقّ الأنفس سعيًا لإحداث شقّ ترهيب في منظومة الكبت، وتظاهرة عزّة في موقع آخر رغم الثمن، وتغريدة هنا أو هناك يتبع مصيرها ومصير كاتبتها أو كاتبها لأيّ ضابط شُرطة سيفسرها على مقاس غريزته، بعد أن يلقي القبض عليها "صيادو العرب" من تنظيمات "بتسلمو" و"رجابيم" وميليشيات ملاحقَة الكلمات والنوايا، وشرطة تعتقل وتعذّب، ونيابة عامة تتبنّى رواية الاتهام المسبَق في كلّ حال، وقاضٍ يبتسم للدفاع من باب أداء المهنة والفوقية ثمّ يصادق بكل أناقة على تمديد اعتقال الفنانة والأستاذة الأكاديمية والناشط الشابّ والمتظاهِرة لكَونها حَمَلت ألوان علم فلسطين المتاح قانونيًا والمَحظور فعليًا ليصبح الحظر هو القانون الناظم، وفي ما بَعد يصدر حُكمه بالإدانة لدرجة تبدو نُصوص الأحكام مَنسوخَة من مَلَف إلى آخر. بين المُتاح والمَحظور بات كلّ شيء محظورًا حتّى لغةَ الجسد باتت تتبَع لاعتبارات الذهنية المتسيّدة.
يُعيد الكَبت المطبّق والمستَدام إنتاج ذاته ليغدو كما لو كان كبتًا طوعيًا ونمط حياة وإلى أَمَد قد يكون محدودًا أو لا. في مثل هذه الحالة من الخَطَر الوجوديّ والشعور والإدراك الفردي والجماعي بأنّه وجوديّ، انحَصَر التفكير في الحال الخارج عَن السيطرة وغِياب التّأثير في رسم حدود المستقبَل جماعيًا، لذلك اتّسع نِطاق ذهنية الخلاص الفردي تفاديًا لويلات ذهنية الإبادة التي تشكّل هوية منظومة تنفيذية وقانونية وقضائية شعبية ورسمية متكاملة ومتسيّدة، وتفاديًا على الجانب المكمِّل للجريمة المنظمة التي تفتك بالمجتمع الفلسطيني من داخله، وهي تندرج ضمن الوظيفية التي حدّدتها لها المَنظومة الواسعة.
لا تَعني مَظاهر التفكّك لدى الشّعوب غيابَ الناس بل ضَعف الرابط أو حتى غياب الكيانيّة التي تشكّل بدورها روحَ الفِعل، كما وَجَد تعبيرًا عنه في تراجُع إضافي للثقة بالحركة السياسية والناظمة وعنوان الحِماية الوجودية، فهي حدَّدت دورَها كذلك وائتمنتها الناس، وهذا ليس بالضرورة تقصيرًا مقارنة بالتحديات الكبرى، لكنّه تقصير في العلاقة مع الناس والحِوار معهم والتشاركية في رسم معالم المصير. لو جَمَعنا حصيلة تداخل أَثَر الكبت المطلَق من المؤسسة الإسرائيلية، وفَتك الجريمة المنظَّمة بالمجتمع ومصادرة أمانه الجماعي والفرديّ وخلخلة الروابط المجتمعية الكيانية، فإن هذه المتغيّرات الهائلة في فترة قصيرة تتحوّل إلى سلوك جماهيري فردي وجماعي. وهو ما يقود إلى أزمة قيَم الانتماء والثقة بالذات الجماعية والغموض وتراجع القدرة على استشراف المستقبَل والتراجع في الدور السياسي، واستعداد نحو ربع الفلسطينيين في الداخل للهجرة الاضطرارية كما يُشير الاستطلاع الذي أجراه مركز الأبحاث مدى الكرمل، وهذا دون أيّ اعتراض مبدئي على الحق الأساس والشخصي بالهجرة؛ بينما الظاهرة تجعل الهجرة أقرب إلى التفتيش عن ملاذ، وهذا شرعي من حيث المبدأ، حيث تحمل الفئات التي تغادر مؤقتًا أو هجرةً الأفق والانتماء معها وتبقيهما.
شهدت المرحلة التي سَبَقت الحرب على غزة، نقطة انكسار لاقت تعبيرًا عنها في أعقاب هبّة الكرامة التي من المُمكن أن نطلِق عليها الهبّة اليتيمة، وفقًا لشعور عائلات المعتقلين بالعزلة وغياب الحاضنة السياسية والشعبية حتى معنويًا. شكّلت هذه الحالة نقطة انكسار، فالدولة اعتبرتها حربًا من الداخل واعتبرت الجماهير العربية أعداء من الداخل، واستعدّت لتقمعها وتحارب وجودها في حال مواجهة جديدة في زمن حرب خارجية. بعد السابع من تشرين الأول 2023 وخلال الحَرب على غزة كانت الدولة على أهبّة الاستعداد في هذا الصَدَد، بينما هذه الجَماهير كانت في حالة ضعف. لكن حتى لو لَم تكن حالة الضّعف المذكورة، وكان الفلسطينيون في الداخل في حالة تَماسُك وقوّة، لا يبدو لي أنّ سلوكها كان سيختلف، لأنّ التحديات الوجوديّة التي تَبِعت السابع من تشرين، لم تكن خيار الجماهير، ولا تملك القدرة السياسية والشعبية للتأثير على مجرى الأحداث الكارثّية.
لا يبدو أنّنا نَعود إلى حيث كُنا، وإلى ذواتنا التي كانت. قد يكون الأمر ممكنًا إلى حدّ معيّن بعد جيل، لكن لا تَغيب حقيقة أنّ أهم عناصر إعادة بناء الذات هو البقاء، هو الأساس لكلّ أفق. ومثالنا على ذلك في غزة حيث الإعمار لا يَبني الضحايا ولا شَعب الضحايا. بل الإعمار قد يحمل تحدّي جمْع الذاكرة والأحلام التي ابتلَعَها الرَّدم ويَفصل الإنسان عن ذاته وعَن مكانه وبيئة الناس التي هو أو هي منها.
هناك تجارب لدى شعوب كثيرة واجَهَت الإِبادة والخَطر الوجودي، ومُعظَمها لم تحظَ بالتّضامن العالمي الذي حظي به شعب فلسطين، والتّضامن هو قوة بقاء وروح صمود. لكن سأدرج تجربتين فلسطينيتين في خَلق الأمل، مع التأكيد أن الأمل لا يَأتي بذاته بل يحتاج إلى من يخْلقه وبإرادة واعية.
مِن تجارب السّجون هنا وفي كلّ مكان، بأنها تُشكّل لحظة انقطاع قَسريّ عن كلّ رتابة الحياة وفوضاها المتلازمتين، وفي لحظة تالية تصبح مقطوعًا عن الحياة والمكان والأحبة والأُسرة والبيت. تضعك التجربة التي لا عودة عنها أمام خيار التّوازن من جديد بأن تَبني لك ما يُطلَق عليه العالَم الموازي، يُبنى هذا العالَم المقلّص ماديًا وحياتيًا إلى أقصى حدّ من خلال أُفُق صَغير يبدأ بالتّماسك وبالتّسليم بالواقع حياتيًا، ورفض أن يكون هو حُدود الحلم وأن يكون مصيرًا. تَبدأ الحَياة من جَديد ويُصبِح الألَم والقهر والتّكافل من متلازماتها. تتم إعادَة هندسة الحلم بأُفق يبدأ من ضيقِ الزنزانة ويتّسع يومًا بعد يوم، فيما شَرط اتّساعه هو النفَس الطويل، وتحويل إدراكي للكبت المطلَق إلى صَبر، وللخَطَر الوجوديّ إلى تحديّ البقاء، أيّ أن البَقاء هو التحدّي أحيانًا وهو الأمر الحاسم.
في العام 1948 كانت النكبة وصَدمَتُها ولم تتوقَّفا مِن يومها. لم يَعُد في حينه شعبنا إلى ما كان عليه ولا إلى حيث كان، ولم يكن يَخشى الخطر الوجوديّ فحسب بل كان يعيش في طيّات هذا الخَطَر وويلاته. باتت غالبية الشعب لاجئين ولاجئات خارج المكان، وبات الحيّز دولة يهودية، وباتَ من بَقي تحت حكمها العسكري، والسّرد يطول، لكن اللافت أن من بقوا وَهُم مجموعة قليلة العدد والروّابط وعديمة القوة إلا بقوة البقاء وبهاجس البقاء، وبنَفَس طويل ووعي يحمل الصبر إرادةً وقسرًا. في النكبة كان لنا دَرس البقاء والبدء بالتأْسيس من جديد، وانطلقت المَسيرة من البقاء إلى الدفاع عن الأرض والحقوق الجماعية ورفد الشعب الفلسطيني كلّه وفعليًا شعوب الأرض بما أطلق عليه أدب المقاومة، وبالتطور الهائل في كلّ مجالات الحياة وحصريًا التعليم والأكاديميا والعلوم والفنون والثقافة والخطاب الحقوقي والمعرفي والمهن التي لا حدود لها.
لقد باتَت ثقافة أَجيال بكاملها تَسير على خُطى كلمات محمود درويش "على قَدْرِ حُلمِكَ تتّسع الأرض". صيانة الحُلم باتَت مهمّة قد تبدو مستحيلة لكنّها ليست مستحيلة.

أمير مخول
باحث في مركز تقدم للسياسات



