إِعادَة إِعمار المَسار: الأَمَل والعَمَل والمُخَيّلة

تُمثّل الحَرب على قطاع غزةَ لَحظة مفصليّة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، ليس فقط بسبب حَجم الدّمار غير المسبوق، أو الخَسائر البشرية التي طالت كلّ بيت، بل لأنّها كَشَفت عن تحوّلات بنيوية تمسّ المُجتمع الفلسطيني في عُمقه: تَفكّك مَنظومات الخَدمات، انكشاف العائلات أَمام الفَقد والمَوت، انهيار مؤسَّساتية الدولة، وتَغيّر أنماط الإدارة والتّعايش. لقد تحوّلَت الحرب من حَدث عسكري إلى صَدع تاريخي يُعيد تَشكيل البُنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
في هذا السياق، يُصبح التّفكير في المستقبَل ضرورة استراتيجية، تَرتكز على ثَلاث ركائز تحليلية:
الأَمل كَبنية إجبارية للنّجاة، وآفاق الحلّ كإطار عَملي لإعادة البِناء، وفَضاء «ماذا لو؟» كَأَداة لاستشراف السيناريوهات وتَقليل المَخاطر.

أولًا: الأَمل.. من حالة نفسيّة إلى بنية إجباريّة يَفرضها الخَراب والبَحث عن البَقاء

على العكس من الأدبيّات التي تَنظر إلى الأَمل كَمَورد معنويّ أو كبنية مقاومة، كَشَفت الحرب على غزة أنّ الأَمل، في هذه المرحلة، ليس خيارًا ولا فعلًا تطوعيًّا؛ بل بنية قَسريّة نشأَت تحت ضغط البقاء،
لأنه حين تتفكّك شروط الحياة، ويصبح الموت احتمالًا يوميًا، يتحوّل الأَمل إلى آلية إجبارية تُمكّن الأفراد من الاستمرار في الحدّ الأدنى من الفِعل الاجتماعي.

1. الأَمل كاستجابة قسريّة لواقع كارثي

تحت القصف، ومع انهيار المستشفيات، وانعدام المياه والغذاء، لم يكن الأَمل خيارًا روحيًا، بل استجابةَ بَقاء:

الأُسر التي حَفِظَت ما تبقىّ من حياتها في خيمة مثقوبة يفرّقها المطر.

الأطفال الذين واصلوا التّعليم على دفاتر ممزَّقة أو على الرمال الباردة داخل الخيمة.

العائلات التي أَعادَت طحن العدس والأَعلاف وحوّلته لدقيق لتوفير جزء من الغذاء لأطفالها وعَدم الاستسلام إلى الجوع.

المبادَرات الأوليّة لصُنع الأفران البدائية بعد توقّف الكهرباء والغاز.

ليسَت هذه الممارَسات تعبيرًا عن تَرَف الأَمل، بل نتاج لواقع قَهريّ يُجبر الناس على ابتكار أَدَوات حياة بَديلة. لقد أَعادَت الحَرب تَعريف الأَمل: هو محاولة النّجاة الأخيرة قبل السقوط، لا شعورًا تفاؤليًا.

2. الأَمل كبنية اجتماعية تُعيد تنظيم الحياة رَغم الانهيار

فَرَضَت الحَرب على المجتمع الفلسطيني إعادَة إنتاج وظائف كانت تؤدّيها الدولة:

  • تشكّلت شبكات إغاثة أهلية داخل المخيمات، لا بهدف التطوّع بل كضرورة للبقاء.

  • ظَهَرت آليات بديلة لإدارة السَكن والمأوى دون إشراف مؤسّسي.

  • أعاد السكان تنظيم خُطوط المياه نفسها من الآبار، في ظلّ غياب السّلطة العامة.

  • تَشكَّلت لجان تنظيم مجتمعيّة لإدارة المواد الشّحيحة داخل مخيّمات النزوح الكبيرة.

تُمثّل هذه الديناميات "الحدّ الأدنى من الحياة" الذي يَنهض على أَمل قَسري يحرّك المجتمع نحو التكيّف مع وضع شِبه انهياري.

3. الأَمل كبنية ضَغط سياسيّ ناتجة عن الضرورة

على المستوى الوطني، قادَ هذا الأَمل القسري إلى إعادَة فَتح النّقاش حول مستقبَل النظام السياسي.
فالحرب أثبَتَت أنّ استمرار الانقسام تهديدٌ وجودي يُعيق الإغاثة، ويؤخّر الإعمار، ويعمّق هشاشة المجتمع.
بهذا، يُصبح الأَمل — بوصفه بنية قسريّة — حافزًا لإعادة التأسيس وليس محركًا عاطفيًا رومانسيًا. فالمجتَمع، في لحظة الانهيار، يَضغط نحو بناء نظام أكثرَ قدرة على التنظيم والاستجابة.

ثانيًا: آفاق الحلّ.. نَحو نَموذج جديد لإعادَة البنّاء وإدارة الحالَة تَحت ضَغط الأَمل القسري

تتحدّد آفاق الحلّ بعد الحرب في إطار مُعقّد، حيث لم يعد الأَمل خيارًا تطوعيًا أو تعبيرًا رومانسيًا عن التطلّعات الممكنة، بل أصبح أمرًا قسريًا مفروضًا على المجتمع بفعل الكارثة. فحين ينهار كلّ شيء، يتحوّل الأَمل إلى وسيلة نجاة إجبارية، وإلى آلية دفاعية تُنتج بها الجماعة قُدرتها على البقاء، لا لأن الظروف تُساعد، بل لأن غياب الأَمل يعني الذوبان الكامل داخل مأساة الحرب. ومن هذا المنطَلَق، يصبح الشعب نفسه — ليس بكونه متلقيًا بل كفاعل—الّركيزة الأساسية في صياغة آفاق الحل.

إن نموذج إعادة البناء لا يمكن أن يُعاد إنتاجه بالصيغة التكنوقراطية التقليدية التي يُهيمن فيها الخبراء والدول المانحة؛ فالحرب كشفت أن المجتمعات، لا المؤسسات الرسميّة وحدها، هي التي تحافظ على الحياة حين تَنهار أنظمة الدولة. لذلك، يجب أن يقوم أيّ حلّ على ثلاثة ركائز:

دَمج البنية الاجتماعية التي تشبّثت بالحياة ولم تَستسلم للموت— التي ظَهَرت خلال الحرب—في منظومة إعادة الإعمار، مثل اللجان الشّعبية، شبَكات التكافل، آليات الإدارة الذاتيّة للمخيمات، وأنماط التنظيم المجتمعي المحلي.
فهذه البنى نَشَأَت من رَحِم "الأَمل القَسريّ"، وهي القادرة على خَلق استقرار اجتماعي واقتصادي أوّلي.

تَحويل الشعب إلى شَريك في التّخطيط وليس مجرَّد مستفيد، عَبر إشراكه في تَحديد الأولويّات، وتَقييم الاحتياجات، ورقابة آليات التّمويل. فالحرب أثبَتَت أنّ تجاهُل صوت المجتمع يَخلِق فراغًا إداريًا وأمنيًا يَعود بالضرر على الجميع.

إِعادَة بناء الحالة الفلسطينية على أَساس واقع ما بَعد الكارثة، أيْ حالة فلسطينية لديها قُدرة الاستجابة، ومؤسّسات مَرِنة، ونموذج حكم يَعترف بأن المجتمع أصبحَ الفاعل الأول في إدارة الأزمة.
وهذا يتطلّب إعادة تأْسيس الهياكل السياسية والأمنية والاقتصادية بما يتلاءَم مع طاقة الناس على الصّمود وإعادة البناء.

ثالثًا: فضاء "ماذا لو".. استراتيجيات التّعامل مع سيناريُوهات المستقبَل

يُمثّل فضاء "ماذا لو" أداة تحليلية تتجاوز التخيّل النظري لتصبحَ آلية لحماية المجتمَع من صدمات جديدة. وفي سِياق ما بعد الحرب، يصبح التفكير في السيناريوهات المختلفة ضَرورةَ بَقاء، لأنّه يساعد في تحويل "الأَمل القَسري" من حالة دفاعيّة إلى قدرة استراتيجية على توجيه المستقبَل.

فالسّؤال "ماذا لو؟" لم يعد سؤالًا هامشيًا، بل أصبح أداةً للتخطيط الوقائي:

ماذا لو تسارَعَت عملية الإعمار من دون مشاركة شعبية؟

ماذا لو استمرّ الانقسام؟

ماذا لو ظَهَرت مبادَرة سياسية دولية مفاجئة؟

تَكشِف هذه السيناريوهات مساحات الخطَر والفرص، وتَسمح ببناء استعدادات مجتمعية ومؤسساتية لتخفيف آثار أيّ تحوّل مفاجئ. والأهم أن الشعب —  صانع الأَمل القَسري — هو مركز هذا الفضاء أيضًا، لأنّه اللاعب الوحيد الذي يظلّ موجودًا في كلّ السيناريوهات مهما تغيّرت الأطراف الدولية والإقليمية.

ومن خلال اعتماد "فضاء ماذا لو" كَأَداة وطنية، يمكن للمجتمع ونخبته ومؤسّساته صياغة استراتيجيات ثلاث:

إستراتيجية الاستِجابَة: تَحديد كيف يمكن للبنية المجتمعية التي نشأَت في الحرب أن تتعامل مع أيّ طارئ.

إستراتيجية التكيّف: مواءَمة خطط الإعمار والحُكم وفق السيناريوهات المحتمَلة، وليس وفق مسار واحد مفترض.

إستراتيجية الحِماية: بناء آليات تَمنع تكرار الكارثة، وتوفّر مظلّات أمنية واجتماعية للمواطنين.

بهذا يُصبح فَضاء "ماذا لو" جزءًا مِن مَشروع بناء المستقبل، لا مجرّد تَمرين ذهني، ويشكّل مع الأَمل القسري وآفاق الحلّ، ثلاث ركائز تَضمن بقاء المجتمع كفاعل وقادر على تَحويل كارثة الحرب إلى نقطة انطلاق لبناء نَموذج وطنيّ جديد.


الصورة: للناشط والمبادر الغزّي سعيد قديح.

د. إسلام موسى (عطا الله)

باحث فلسطيني متخصص في العلوم السياسية، حاصل على دكتوراه من جامعة قرطاج بتونس. يعمل في وحدة أبحاث الأمن القومي بمركز التخطيط الفلسطيني، وباحثًا رئيسيًا في المركز الفرنسي لبحوث وتحليل السياسات الدولية (CFRAPI) في باريس. تركز أبحاثه على الأمن القومي والتحولات السياسية في الشرق الأوسط.

رأيك يهمنا