مُلامَسَة الحُلُم: عَلَى شَطّ الحُرِّيّة!

فلسطين صارَت حُرّة! لا أصواتَ رصاص، لا حواجز، لا طُرُق مُغلقة…

لقد توقّف الزّمن لحظة ليستوعِب الخبَر. الشوارع التي حفِظت وقْع الأقدام الخائفة تتنفّس أخيرًا، والجُدران التي سمِعَت الوجَع أكثر مما سمعَت الضحك تَستعيد الحياة. لا صافرات إنذار، لا انتظار على الأسفلت، لا وجوه مُتعَبة تحسب المسافة بين الحلُم والحاجز. فجأة! صار الطّريق طريقًا فقَط بلا خوف، بلا قلَق، بلا سؤال: "إلى أَينَ أنتَ ذاهب؟".

بالنسبة لي، لن يكون الاحتفال بالزّغاريد أو الأَغاني الوطنيّة، ولا بمنشورٍ على مواقع التّواصل، لن يكون احتفالًا صاخبًا. سيكون في تلك اللحظة احتفالًا هادئًا غير عاديّ سيُشارِك به قلبي الذي يتنفّس لأوّل مرّة، إنّني أسمَع قلبي وعقلي يهتِفان "هذِه فلسطين… حرّة أخيرًا، وهذه اللحظات لكِ وحدَكِ، عيشيها كما تشائين ".

أَركَب سيارتي، وهذه المرّة لا أقودُها بعقلي، بل بقَلبي، الذي يعرف دائمًا الطّريق إلى ما أُريد وما أُحبّ. أَترُك له المِقوَد بلا تردّد، يَقودني بهدوء، دون خرائط أو إشارات سيأخُذني إلى مَكان لطالما حَلُمت بزيارته منذ زمَن، هذا المَكان الذي سكَن روحي قبل أن تطأه قدماي، المكان الذي كنتُ أقول لنفسي في كلّ مَرّة: "إن شاء الله يومًا ما".

سأذهبُ إلى البحر،،،، أتخطّى الحاجز الذي لم يعُد حاجزًا أَمامَ ما أُحب، تمرّ الذاكرة أمامي كفيلم قَديم؛حواجز رأيتُها من بَعيد، طرُق التفّت حَول نفسها، وأحلام تأجَّلت بحُجة "ليس الآن، مَمنوع التّصاريح!". ابْتسِم بهدوء لأنّ الطريق اليوم مستقيم، ولأنّ القلب أخيرًا لا يعرِف الالتفاف، أَشعر أنّ المسافة أقصَر من أيّ وقتٍ مضى، كأنّ الحريّة اختصرَت الطّريق، وكأنّ الأرض نفسها تَفتح ذراعيها لتَستقبل أبناءَها العائدين بلا خوف.

 وصلت أخيرًا إلى مكاني المفضّل الذي حُرمت منه طويلًا ولطالما كان حُلُمًا مؤجّلًا دائمًا… لحظة صَمت وهدوء! قد أَبكي، قد أَضحَك، أو ربّما الاثنان معًا. اتّجِه نحوَه ببُطءٍ كطفل صغير تعلَّم المشي حديثًا، أخلَع حذائي، أَمشي بخفّة على الرّمل، كمَن يَخشى أن يكون الحلُم هشًّا فينكَسِر. أغمِس يدي في الماء لأتأَكّد أن الحلُم أصبح حقيقة، أَشعُر كأنّني ألمَس الحريّة لأوّل مرّة. سأترُك المَوج يلامسنُي قبل أن أَلمِسه، أُريد أن أسمَع صوتَه بلا إذن، وأن أَرى الأُفُق بلا جنديّ، بلا تصريح، بلا خَوف، بلا أسئلة عن هويّتي ومن أنا!!

سأَجلس طويلًا دون أن أفعَل شيئًا أتأمّل الشمس التي ترسِم على صفحة البحر خيوطًا من ذَهَب، والسّماء تمتد فوقي بزُرقَة لم أَعرِفها مِن قَبل، زُرقة تُشبه الطمأنينة حين تزورُ القلبَ فجأة، سأُعوّض كلّ السنوات التي حُرمت فيها من أبسَط حقّ: رؤية البحر! سأحدّثه عن المدن التي اشتاقَت له، عن المَسافات التي كبُرت رغم قُربِها، عن قلوبٍ متلهّفة لرؤيته، عن أطفال كبُروا وهم يرسمونَه في دفاترهم، عن أحلام كُتبت ولم تتحقّق، وأَشخاص ماتوا قَبل أن يرَوا الحرّية.

البَحر بالنسبة لي هو وعْد تأجّل كثيرًا، حقّ بَسيط سُرق، وهو أوّل استِرجاع حقيقي للحرّية. أَجلس على شاطئه الآن، أَكتب في قلبي كلّ شعور لا يُمكن للكلام أن يصِفه، سأكتب من قلبٍ يكاد يَطير من شدّة الفرَح: مشاعر في كلّ مكان، فَرَح، انتصار، سَلام. وصَلَتُ إلى مكاني المفضَّل أخيرًا! وَصَلتُ إلى ذلك الرّكن الذي لطالما حَلُمت بالهروب إليه لحظات الحُزن والشّعور بالعُزلة، لأنّني أعلَم أنّ البحر يُصغي لنا دائمًا ويواسينا في خيباتنا.

أَتخيّل الأطفالَ وهم يركضون على الشاطئ بَعد لحظات من الحرّية، يَلعبون بحرّية تامة، يَضحكون بلا خوف، يَرسمون على الرمال أحلامَهم كما رَسَمتُها أنا في الخيال قبلَ أن تتحقّق. أتخيّل المدُن كلّها، كلّ حارَة، كلّ بيت، كلّ شارع، يحتفل بهدوء داخلي، لأنّ الحرّية ليست فقط صياحًا أو ضحكًا، بل شُعور عميق يَسكُن القلب ويُحلّق بك عاليًا.

أُمسِك بيَدي رمال الشاطئ، وأترُكُها تتسلّل بين أصابعي، كأنّها تحمل معي كلّ ذكريات الماضي، وكلّ آمال المستقبل، سأَدَع المَوج يفعَل ما عَجِزَت عنه السّنوات؛ أن يَغسِل عن قلبي ثِقَل الأيام، وخَوف الانتظار. أَعِد نفسي أن أَحمِل هذا الشعور معي، أن أحتفِظ به في قلبي، وأن أَروي قصة الحرّية لكلّ من يأتي بعدي، حتى يعرفوا أن حُلمَنا أصبح حقيقة، وأن البحر في نهايته؛ هو دائمًا وعدٌ بالسلام والأمل.

أُدير وجهي نحو الأفق البعيد حيث يلتقي البحر بالسماء، أسمَع صمتًا عميقًا، صمتًا يحمل كلّ أحلامنا المؤجَّلة. أَرى الطيور تُحلّق فوق الماء بِحُرّية، كأنها تُرسل لي رسالة: "الحرّية ممكنة مهما طال الانتظار"، أُغلق عينيّ، أشعُر بنَسيمِهِ يلامِس وجهي، ورائحته التي وصَلَت أعماقي، يربّت على قلبي ويهمِس: "هذه فلسطينُك، هذه حياتُكِ، اِملئي صَدرَك بالأمل."

أُدرِك أنّ البحر لا يُنسى ولا يَنسى، أَنّه شاهِد على أحلامنا وأحزاننا، على أجيال كاملة وَقَفت عند حدوده في الخَيال فقط، وانتظرت اللحظة التي يمكِنها أن تقف فيها على الشاطئ بلا قُيود ولا خَوف. أَشعُر بامتنان كبير لكلّ من صَنَع هذه اللحظة، لكلّ من صبَر طويلًا وأَحَب وطنه رغم كلّ شيء وآمن أن الحُلم مهما طال لا يموت. اليومَ لا يستقبلُني البحر وحدي بل يستقبِل تعَب السنين كلّه، ويحتضن ذاكرة وطنٍ كان يعرف أنّه سيصل يومًا ما .... ولَو بَعد حين.

الآن سأَعود من البحر وقلبي مليء بطمأنينة والسلام، عيناي ممتلئتان بالأمل، وروحي أخفّ من أيّ وقت مضى كأنّها تخلّصت من حِملٍ قديم. هذه اللحظة هي البداية: بداية حياة جَديدة لا تُشبه ما قبْلها، بداية حرّية كلّ فلسطين، وبداية حلُم أصبحَ حقيقة بعد طول انتظار.

أَعِدُ نفسي أَن أَبقى وفيّة لهذا الحلُم، لأنّ من لَمسَ البَحر لا يُمكِنه أن يَنسى طَعم الحرّية ....

سجى عويضات

موظّفة في وزارة السّياحة والآثار الفلسطينية.

رؤى
ما اجمل المقال اكثر من رائع♥️
Thursday 1 January 2026
الاستاذ عدنان عويضات
ابدعت الكاتبة سجى الفجر نور الصباح في سكب مشاعرها الجميلة الرائعة على وجدان القاريء مثل غيث غيوم الشتاء على رمال الصحراء .عندما تقرأ ما بين السطور يلمع برق غيوم الانسانية ويقدح رعد المشاعر فيهطل الغيث على تلك الصحراء وكل هذا امام اعين البحر حيث تطرب الامواج ويغني اللؤلؤ والمرجان اغاني السعادة والفرح على الحان كلمات كاتبتنا الفريدة في تطويع المشاعر الانسانية لتكون خبز الجائع لمعاني الانسانية والحرية في حياتنا.بوركت كاتبتنا ممثلة لاحساس الانسان بمعاني الحرية والحق بالحياة الكريمة الفاضلة 🤲☝️🌹💓🌞🌧🙆
Thursday 1 January 2026
اسراء جعارة
برافو سجى، ابدعتي سلمت يداك 🫶🏻👍🏻
Thursday 1 January 2026
اسراء جعارة
الى الامام، استمري…….. 🌸👍🏻
Thursday 1 January 2026
Share your opinion