التَّحَيُّز الخَوارِزمي: عَلَم فِلِسطين لا يُرَفرِف عَلى منصّات "ميتا"!

مقدّمة
لَم يَعُد التمييز ضدّ المُحتوى الفلسطيني أو الدّاعم لفلسطين على منصّات التواصل الاجتماعي مَوضع نِقاش، بل بات حَقيقة موثّقة عبر سنوات من البَحث والرّصد. فقد كَشَفت تقارير ودراسات متعدّدة، من بينها ما أَنتَجَه مركز حملة، عَن أنماط ممنهَجَة من التّقييد والرقابة تستهدف هذا المُحتوى.
يَعود ذلك إلى جُملة من العوامل المتداخِلة، في مقدّمتها قُدرة سلطات الاحتلال على التّأثير في سياسات المنصّات، إلى جانب تحيّزات بنيويّة في معايير المجتمع التي تَعتَمِد بشَكل كبير على التّصنيفات القانونيّة الأمريكيّة لمَفهوم "الإرهاب". كما تَلعب أَنظمة الذكاء الاصطناعي والنّماذج اللغوية دورًا محوريًا في تكريس هذا التحيّز، مِن خلال آليات تصنيف وإدارةِ مُحتوى غير محايِدة، فضلًا عن تأثير البيئة السياسية والقانونية التي تَعمل ضمنها هذه الشركات، ووُجود دوائر نُفوذ داعِمة لإسرائيل داخِلها.
تُشير بيانات مركز حملة إلى تَوثيق أكثر من 4666 حالةَ حَذف وتَقييد مُحتوى لحسابات فلسطينية أو داعمة لفلسطين منذ بداية عام 2021 وحتى منتصف شهر آذار 2026. في سِياقٍ متّصل، أَظهر تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تراجُع التّفاعل مع الصفحات الإخبارية الفلسطينية على منصّة فيسبوك بنسبة 77% منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، مُقابل ارتفاع بنسبة 37% في التّفاعل مع المُحتوى الإسرائيلي. كما كشَفَت تسريبات عن تشديد منصّات مثل إنستغرام سياساتها تجاه المُحتوى الفلسطيني، خاصة في ما يتعلّق بإدارة التّعليقات. وبالتوازي، أفاد موقع (Drop Site News) بإزالة نحو 90 ألف مُحتوى من منصّات شركة ميتا بطلبٍ مباشِر من حكومة الاحتلال منذ الفَترة ذاتها، مع استجابَة سريعة لم تَتَجاوز 30 ثانية للطّلب الواحد، رغم أنّ جزءًا كبيرًا من هذا المُحتوى نُشر مِن خارج فلسطين. وتُشير هذه المُعطيات إلى إزالة ما يقارب 38.8 مليون مُحتوى حَول فلسطين خلال تلك الفترة.
حَذف عَلَم فلسطين: "ميتا" نموذجًا
تَنطلق هذه المادّة لتحليل بُعدٍ أقلّ تناولًا في هذا السياق، يتمثّل في تَقييد وحذْف مُحتوى بسبب نَشر عَلم فلسطين. وتُظهر البيانات التي جَمَعها مركز حملة أنّ هذا النّمط من الحَذف، رغم استعادَة بعض المُحتوى لاحقًا، يعكس خللًا أعمَق في البُنية الخوارزمية لمنصّات التواصل الاجتماعي، ويَكشف عن تحيّزات مضمَّنة في آليات إدارة المُحتوى تَستهدف الرموز البصرية المرتبِطة بالهوية الفلسطينية.
وتزداد خطورة هذا المؤشّر بالنظر إلى أنّ عَلم فلسطين بحدّ ذاته لا يَندرج ضمن المُحتوى المَحظور وفق سياسات هذه المنصّات، ما يَعني أنّ إزالته لا تَستند إلى أساس معياريّ واضح، بل ترتبط بآليات تصنيف منحازة بنيويًا.
وثّقت العديد من الحالات التي حَذفت فيها منصّات شركة ميتا مُحتوىً يتضمّن عَلم فلسطين، رغم خلوّه من أيّ مخالفة صريحة لسياسات الشركة، ودون تقديم مبرّرات واضحة، بما يُشير إلى تحيّز في آليات إنفاذ سياسات إدارة المُحتوى تجاه الرّموز والرواية الفلسطينية. ففي شهر تمّوز الماضي، تعرّضَت صفحة بلدية البيرة لتقييد بَعد نَشر صورة تُظهر علم فلسطين وقبّة الصخرة، حيث أَزالت المنصّة المنشور بالكامل بدعوى مخالفته معاييرَ المجتمع، دون تحديد السياسَة المنتهَكَة. وبصورة مشابهة، أزالَت منصّة فيسبوك مُحتوى مطابقًا من الصفحة الرسمية لبلدية رام الله، مع الإشارة إلى مخالفته سياسةَ "المنظّمات والأفراد الخَطرون"، ما أدّى إلى فَرض قيود على الصفحة.
لم تقتَصِر هذه الإجراءات على الصفحات الرسمية، إذ شمِلت حسابات شخصية؛ حيث تمّ تعليق حساب ناشطة على إنستغرام لمجرّد تغيير صورة ملفّها الشخصيّ إلى عَلم فلسطين، كما قيّدت المنصّة حسابًا آخر بسبب تضمين العَلم في الملفّ التعريفي. في سياقٍ متّصل، أقرّت شركة ميتا بوجود "خطأ تقني" أدّى إلى ترجمة عبارة "فلسطيني الحمد لله" مرفقة بإيموجي علم فلسطين إلى "فلسطيني إرهابي"، وهو ما يعكس خللًا خطيرًا في أنظمة المعالَجة اللغوية. وتأتي هذه الحالات ضمن نمَط أوسع من الشكاوى التي تلقّاها مركز حملة، تُشير إلى تقييد الوصول (Shadow banning) وتَقليل الانتشار بشكل متكرّر عند نشر مُحتوى مرتبِط بفلسطين، بما في ذلك نَشر العَلم.
وفي ما يأتي عَرض للحالات المذكورة التي وثّقها مرصد انتهاكات الحقوق الرقميّة "حُر":
![]() | ![]() |
|---|
الشكل 1: صفحة بلدية البيرة على منصّة فيسبوك.
![]() | ![]() |
|---|
الشكل 2: صفحة بلدية رام الله على منصّة فيسبوك.
![]() |
|---|
الشكل 3: تعليق حساب ناشطة على منصّة إنستغرام بسبب استخدام الصورة أعلاه كصورة بروفايل.
![]() |
|---|
الشكل 4: تقييد حساب شخصي على منصّة إنستغرام بسبب إضافة علم فلسطين في ملفّ التعريف الخاص بالحساب.
![]() | ![]() |
|---|
الشكل 5: ترجمة مصطلح "فلسطيني الحمد لله" بجانب إيموجي عَلم فلسطين إلى "فلسطيني إرهابي" كما يظهر التوثيق.
في جَميع هذه الحالات، وبعد متابَعة مركز حملة، أعادَت الشركة المُحتوى المَحذوف وادّعت أنّ الحذف نجم عن "خطأ". يؤكّد ذلك أنّ نَشر عَلم فلسطين لا ينتهك أيًّا من السياسات المعلَنة لشركة ميتا، لكن تحيّز أنظمة الإشراف على المُحتوى يؤدّي إلى تفسير عَلم فلسطين على أنّه رمزٌ لأفراد خطيرين ومنظَّمات "خطيرة" - تصنيف غالبًا ما يُلصق بالرّموز والأحزاب الفلسطينية المدرجَة على لوائح "الإرهاب" الأمريكية - ما يبرّر، من مَنظور المنصّة الآلي، إزالة هذه المحتوَيات بشكلٍ تلقائي.
خاتمة
تُظهر الحالات المَعروضة، الممتدّة على مدار سنوات، أنّ حذف مُحتوى يتضمّن عَلم فلسطين أو تقييد الحسابات بسببه ليس سلوكًا عابرًا أو نتيجة أخطاء فَرديّة، بل نمطًا ممنهجًا يعكس تحيّزًا بنيويًا في آليات إنفاذ السياسات والمصنّفات اللغوية ذات العلاقة، ولا سيّما لدى شركة ميتا.
يكَشف هذا النّمط عن خلَل عمَيق في آليات الإنفاذ وأنظمة إدارة المُحتوى، حيث تُستهدف رموز فلسطينية مَشروعة ضمن ممارسات تصنيف وتقييد غير متّسقة مع المعايير المعلَنة، والتي يَظهر أنّها بقيت فتراتٍ طويلة ولم تتم معالجتها حتّى الآن على الرّغم من عِلم الشركة بذلك.
شَمِلت الحالات، كما تبيّن أعلاه، صفحات مجالس محلّية خدماتيّة لا تَخوض في القضايا السياسية بشكلٍ مباشر، وحسابات نشطاء/ات لم يخالفوا مَعايير المجتمع، وحسابات مستخدمين عادييّن نشَروا عَلم فلسطين دون أيّ انتهاك أو لغة عنيفة أو إشارة لمنظَّمات وأفراد "خَطرِين" حسب تصنيف الشركة. رغم ذلك، أُزيلَت صور عَلم فلسطين تحت ذريعة سياسة "المنظَّمات والأفراد الخَطرون"، فيما يَعني أنّ النماذج اللغوية الخاصة بالإشراف على المُحتوى تفسّر عَلم فلسطين على أنّه رمز مَحظور على الرغم من أنّه ليس كذلك، في انحياز واضح.












