حينَ تَتَحَوّل الحَرب إلى نَبوءَة: مَن يُعيد تَشكيل الوَعي - السَّردِيّةُ أَم القُوَّة؟

منذ اندلاع الحرب، نُتابع حياتَنا بين صفّارات الإنذار واهتزازات الجُدران، بين دويّ انفجار ومنصّات إطلاق الصواريخ. يبدو حالُنا كأنّنا نعيش في هامِش الحدَث، لا في قلْبه. وكأنّنا دَخَلنا مرحلة لم يَعد بالإمكان تحليلها أو استيعابَها بالمعنى المُعتاد، بقدر ما صار مطلوبًا منّا أن نتكيّف معها ونواصل العيش داخِلها. نَترك أنفسنا للتكهّنات، للتمنيّات، للتضرّع، لِما تُمليه قلوب مشتَّتَة بين ابتغاء أَمنٍ أو تمنّي عزة، في وقت لم تنتهِ فيه غزّات غزة، ولا وَخَزاتُها التي لا تتوقّف.
كأنّ ما يَجري في داخلنا من عجزٍ وقلّة حيلة يتوازى مع ما يَجري في الخارج من كلّ اتجاه. يمرّ بنا خارقًا، كالصواريخ التي نَشعر بها قَبل أن نَراها، فننكمشُ بين خُنوعٍ وخُضوع، بين خوفٍ لا نملِك له تفسيرًا كاملًا، واستسلامٍ لا نًريد الاعتراف به. ومع الوقت، لا نصير أَسرى أمرٍ واقعٍ لا حَول لنا فيه ولا قوّة فحسب، بل أسرى الروايات التي تُقال عنه؛ رواياتٌ تتكاثَر كلّما ازدادَ العجز.
نُترك لتوقّعات عرّافي نظريّات آخر الزمان ومَعاتيهِها، بين منتظرٍ لمهديٍّ، أو مترقّبٍ لمسيح، أو خائفٍ من دجّال. كأنّنا نعيش فصلًا من أساطيرَ ظنناها بعيدة، فإذا بها تُستدعى لتَفسير حاضِرنا. لكنّ السؤال لم يَعد عن صحّتها، بل عمّا تَفعله بنا ونحن نعيش داخلها.
حين يُقدَّم ما يَحدث بوصفه تحقيقًا لنبوءة، لا يُطلب منّا أن نَفهمه، بل أن نسلّم به. لا نَعود أَمام حَرب قابِلة للتحليل، بل أَمام قَدَرٍ يتحقّق. وهنا يُسلب منّا ما هو أعمَق من الأمان: القُدرة على التفكير. لأنّ التفكير يفترض إمكان المساءَلة، بينما الحتميّة لا تَترك إلّا الامتثال أو الخَوف.
في بداية حرب الإبادة على غزة، لم يَكن استحضار «العماليق» عابرًا، ولا الإشارة إلى حروب يشوع بن نون مجرّد استعارة بلاغية. كان هناك استدعاء واعٍ لنصّ ديني يُحمِّل الحاضرَ ذاكرةَ إبادةٍ قديمة، ويَمنح العنف شرعيّة تتجاوز السياسة والتاريخ معًا. كأنّ الحرب لم تَعد قرارًا بشريًا يُمكن محاسبته، بل امتدادًا لسرديّة سابِقة عليه، ومتعاليةٍ على أيّ اعتراضٍ أخلاقيّ أو سياسيّ.
لكنْ معَ اتّساع رقعة الصّراع، لم يتوقّف الخِطاب عندَ هذا الحدّ. بَدَأت تتكرّر إشارات إلى «المَلَكوت»، و«عَودة المَسيح»، ومعركةٍ كبرى يُعاد عَبرها تَشكيل العالَم. لم يَعُد الحديث عن أمنٍ أو حدود، بل عن إِعادة تَشكيل المنطقة، بل العالَم نفسه. وهُنا، لا تَعود اللغة وصفًا، بل محاولة لإعادة صياغَته وفق سرديّة كونية مغلَقة؛ سرديّة لا تكتفي بتفسير ما يَجري، بل تَسعى إلى إسباغ المعنى عليه مسبقًا، بحيث يغدو أيّ اعتراض عليها اعتراضًا على «المَسار» ذاته.
في هذا الانتقال، يحدُث شيء أكثر خطورة:
لم يَعد العُنف بحاجَة إلى نصّ يبرره، بل أصبح هو النصّ.
لم يَعد مطلوبًا إقناع العالَم بعدالة ما يَحدث، بل فرضَه كحقيقة. وكأنّ الخطاب انتقل من تبرير القّوة إلى الاحتفاء بها، من وعدٍ إلهي إلى يقينٍ بالقوّة العارية، حيث لا مكان للأخلاق أَمام «الانتصار الكاسح». بهذا المعنى، لا يصبح القتل مجرّد أداة، بل رسالة؛ ولا يصبح الدمار أثرًا جانبيًا، بل صياغةً جديدة للواقع يُراد للجميع أن يقرأها كما هي.
تتداخَل الروايات، حتى يتلاشى الحدّ الفاصل بين الإيمان وتوظيفه، بين الدين والسياسة، بين الغيب والقرار العسكري. نُدفع إلى رؤية ما يَحدث كأنّه مكتوب لا مَصنوع، كأنّ العالم لا يُدار بل يُنفّذ، لا بوصفه حصيلة خيارات بشرية، بل برنامجًا سَبَق تقريرُه.
في هذا التّنفيذ، يُعاد تَشكيل الإنسان نفسُه: إنسان يَعيش بين صَفارة إِنذار وتَفسير غيبي، بين خوفٍ مَلموس وحتميّة مَفروضة. لا هو قادِر على الفِعل، لأنّه يَشعر أنّ كلّ شيء قد قُرر، ولا على التّسليم، لأنّ تجربته اليومية تُناقض ذلك. فيبقى معلقًا بين الاثنين، مستنزفًا فيهما.
لكنّ الواقع، رغم كلّ شيء، لا يَخضع بالكامل لهذه السرديّات.
تُذكّرنا ردود الفعل التي خَرجت عن كلّ التوقّعات المَرسومة، والتّطورات التي لم تَجرِ وفق السيناريوهات المتخيَّلة، بأن ما يحدث ليس نصًا مغلقًا. كما تَكشف أنّ الجبروت المطلق يُفقد أصحابه القدرة على الرؤية؛ لا يرون إلا انعكاس قوّتهم، فيظنون أنّ العالم يسير كما يريدون.
وهنا، تَفرض المفارَقَة نفسها.
في قصّة أستير التوراتية، كان هامان يظنّ أنّه يُمسك بخيوط المَصير، وأنّ ما يَرسمه سيتحقّق كما أَراد. لكنّه انتهى إلى السقوط في الفخّ الذي نَصَبَه لِغَيره. تَكمن أهميّة هذه القصّة في مَنطِقِها: مَن يتوهّم السيطرة المُطلقة يَفشل غالبًا في رؤية حدود قُدرته، ومَن يكتب النهاية سلفًا قد يجِد نفسه محاصرًا داخلها. واليوم، يَبدو أنّ من أَراد إعادَة كتابة المشهد وفق نبوءاته، وَجد نفسه داخل مَشهد لا يَنصاع لما كَتب.
ربما ليس صُدفة أن يُستدعى هذا الكمّ من الرّموز، ولا أن يُخلط هذا القَدر من السرديّات. لكن الأخطر أن يُطلب منّا أن نصدّقها ونَعيش داخلها، وأن نَرى أنفسنا مجرّد شُهود على تحقّقها. فحين يُختزل الإنسان إلى شاهدٍ خائف على نصّ لا يَملكُه، يَفقِد مَوقعه كفاعل أخلاقي وسياسي.
ليس مناسبًا لكلّ قوة أن تَستدعي كلّ التاريخ. لذلك، لا يَبقى أَمام من يَسعى إلى القوة المطلَقة إلّا أن يستدعي ما يُشبهه: عنفًا بلا أخلاق ولا حاجة إلى تبرير. وحين تصِل القوة إلى هذه الدّرجة، لا تَعود تَسعى إلى إقناع أَحَد، لأنّها تتصرّف كما لو أنّ الفعلَ نفسه يُغني عن كلّ خِطاب.
وَسَط كلّ هذا، يَبدو أنّ السّؤال لَم يَعُد فقط عمّا سيَحدث، بل عمّا يَحدث لنا ونحن ننتظر ما سيَحدث. ماذا يَفعل بنا هذا التّعليق بين الخطَر والتّأويل؟ ماذا يحدث للإنسان حين يَعيش زمنه بوصفه مقدمةً لنهاية كبرى، لا واقعًا مفتوحًا على احتمالات متعدّدة؟ وهل نحن أَمام مشهد أبوكاليبتي حقيقي، أَم أَمام مَشهد تم إعدادُه لنا بعناية، حتى يبدو حتميًا إلى درجة نَستسلم له؟ هل نعيش الحدَث، أَم نعيش الرواية التي تُفرض علينا لقراءَته؟
ربّما لا نملك إجابات نهائية. لكن ما يُمكن قوله إنّ الاستسلام للنبوءَة ليس إيمانًا، بل تخلٍّ عن القدرة على الفَهم. وإنّ ما يَحدث، مَهما بدا أكبر منّا، لا يزال نتاج قرارات بشرية يُمكن مساءَلتها. في زمنٍ يُطلب منّا فيه أن نصدّق كلّ شيء، ربما يكون الشكّ والتّفكير هو الفِعل الوحيد الصّادق.
ليس لأنّنا نملك الحَقيقة،
بل لأنّنا نرفض أن نُختزل إلى مجرّد شهود
على نصٍّ كُتب... ليُفكّر بدلًا عنا.

نادية حرحش
باحثة وكاتبة في الفلسفة السياسية، حاصلة على دكتوراه في الفلسفة ودراسات النوع الاجتماعي والثقافة. تشتغل على تقاطعات الفلسفة والسياسة، وتهتم بقراءة العلاقة بين الخطاب والسلطة، وكيف تُعاد صياغة الوعي في سياقات الصراع والاستعمار، إلى جانب انشغالها بالمسائل الاجتماعية وتحوّلاتها في المنطقة.



