نِساءُ فِلِسْطين والخَيَال المُقاوِم في زَمَن الإِبادَة

يُعدّ الخيال السياسيّ (political imagination) من أشدّ الساحات المتنازَع عليها في النضال الفلسطيني. فبينما يُسوِّق الوسطاء الدوليون الأُطر الاستعمارية على أنها "حلول واقعية"، تمارِس النساء الفلسطينيات ما هو أشدّ تهديدًا: تخيُّل مستقبل يَرفض الإبادة الجماعية والاحتلال والعنف الأبوي كنقطة انطلاق للمفاوَضات. إنهنّ لا يتساءَلن عمّا إذا كان التحرر قابلاً للتخيّل، بل هنّ يبنينه الآن. والسؤال المطروح هو: هل سيتوقّف الفاعلون العالميّون عن عرقلة المستقبَل الذي تصنعُه النساء الفلسطينيات؟

ما تكشَّف لي من خلال أكثر من 2000 شهادة جمعتُها لنساء فلسطينيات على مَدى السنوات الثلاث الماضية، لم يكن التماسًا للاندماج في أُطُرٍ فاشلة، بل بلورة لإمكانيات مختلفة جذريًا، نابعة من العمل اليومي من أجل البقاء في ظلِّ أنظمة مُصمَّمة للقضاء على هذا البَقاء ذاته.

ما يُقدَّم على أنّه 'واقعية' في مفاوضات السَّلام هو ليس في الحقيقة سوى تَطبيع ناجح للمَنطق الاستعماري بوصفه الإطار الوحيد الممكن. عندما تخيَّل مهندسو أوسلو 'حكماً ذاتياً' فلسطينياً دون سيادة، وعندما يرسم محلّلو اليوم 'حُلولاً' لما بعد الإبادة الجَماعيّة تُحافظ على الهيمنة العسكرية الإسرائيلية، فهذه ليست إخفاقات في التخيُّل. بل هي ممارسات مقصودة للتحكّم فيمن يُسمَح له بالتخيُّل، وبالتالي مَن يُسمح له بالعيش. هذا ما أسمّيه الواقعيّة كإقصاء.

كلُّ حلٍّ سياسي يَبدأ بسؤال 'ما الذي ستقبَلُه القوى القائمة؟' بدلاً مِن 'ما الذي تتطلّبه العدالة؟'، يُعيد إنتاج العُنف الذي يزعُم حلّه. عندما يُستبعَد الناجون من الإبادة من مناقشَة مستقبلهم، كما حدَث مع النساء الفلسطينيات في محادثات وقف إطلاق النار الأخيرة، فهذا ليس إغفالًا. إنها إدارة متعمَّدة للخيال لضمان بقاء مستقبَلات معينة فقط مُمكنِة.

تكشف هذه الشهادات عن سيناريوهات مترابِطة تتحدّى بشكل جذري عملية صنع السلام التقليدية، وعن مستقبَلات بديلة يَجري بناؤها بالفعل.

النساء اللواتي نظّمن حماية الأحياء أَثناء انهيار البنية التحتية يتصوّرن الأمن كضمان للماء، والرعاية الصحية، والتعليم، والغذاء. أولئك اللواتي أنشَأن دعماً نفسياً للأطفال المحاصرين يَعرِفن أنّ القصف لا يُنتج أمانًا. رؤيتهنّ: ماذا لو كان الأَمن يَعني المساءَلة المجتمعيّة لا السيطرة المسلّحة، والسّلامة لا الهيمنة؟

تتخيّل النساء اللواتي وثّقن جرائم الحرب تحت القصف مبادراتٍ وعمليات يقودها الناجون. يتخيّلن تعويضات يصمّمها مَن خسِروا كلّ شيء، ومساءلةً ترفُض المساومة مع الجُناة، وكَشف الحقيقة دون مواربة وتَسمية الإبادة دون تلطيف. يتصوّرن عدالة يقودها الناجون.

النساء اللواتي أَبقينّ على أُسَرهنّ بالرغم من انعدام كلّ شيء، يتخيّلن إنتاجاً تعاونياً، توزيعاً مجتمعياً، وأنظمة اقتصادية لا يمكِن تجويعها عبر الحصار. يتخيّلن الوفرة دون إذن الاحتلال، وحياة اقتصادية تتجاوز التّسليح.

تتخيّل المعلمات اللواتي دَرَّسن في الركام مدارسَ يتعلّم فيها الأطفال التخيُّل فيما وراء الاحتلال، حيث تنبثِق المناهج التعليمية من المعرفة المجتمعيّة، ويكون التعليم ممارسة تحرُّرية لا تدريبًا لاقتصاد محتلّ.

تتخيّل النساء الفلسطينيات حُكماً يتجاوَز الأُطر القومية ونماذج بناء السلام الليبرالية. صُنع قرار خاضع للمساءَلة أمام أولئك الأكثر تضرّراً. قيادة تُركِّز على البقاء والرعاية. تنظيمًا لا يُعيد إنتاج الهيمنة الأبوية. يتخيّلن حُكمًا يتمحوَر حول الرعاية.

هذه ليسَت مقترحات منفصلَة، بل هي رؤى متشابِكة لما سيصبح ممكناً إذا ما وضَعَنا في المركز مَن صمدنّ في وجه الموت الممنهج واعترفنا بهنّ كخبيرات صاحبات معرفة، لا كضحايا ينتظِرن الإنقاذ. 

تُهدّد هذه السيناريوهات السُلطة لأنّها تَرفض قواعد اللعبة. تتخيّل فيما وراء الاحتلال برمّته. تَبني طاولات صنع قرار جديدة بدلاً من التوسّل للحصول على مقاعد على طاولات فاشلة. لا تنتظر إذناً من المستثمرين في إقصائها. لذا، فإن أَخْذ رؤى النساء الفلسطينيات على محمَل الجدّ يعني التخلّي عن الأطر التي تتعامَل مع التحرير كحلّ تقني للمشاكل بدلًا من مواجهَة هياكل الهيمنة. التّضامن الحقيقي يعني دعم البدائل التي تُبنى ماديًا، لا الدعوة إلى الإدماج في أنظمة تُنتج الإبادة الجماعية.

تَكشِف هذه الرؤى أيضًا حدود النسويّة التي تنتقد التمييز الجنسي دون الإمبريالية، والتي تُسمي كراهية النساء دون الإبادة الجماعية. تُظهر النساء الفلسطينيات أن الاحتلال والعسكرة والعُنف الجندريّ يتشاركون المنطق الأساسي ذاته: السيطرة العنيفة على الأجساد والأرض.

الخيال السياسي ليس تكهّناً بمستقبَلات محتملة؛ إنه ممارسة فعلية تَحدث الآن. كلّ مدرسة غير رسمية في غزة تُجسّد تعليماً مختلفاً. كلّ شهادة ناجية تطالِب بعدالة مختلفة. كلّ شبكة بقاء تُظهر أمناً مختلفًا. النّساء الفلسطينيات لا ينتظِرن الإِذن، بل يَبنين التحرّر في الزمن الحاضر.

السّؤال لمن يدّعون التضامن صارخ: هل ستعترفون بهذه السيناريوهات، لا الأُطر الرسمية، كمستقبَلات قابِلة للحياة؟ هل ستدعمون ماديًا البدائل التي يَجري بناؤها بدلاً من المناصرة للاندماج في أنظمة تُنتج الإقصاء؟ هل ستعترفون بأنّ النساء الفلسطينيات يُطالبنكم بالتوقّف عن إعاقة المستقبَلات التي يَخلِقنها؟

الخَيال السياسي هو قوة، القوة لتحديد ما يُصبح قابلاً للتفكير، ممكنًا، وحتميًا. النساء الفلسطينيات يمارِسن تلك القوّة يوميًا. على مَن يدّعون التضامن أن يقرّروا ما إذا كانوا سيوسّعون خيالاتهم الفقيرة أم سيستمرّون في إدارَة رُؤى النساء الفلسطينيات. على أيّ حال، المستقبَلات التي يبنينها ستمضي قُدماً. 


الصورة: للصحفي - المصوّر معتز عزايزة.

د. نداء شغري

محلّلة سياسيّة وباحثة أكاديمية في السياسَة الدوليّة، باحثة-ناشطة متعدّدة اللغات متخصصة في المقاربات النسويّة للسلام والنزاع والتعبئة السياسيّة. تحمل درجة الدكتوراه في السياسة الدولية وماجستير في الصحافة والإعلام.

هديل رزق قزاز
شكرا د نداء مقال مهم ورأي اكثر أهمية يجب ان يوجّه الحراكات النسوية الفلسطينية والعربية والدولية
الخميس 1 كانون الثاني 2026
أسامة شحاته
ما رأيته هو تبصر في ما وراء الصورة والمشهد العام وقرائة لما بين الأحداث وما خلفها ، تبيان وكشف لمشاهد لا ترى إلا بعين تبصر بنور الحق لا بعدسة العين المجردة .... توثيق لواقع لا يراه إلا من عاش نسج خيوط ذلك الواقع . بارك الله في بصرك الثاقب وتعمق في تبيان وايضاح واقع معاناة يبني الأمل والمستقبل لأجيال قادمة نرى فيها بصيص أمل كاد يختفي في ظلام الظلم . أشد على يديك وأسأله تعالى أن يمدك بمدادٍ منه ونصر .
الخميس 1 كانون الثاني 2026
نجاة
مقال رائع فعلا ماتقوم به المرا ة الفلسطينيه برغم الاباده دليل واضح على ان الحريه هي في البقاء رغم ارادة الفناء هي التجذر في الأرض رغم كل فرض التهجير
الجمعة 2 كانون الثاني 2026
انابيل
مقال مثير جدا ويتيح فسحه وحيز تفكير مختلف وخلاق
الجمعة 2 كانون الثاني 2026
رأيك يهمنا