تَتَميّز الحُلول الأمريكية عادةَ بما يَأتي: تَقسيم البلاد، تَشكيل حكومات مرتَبِطة، اتّفاق سياسي غامِض يفتح المَجال للاشتباك من جديد، نَهب ثروات البَلَد تَحت مسمّى اتفاقيات ومعاهدات، وُجود أمريكي "ما" يَضمَن المَصالح، مُحاولَة تطويع الوعي وخَلق نُخب مطيعة، التهديد الدائم بالقوّة، رأينا هذه الحُلول تتكرّر في كلّ من الصومال والعراق وأفغانستان وأماكن أخرى. الحُلول الأمريكية لا تَهدف إلى إنهاء الصّراع، بل الاستفادَة منه، ولا تَهدف إلى الاستقرار بقَدْر رغبتها في تَحويل الصراع إلى فُرصة أخرى للهيمنة والنّفوذ والربح.

يُمكن القَول إن الولايات المتحدة فشِلَت في تحقيق السلام، لكنّها نجحت في إنجاز التّسويات، وهي تسويات عادة ما تكون ملغَّمة وملفَّقَة ومفروضة بالقوة والتهديد، لذلك فهي غير مضمونة، وتسمَح دائمًا بتدخّل سافر، وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة تدّعي أو تتذرَّع بحقوق الإنسان، فإنّها عادة ما تتحالَف مع القوى التي لا تُشاطِرها الرؤية، فالرّغبة بالربح والهيمنة أهم من أيّ شعارات.

أقول ذلك كلّه بمناسبة المحاوَلات الأمريكية "إِقناع" إسرائيل بقبول خطّة وقف إطلاق النار في غزة وعدم إفراغها من محتوياتها، والتّلويح الأمريكي والإسرائيلي بدراسة بدائل أُخرى في حال فَشَل المشروع الذي تقدَمت به الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن للمصادقة على تشكيل "قوّة الاستقرار" في قطاع غزة ووضعه تحت الوصاية أو الانتداب مدَّة سنتين على الأقل.

الوجود الأمريكي في إسرائيل ومحاولة إعطاء الانطباع أن هناك زخمًا أمريكيًا متواصلًا لتثبيت وقف إطلاق النار وصولًا إلى نزع سلاح "حماس" وبدء عملية الإعمار وانتهاءً بانسحابات إسرائيلية متدرّجة مرتبطة بمدى التقدّم بنزع سلاح "حماس"، كلّ ذلك يُثير المَخاوف من مَخاطر عديدة قد تقود إلى "الخطة البارعة" التي تفضّلها كلّ من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، أقصد بها الفَدْرَلَة، والفَدْرَلَة باختصار تقسيم البلاد على أُسس طائفية أو عرقية أو أثنية أو جهوية أو تحت أيّ مسمى قد يكون نافعًا في حينه.

 الفَدْرَلَة هي تفكيك للدولة والمجتمع تحت شعارات قد تبدو برّاقة وجذّابة، مثل المُرونة والفعاليّة والنجاعَة وتقليل الاحتكاك وتوزيع الثروات والحكم الرشيد والسّلم الأهلي، لكن هذه الشعارات تُخفي تحتَها إضعاف الدولة وغياب القرار الموحَّد وتَبهيت الهوية الجامعة وسهولة التحكّم والتدخّل والتّفجير وسهولة الاستغلال والنهب أيضًا.

وقد رأينا كيف تمّ تقسيم الصومال والسودان والعراق فيدراليًا وسياسيًا بما يخدم الأهداف الاستعماريّة أولًا وأخيرًا، وقد تم ذلك بالقوة العسكرية والإغراء والاحتواء والتفجير والتفكيك، أَيْ أن هذا التقسيم لم يتم اختياريًا على الرغم من عمليات الانتخاب والتّخفي بالشكليات الديموقراطية، وهي السيناريوهات الخادعة التي يفضلّها الاستعماري لإنجاح مشروعه والوصول إلى أهدافه.

ما حصل في تلك البلدان قد يحصل الآن في بلاد الشام أيضًا، فالفَدْرَلَة بمعنى التقسيم الطائفي أو الجغرافي أو العشائري، مشروع يمكن تلمّسه منذ الآن، فما يجري في لبنان من ضغط أمريكي وإسرائيلي لدفعه إلى حرب أهلية يترافق مع محاولات حثيثة لإغراء النظام السوري الجديد بالقبول بوضع فيدرالي يقوم على الطائفية والأثنية الثقافية ينسجم مع التغييرات المرتَقَبَة في لبنان. 

أمّا عن الفَدْرَلَة في بلادنا، فإن تقسيم غزة بالخطّ الأصفر وفصل الضفة عن القطاع وتغييب القدس المحتلة عن أيّ حلول مستقبلية باعتبارها العاصمة الأبدية لإسرائيل، يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لا ترى في الشعب الفلسطيني كتلة واحدة متماسكة لها الأهداف نفسها والمصير نفسه، وهو ما تهدّد بعض الأطراف الإسرائيلية الشقيقة الأردن به أيضًا.

تقوم الحلول الأمريكية والإسرائيلية، كما قلنا، على تفكيك القائم وعدم الاعتراف بوحدة الشعب التاريخية والثقافية، لهذا فإن التهجير أو القتل أو الإبعاد أو الإنكار أو التّفكيك حلولٌ مقبولة، خصوصًا إذا تمت بالقوة الغاشمة، وهو منطق يجب عدم الاستسلام له أو التعاطي معه أو السماح له بالنجاح.

أقول ذلك حتى لا نستيقظ ذات صباح لنجد أن بلاد الشام كلّها قد أعيد تركيبها على أسس أخرى غير تلك التي تعوّدنا عليها بناءً على اتفاق سايكس بيكو، وهي أسس لم تؤدِ إلى شيء حتى الآن، والخوف كلّ الخوف، أن يعاد تركيب هذه البلاد على أسس أخرى أقل وأصغر وأضيق وأكثر عرضة للتفجّر والغرق في الفقر والتبعيّة. من الواضح أن اتفاق سايكس بيكو لم يعد نافعًا للمستعمر، ولا قادرًا على تهدئة المخاوف والهواجس والأطماع المتجدّدة.

د. أحمد رفيق عوض

رئيس "مركز القدس للدراسات المستقبلية" في جامعة القدس.

Share your opinion