غَزَّة جَرْحُنا المَفْتوح

بَعدَ أَن تَضع الحَرب أوزارها (الحَرب في غزة لم تنتهَ حتى الآن، هناك وَقف إطلاق نار هشّ) ستتكشّف عشرات الآلاف، بل ربما أكثر من ذلك من القصص المروّعة، وقد بدأ بَعضها في الظّهور، مِثل قصص اعتداءات بعضها جنسية على النساء. (أنظر/ي الإحالات)

كيفَ لامرأة أن تَنسى اغتصابها، وكيف لطفل أن يُسامِح مغتصِبيه؟! فبالإضافة إلى الجروح البدنيّة الناتجة عن عمليات الاغتصاب، هُناك جروح نفسيّة غير قابلة للشفاء.

سَتَعيش هذه القصَص مع أصحابها طيلة أَعمارهم، وهي بالتالي قد تؤجّج مشاعرهم للثّأر من مرتكبيها، ولن يُجدي معها أيّ علاج نفسيّ فردي أو جَماعيّ، لأنّها تبقى مخزونة في الذاكرة الواعية والعَقل الباطن سنواتٍ قادمة، ما دام صاحِبُها حيّ ويتذكّر.

صديقتي لينا زعيتر، الناشطة الاجتماعية في مؤسسات عدّة كتبت تقول:

"غزة ليست مدينةً تُحاصَر فقط، بل روحٌ تُستنزَف، وصوتٌ يَخرج من بين الركام ليقول: ما زلتُ حيّة رغم كلّ هذا الألم. لم تَعد الحرب حدثًا عابرًا في تاريخها؛ أصبحت ندبةً محفورة في وجوه أطفالها، ورعشةً في قلوب نسائها، وانكسارًا صامتًا في صدور رجالها. غزة اليوم ليست مجرّد اسمٍ على خارطة، بل جرحٌ مفتوح.

الحَرب لم تطرق بابًا حين دَخَلت غزة، بل اقتحَمَته بوحشيّة تركت خلفها بيوتًا مبتورة الجدران، وعائلات مبتورة الأرواح، وقصصًا لا يستطيع القلم أن يكتبها دون أن يرجِف، لم يكن الدمار حجارةً انهارت فحسب، بل انهيار كَرامات، وأحلام، وأمان كان يُطمئن الأطفال ليلًا بأنّ الغد سيكون أجمَل.

في قَلب هذا الجَحيم، كانت النساء في غزة يتحمّلن ما لا يحتمله بشر، كثيراتٌ تعرّضن لاعتداءات وحشيّة، واغتصاب، وإذلال، وانتهاكات لا يَكفيهِن معها العالم كلّه لينصفهنّ أو يخفّف عنهن، نساءٌ حَمَلن وجعًا مضاعفًا. 

 وَجَع الجرح في أجسادهن، وَجَع الصّمت الذي فَرَضه الخوف، وَوَجع مجتمعٍ يحاول أن يضمّد ما لا يُضمَّد، كان الأَلم أكبَر من أن يُروى، وأعمق من أن يُنسى.

أما الرجال في غزة، فقد عاشوا قهرًا من نوع آخر؛ قَهر العَجز أمام أطفالٍ يبكون الخوف، وأمهاتٍ يُخفين ارتجاف أيديهن، وزوجاتٍ فَقَدن الأمان. رجالٌ وقفوا أمام الدّمار يعضّون على قلوبهم كي لا ينكسروا، لأنّ انهيارهم يَعني انهيار كلّ مَن حولهم. فَقَدَ كثيرون بيوتهم، وأهلهم، أو حتى قُدرتهم على البكاء، لكنّهم ظلّوا واقفين… فالقَهر حين يَسكُن الفلسطينِيّ يتحوّل صمودًا.

مع هذا كلّه، لم تكن الحرب مجرّد قصفٍ وأصوات انفجارات، كانت نزوحًا مريرًا.

لم تَحمل العائلات التي أُخرِجَت من بيوتها مَعها سوى القليل، مَشْهد الطّوابير على الطُّرقات، والأطفال الذين ناموا على أرصِفة النزوح، والشيوخ الذين حَمَلوا ذكريات عمرهم وتَرَكوا وراءَهم مفاتيح أبواب لَن يعودوا إليها، فالنزوح في غزة ليس حَركة انتقال، بل اقتلاعُ قلوبٍ من جذورها.

رَغم الظّلام كلّه، ما زالت غزة تُعلّم العالَم مَعنى الحياة، من بين الرّكام يولَد طِفل جديد، ومِن تحت الغُبار تَنهض امرأة تمسح غبار الحرب عن كتفيها وتُكمل المشوار، ومن قَلب الحزن يَخرج رجل يرفع الأذان فوق حيّ دُمّر ليقول: ما زلنا هنا، غزة لا تَسقُط، لأنّ سقوطها يعني سقوط كلّ ما تبقّى من إنسانيّتنا.

غزة جَرحنا المَفتوح، نعم، لكنّها أيضًا مرآتنا التي نرى فيها حَقيقة العالَم: أن الظلم ما زال قائمًا، وأن الصّمت جريمة، وأنّ الإنسانية تُذبح حين تُترك غزة وحيدة، ستظلّ غزة شاهدًا على ما ارتُكب بحقّها من قَهر واغتصاب ودمار، لكنها ستظلّ أيضًا شاهدة على قوة شعبٍ لا يُهزم، مهما نَزَف، ومهما ظلّ الجَرح مفتوحًا".

انتَهى الاقتباس عن لينا زعيتر.

تَصير المُصيبة أعظَم في حالة النساء اللواتي تعرَّضن لاغتصابٍ نَتَجَ عنه حَمل يَرفُضنه، وربما يُصبح مصدَر عارٍ لهن في المجتمَع المحيط، يذكّرهنّ بما جَرى لهن، بالإضافة إلى استحالة نسيانهنّ ما جَرى.

ستتكشّف، وقد بدأ بعضها في الظّهور، عشرات آلاف وربما مئات الآلاف من قِصص التعذيب الوحشي الذي تعرّض له المعتقلون، نساءً وأطفالاً ورجالاً، شبابًا ومسنّين.

لن يكون بمقدور مَن دخل سجن "سديه تيمان"، سيء السّمعة والصيت، الذي ضمّ بين حيطانه آلاف قصص التّعذيب الوحشي، أن ينساه.

تعرّض الغَزّيون إلى أشكال شتى من العذاب، إلى جانب تدمير البيوت التي تضمّ في جَنَباتها ذكريات إنسانيّة، وقَصْف مخيمات النزوح، ومَحو عائلات بكاملها من السجلّ المدني. وهناك الأمهات والآباء الثكالى، والأطفال الذين فقدوا والديهم، أو أصدقاءهم أو إخوتهم وأخواتهم.

مَنْ الذي لم يتعرّض في هذه الحرب على وجه الخصوص، وحروب سابقة عمومًا، إلى شتّى صنوف العذاب والقهر؟!

نقول ونحن واثقون من قولنا، إن كلّ أهالي قطاع غزة تعرّضوا لأشكال من التّعذيب والقَهر، يَصعب أو حتى يستحيل على بشرٍ تحمُّلها.

خَلَقَت هذه الحرب وغيرها من الحروب السابقة وسَتَخلق أجيالًا من الرجال والنساء الذين قد يكونوا راغبين في الانتقام بأشكال عدّة، وأشك إن كانت ستردَعَهم أيّ عقوبة عن ذلك، بما فيها قانون إعدام الأسرى الذي مرّرته حكومة الاحتلال في "الكنيست" بالقراءة الأولى.

سَمِع الأطفال والكبار بل وشاهدو بأعينهم أترابَهُم يُقتلون، وبيوتهم تُهدم، وخيامهم تُقصف، والطائرات على اختلافها تَحوم فوق رؤوسهم تَنشر الموت والدمار، كلّ هذا وغيره، سيترك آثارًا نفسية لديهم يَستحيل مَحوها، هذا إن تجاوزنا عن حالات التّجويع والإذلال وعذابات النزوح.

التَّعب والإرهاق المضني الذي حلّ بالنازحين في طريق نزوحهم وعودتهم أكبر من أن يُنسى.

حرمان الطّلاب من مدارسهم ومعاهدهم التعليمية وقَتل أحلامهم، وتدمير مستقبل كلّ أبناء قطاع غزة، كلّ ذلك له عواقب نفسية وخيمة التأثير إلى سنوات قادمة، تمتدّ ما طالت بهم الأعمار.

لَن يَنتبه، غالبًا، مَن يبحثون في إعمار غزة، سوى لإزالة الركام وإعادة بناء المساكن، مِن دون أن ينتبهوا إلى الآثار النفسية المدمِّرة التي حلّت بأبناء غزة جميعهم من دون استثناء، والتي ستعيش معهم بقيّة حياتهم.

ستبقى جراح غزة النفسيّة منها على وجه الخصوص، جرحًا مفتوحا إلى ما لا نهاية.

ربّما يُعاد بناء البيوت والشوارع والمستشفيات والمدارس، لكن مَن يَمحو الآثار النفسية التي ترسّبت في الأعماق، تاركة ندوبًا وجروحًا لا يمكن شفاؤها؟


الإحالات:

https://wclac.org/Library/254/Sexual_Violence_Against_Palestinian_Women_Submission_to_the_UN_Special_Representative_on_Sexual_Violence_in_Conflict

https://www.youtube.com/watch?v=wwOCYIZg6zk&t=87s 

الصورة: للصحفي - المصوّر معتز عزايزة.

عدنان داغر

صحفي وكاتب فلسطيني مستقل. مقيم في رام الله

Share your opinion