إِعادَة تَشكيل الضّفّة الغَربَيّة بالاستيطان: ما يَقوُلُه القَانون الدَوليّ.. وما لا يَفعَلُه!

شَهِدَت السياسة الإسرائيلية تِجاه الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في سُلّم الأولويّات، حيث أصبَح المشروع الاستيطاني محورًا مركزيًا في السّياسات الحكومية الإسرائيلية. ولَم يَعُد الاستيطان مجرّد أداة سياسيّة ضِمن إدارَة الصّراع، بل باتَ يمثّل جزءًا مِن استراتيجية أوسَع تَهدِف إلى إِعادَة تَشكيل واقِع  الأراضي الفلسطينية المحتلّة الديمغرافي والجغرافي والقانوني. تَكتَسِب هذه المَسأَلَة أهميّة خاصّة في ظلّ استمرار الاحتلال الحربيّ الإسرائيلي للضفة الغربية منذ عام 1967، وما يرافِق ذلك من توسّع استيطاني متزايِد، الأَمر الّذي يُثير إشكاليّات قانونيّة عميقة تتعلّق بمَدى توافُق هذه السياسات مع قواعد القانون الدولي، ولا سيما قَواعد القانون الدولي الإنساني التي تُنظِّم حالة الاحتلال العسكَري، كَما يَطرَح تساؤُلات جوهريّة حولَ مَدى احترام إسرائيلَ التزاماتِها القانونيّة بوصفها قوّة احتلال وِفقَ قواعِد القانون الدولي.

ظتُشير المعطيات الحديثة إلى أنّ المشروع الاستيطاني أصبح أحد أبرز أولويات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبِلُغة الأرقام، فقد بلغ عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية والقدس الشرقية مع نهاية عام 2024 نحو 737 ألف مستوطن، منهم أكثر من 503 آلاف في الضفة الغربية ونحو 233 ألفًا في القدس الشرقية، موزعين على مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية (Israeli Central Bureau of Statistics [ICBS], 2024؛ Peace Now, 2024).

كما تؤكد التقارير الدولية، بما فيها تقارير الأمم المتحدة، وجود تسارع واضح في وتيرة التوسع الاستيطاني، حيث تم الدفع بعشرات آلاف الوحدات الاستيطانية عبر مراحل التخطيط المختلفة خلال عام 2024، منها 9,884 وحدة في الضفة الغربية إضافة إلى 18,988 وحدة في القدس الشرقية (European Union, 2025؛ UN OCHA, 2024؛ OHCHR, 2026).

وبالتّوازي مع هذا التوسع الاستيطاني، اقتَرَن المَشروع الاستيطاني بتزايُد منهجيّ في اعتداءات المستوطنين، حيث سُجّلَت مئات الاعتداءات سنويًا بحقّ الفلسطينيين، في مؤشّر يعكِس تحوّل الاستيطان من سياسة تدريجيّة إلى ركيزة مركزيّة في الاستراتيجية الإسرائيلية تِجاه الضفة الغربية.

لفَهْم الأَبعاد القانونيّة لهذه السّياسات، لا بُدّ من العَودة إلى الإطار القانوني الدولي الذي ينظّم حالة الاحتلال العسكري.

أولًا: الإطار القانوني الدولي للاحتلال

تَخضَع حالة الاحتلال العسكري في القانون الدولي لمجموعة من القَواعد التي تَهدف إلى حِماية السكّان المدنيين وضَمان الطابع المؤقّت للاحتلال. يَستند هذا الإطار القانوني بشكل أساسي إلى لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقيّة جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حِماية المدنيين وقتَ الحرب.

تنصّ المادة 43 من لوائح لاهاي على أنّ قوّة الاحتلال تلتزم بإدارة الإقليم المحتلّ مع احترام القوانين السّارية فيه ما لَم يكُن ذلك متعذرًا. يَعكِس هذا النصّ مبدأً أساسيًا في القانون الدولي الإنساني، مفاده أن الاحتلال لا يَنقُل السّيادة إلى الدولة المحتلّة، بل يمنحُها سلطة مؤقتة لإدارة الإقليم (Cassese, 2008).

كَما تؤكّد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على حِماية السكّان المدنيّين في الأراضي المحتلّة، وتَفرض قيودًا واضحة على سلطات الاحتلال، بِهَدَف مَنْع تَغيير الطابع القانوني أو الديمغرافي للإقليم المحتلّ.

لا يَقتَصِر تَوصيف الاستيطان على كونِه انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، بل يَرقى أيضًا إلى مستوى جريمة حَرب وفق نِظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إذ تنصّ المادة 8(2)(b)(viii) من نظام روما الأساسي على أنّ نَقل دولة الاحتلال جزءًا مِن سكّانها المدنيّين إلى الأراضي التي تحتلّها يشكّل جَريمة حَرب. ويُعزّز هذا التّوصيف الطّبيعَة الجَسيمة للسّياسات الاستيطانيّة الإسرائيلية في الضفة الغربية باعتبارها انتهاكًا مستمرًا لقواعد القانون الدولي.

ويؤكّد عَدَد من فقهاء القانون الدولي أنّ قَواعد الاحتلال تَهدف إلى الحِفاظ على طّابعه المؤقّت، ومنْع قوّة الاحتلال من إِحداث تغييرات دائِمة في الإقليم المحتلّ (Dinstein, 2009).

ثانيًا: الاستيطان الإسرائيلي في ضَوء القانون الدولي الإنساني

يُعدّ حَظرُ نَقل سكان دولة الاحتلال إلى الأَراضي المحتلّة أَحَد أَكثَر المَسائِل وضوحًا في القانون الدولي الإنساني. فقد نصّت المادة 49 من اتفاقيّة جنيف الرابعة على أنّه:

"لا يَجوز لدولة الاحتلال أن تُرَحّل أو تنقُل جزءًا من سكّانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلّها."

يَهدِف هذا النصّ إلى مَنع قوّة الاحتلال مِن تَغيير بنية الإقليم المحتلّ السكانيّة، بما قَد يؤدّي إلى تَقويض حُقوق السّكان الأَصليّين أَو عرقَلَة إِنهاء الاحتلال في المستقبَل (United Nations, 1949).

وفقًا لذلك، يَرى غالبيّة فقهاء القانون الدولي أنّ إنشاء المستوطَنات الإسرائيلية في الضفة الغربية يُمثّل انتهاكًا مباشرًا لأَحكام اتفاقيّة جنيف الرابعة. ويؤكّد هذا التّفسير أنّ الاستيطان لَيس مجرّد مَسأَلَة سياسيّة، بل يشكل خرقًا لقواعد مُلزِمة آمِرَة في القانون الدولي الإنساني.

ثالثًا: مَوقف الشرعيّة الدولية من الاستيطان

أَكّدت الشرعيّة الدولية مرارًا عدم شرعيّة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلَة. فقد تبنّى مجلس الأمن الدوليّ سلسِلة من القرارات التي تُدين هذه السّياسات.

مِن أَبرز هذه القرارات:

قرار مجلس الأمن رقم 446 لعام 1979 الذي أكّد أنّ المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلّة ليس لها أيّ أَساس قانوني.

قرار مجلس الأمن رقم 465 لعام 1980 الذي دَعا إسرائيل إلى تَفكيك المستوطنات القائمة.

قرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016 الذي أكّد أنّ إنشاء المستوطَنات يشكّل "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي" (United Nations Security Council, 2016).

وقد تناوَلَت محكمة العَدل الدولية مسأَلة الاستيطان بصورة واضحة في رَأيها الاستشاريّ الصادر عام 2004 بشأن الآثار القانونيّة لبِناء الجِدار في الأرض الفلسطينية المحتلّة، حيث أَكّدَت أنّ الأراضي الفلسطينية، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقيّة، تَخضَع لنظام الاحتلال وِفقَ قواعد القانون الدولي الإنساني، وأنّ اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تَنطَبِق عليها بالكامل. وخَلُصَت المحكَمَة إلى أنّ إنشاء المستوطَنات الإسرائيلية في الأَراضي الفلسطينية المحتَلّة يشكّل انتهاكًا للمادة 49 من الاتفاقية، التي تَحظُر على دَولة الاحتلال نَقلَ جُزءٍ من سكّانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلّها، مؤكّدة في الوقت ذاته أنّ هذه السياسات تقوّض حقّ الشعب الفلسطيني في تَقرير المَصير (International Court of Justice, 2004). وقَد أَعادَت المحكَمة تَأكيد هذا المَوقِف بصورة أكثر وضوحًا في رَأيها الاستشاريّ الصادر عام 2024 بشَأن الآثار القانونيّة الناشئة عن السياسات والممارَسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلّة، إذْ اعتَبَرَت أنّ استمرار الاحتلال وما يرتَبِط به من توسّع استيطانيّ يُسهم في إدامَة وَضع غير قانونيّ يَتعارض مع قواعد القانون الدولي، وَدَعت المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بالوَضع الناشئ عن هذه السّياسات وعَدم تقديم أيّ مساعَدة مِن شأنِها الإبقاء على هذا الوَضع غير المَشروع (International Court of Justice, 2024).

يترتّب على تَوصيف محكمة العدل الدوليّة سياساتِ الاستيطان باعتبارِها جزءًا مِن وَضعٍ غَير مشروع التزامٌ قانونيّ على عاتق المجتمع الدوليّ يتمثّل بعَدَم الاعتراف بالوَضع الناشئ عن هذه السّياسات وعَدَم تقديم أيّ مساعدة أو دَعم من شَأنه الإبقاء عليه. يَستَنِد هذا الالتزام إلى القَواعد العامّة في مَسؤولية الدول عن الأَفعال غير المَشروعة دوليًا، التي تَفرِض على الدوَل واجب التّعاون من أجْل إنهاء الانتهاكات الجَسيمة لقواعد القانون الدولي، لا سيّما تلك المرتبطَة بحقّ الشعوب في تَقرير مصيرها.

رابعًا: الاستيطان وإِعادَة تَشكيل الواقِع القانونيّ في الضفة الغربية

لا يَقتَصر تأثير الاستيطان على تَغيير الواقِع الديمغرافي، بل يَمتد إلى إِعادة تَشكيل البنية القانونيّة والإداريّة في الضفة الغربية. فقد شَهِدت السنوات الأخيرة توسيعًا لصلاحيّات المؤسّسات المدنيّة الإسرائيلية في إدارة أجزاء من الضفة الغربية، بما في ذلك نَقْل بَعض الصّلاحيات الإدارية من الإدارة العسكريّة إلى جهات مدنيّة إسرائيلية.

يَرى العَديد مِنَ الباحِثين أنّ هذه السّياسات تَندَرج ضِمن ما يُعرف في الأدبيّات القانونية والسياسية بمَفهوم الضمّ الزّاحف، حيث يتمّ فَرض واقِع قانونيّ جَديد تدريجيًا دون إعلان رسميّ لضمّ الأراضي.

مِن مَنظور القانون الدولي، فإنّ مِثلَ هذه السّياسات تَتَعارَض مَع القاعِدة الأساسيّة التي تَقضي بأنّ الاحتلال وضعٌ مؤقّت لا يَمنَح الدولة المحتلّة أيّ حقّ في السّيادة على الإقليم المحتلّ (Cassese, 2008).

خامسًا: الاستيطان وحُقوق الإنسان

إضافَة إلى مخالَفَته القانونَ الدولي الإنساني، يَرتَبط الاستيطان الإسرائيلي بانتهاكات متعدّدة لحقوق الإنسان. فالتوسّع الاستيطاني يقتَرِن غالبًا بمصادَرَة الأراضي الفلسطينية، وتَقييد حريّة الحركة، وهَدم المنازل، إضافَة إلى القُيود المَفروضة على الوُصول إلى المَوارد الطبيعيّة.

تُؤثّر هذه السّياسات بِشَكلٍ مباشِر في مَجموعة من الحُقوق الأساسيّة التي يَكفَلُها القانون الدوليّ لحقوق الإنسان، من بينها: الحقّ في السكن، والحقّ في العَمل، والحقّ في حريّة التنقّل، إضافة إلى الحقّ في التنمية.

وقد أكّدَت تقارير العديد من المنظمات الدولية أنّ هذه الممارسات تُسهِم في تَقويض الظّروف المَعيشية للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية.

إنّ التحوّل في أَولَويات السياسة الإسرائيلية نَحو تَعميق المَشروع الاستيطاني في الضفة الغربية يشكّل تحديًا جوهريًا لقواعد القانون الدولي التي تُنظّم حالة الاحتلال العسكري. فبالرّغم من وُضوح النصوص القانونية التي تَحظر نَقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، فإنّ التوسّع الاستيطاني يستَمر بوَتيرة مُتَصاعِدة، ما يَطرح تساؤلات حَول فاعليّة النّظام القانوني الدولي في مواجَهَة مِثل هذه الانتهاكات.

في ظلّ غِياب آليات فعّالة للمساءَلة الدوليّة، يَبقى الاستيطان أَحَد أَبرَز التحدّيات التي تُواجِه النظام الدولي المُعاصِر، حيث يقوّض بشَكل متزايِد إمكانيّة تطبيق قَواعد القانون الدولي الإنساني وضَمان حماية حُقوق الشعوب الواقعَة تحت الاحتلال.

كما أنّ استمرار التوسّع الاستيطاني يُقوّض بِصورة متزايِدَة إمكانيّة تَطبيق حلّ الدولتين الذي شكّل الأَساس الذي استَنَدَت إليه معظَم المبادَرات الدوليّة لتسوية الصّراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ما العَمَل في ضَوء القانون الدوليّ؟

كَما أَسلَفنا، يُظهِر الواقع في الضفة الغربيّة أنّ الاستيطان لَم يَعُد مجرّد ممارَسَة متفرّقة، بل أَصبَحَ سياسَة منهجيّة تَسعى إلى إِعادَة تَشكيل واقع الأرض الفلسطينية المحتلة الديمغرافي والقانوني، بما يقوّض القاعدة الأساسيّة في قانون الاحتلال التي تَقضي بأنّ الاحتلال وَضْع مؤقَّت لا يَنقل السّيادة إلى الدولة المحتلّة. في ظلّ هذا التحوّل، لَم تَعُد الإدانة السياسية كافية لمواجهة هذه السّياسات، بل يقتَضي الأَمر تَفعيل الأَدوات القانونيّة التي يوفّرها القانون الدولي.

يَأتي في مُقدّمة هذه الأَدَوات التمسّك بمبدَأ عَدَم الاعتراف بالوَضع غَير المَشروع الناشئ عن الاستيطان وعَدَم تَقديم أيّ دَعم من شَأنِه الإسهام في استمراره، وهو التِزام أكّدَته محكمة العَدل الدولية. كما تَبرُز أهميّة تَعزيز مَسارات المساءَلة الدولية، سواء عَبر المحكَمة الجنائية الدولية أو مِن خِلال آليّات الأُمم المتّحدة لحقوق الإنسان، بالتّوازي مَع تَعزيز تَوثيق الانتهاكات المرتبِطة بالمَشروع الاستيطاني وبِناء ملفّات قانونيّة متكامِلة يُمكن استخدامها في المَسارات القضائيّة والدبلوماسية.

في هذا السّياق، يُصبِح من الضّروري أيضًا تَعزيز الحُضور القانونيّ الفلسطيني في السّاحة الدّولية وتَطوير خطاب قانونيّ قادر على إبراز الطّابع غَير المَشروع للاستيطان باعتباره انتهاكًا لقَواعد آمِرَة في القانون الدوليّ. فالتّحدي الذي يطرَحُه الاستيطان لا يَقتَصر على مستقبَل الأرض الفلسطينيّة فحسب، بل يمتَد إلى مصداقية النّظام القانوني الدولي نفسه، الذي يواجِه اختبارًا حقيقيًا في قُدرته على حِماية مبدَأ عَدَم جَواز الاستيلاء على الأراضي بالقوّة وضَمان حقّ الشعوب في تَقرير مصيرها.


المراجع:

Cassese, A. (2008). International criminal law (2nd ed.). Oxford University Press.

Dinstein, Y. (2009). The international law of belligerent occupation. Cambridge University Press.

International Court of Justice. (2004). Legal consequences of the construction of a wall in the Occupied Palestinian Territory. The Hague.

International Court of Justice. (2024). Legal consequences arising from the policies and practices of Israel in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem. The Hague.

United Nations. (1949). Geneva Convention relative to the protection of civilian persons in time of war.

United Nations Security Council. (2016). Resolution 2334 on Israeli settlements in the occupied Palestinian territory.

د. بدر زماعرة

أستاذ القانون العام المساعد في جامعات الأقصى والعربية الأمريكية وجامعة غزة، فلسطين.

رأيك يهمنا