القَضيّة الفِلسطينيّة وَحُدودُ النّظام الإِقليميّ الجَديد

تَبدو الحَرب الجارية في الشرق الأوسط في ظاهرها صراعًا إقليميًا واسعًا بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران مِن جهة أخرى. يهيمِن هذا التصوّر على الخطاب السياسي والعسكري والإعلامي في المنطقة، كما يَظهر في متابعَة التحرّكات العسكرية وانتشار منظومات الدفاع الجويّ وإعادَة توزيع القوات الأميركية في الشرق الأوسط، إضافة إلى النقاشات المتزايِدة حَول أمن الممرّات البحريّة في البحر الأحمر والخليج. في هذا الإطار، تبدو المواجَهة وكأنّها تَدور حول ميزان القوة بين هذين المحورَين، بينما تتراجَع القضية الفلسطينية إلى مَوقِع ثانويّ في تَفسير ما يَجري.
غَير أنّ هذا التّفسير يظلّ قاصرًا عن فهْم مَسار الأحداث الكامل. فالتّصعيد الإقليمي خلال العامين الأخيرين يرتَبِط بصورة مباشرة بالهجوم الذي وقَع في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 والحرب التي أعقَبَته في قطاع غزة. مُنذ تلك اللحظة تحوّلَت غزة إلى بؤرة صراع تتجاوَز حدودَها الجغرافية، إذ لَم تبقَ الحرب داخل الإطار الفلسطيني - الإسرائيلي بل أَخَذَت تتفاعل تدريجيًا في الشرق الأوسط. بهذا المَعنى لَم تكن غزة مجرّد ساحة مواجَهة محدودَة المَكان والأَطراف.
حاوَلَت إسرائيل خِلال العَقد الأخير إعادَة صِياغة البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط "الشرق الأوسط الجديد" عَبر نقْل مركز التّهديد في المنطقة مِن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى التهديد الإيراني. ارتبط هذا التحوّل بمحاولات إيران توسيع نفوذها الإقليمي، إضافة إلى التقدُّم المستَمِر في برنامَجِها النَووي وتَطوّر قُدُراتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة. في ضوء ذلك قدّمت إسرائيل نفسها بوصفها شريكًا أمنيًا محتملاً لعدد من الدول العربية التي باتَت تَرى في إيران تحديًا مباشرًا لها.
ظَهَر هذا التوجّه بوضوح في اتفاقيات أبراهام التي وُقِّعَت عام 2020 بين إسرائيل والإمارات والبحرين ثمّ المغرب والسودان برعاية الولايات المتحدة. رأَت إسرائيل في هذه الاتفاقيات فرصةً للتّعاون السياسي والأمني والاقتصادي بينها وبين بعض الدول العربية، الذي مِن الممكن أن يتطوّر بمعزِل عن حلّ القضية الفلسطينية. ركّزَت هذه المقارَبة على ملفّات أخرى، مِثل البرنامج النووي الإيراني وأَمن الطاقة والتّعاون في التكنولوجيا المتقدِّمة وتَطوير شبكات النقل والتجارة في المنطقة. في هذا السّياق جَرى التّعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضيّة قابلة للتّأجيل بينما تتقدّم أولويّات استراتيجية أخرى.
خِلال السنوات التي سَبَقت حرب غزة عام 2023 بدا أنّ هذه المقارَبة تحقّق قدرًا من النجاح: توسَّعت العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وعَدد من الدول العربية، وتَزايد حجم التّبادل التجاريّ والاستثمارات المشترَكة، وظَهَرت مبادَرات في مجالات شتى.
غَيرَ أنّ الحرب التي اندلَعت في غزة بَعدَ هجوم 7 تشرين الأول كَشَفَت حدود هذا التصوّر. فقَد اندلعت حرب غير مسبوقَة تجاوَزَت في حجمها وطبيعتها جولات التّصعيد التي شهدها القطاع منذ عام 2008. عَمِلت إسرائيل خلال هذه الحرب على تَدمير واسِع للبنية العمرانيّة في القطاع وفَرض واقعٍ ميدانيّ جديد. غير أنّ تداعِيات الحرب لَم تبقَ محصورةً داخل الساحة الفلسطينية، بل سرعان ما امتدّت آثارها إلى الإقليم.
مَع استمرار الحرب في غزة اتّسعَت ساحات القتال في المنطقة، إذ اندلَعَت حَرب على الجبهة اللبنانية بين إسرائيل و"حزب الله"، وكذلك جبهة مع "أنصار الله" في اليمن، كَما شَهِدت الساحتان العراقية والسورية عمليات مَحدودة جدًا ضدّ إسرائيل. وفي هذا السّياق، جاءَت الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أُخرى لتكشِف بصورة أوضَح اتّساع نطاق الحرب التي اشتعَلت شراراتها من غزة.
تَعكِس هذه التطوّرات نقاشًا متزايدًا داخل الأوساط الفكريّة الإسرائيلية حول مستقبَل النّظام الإقليمي، حيث يَرى عاموس يدلين - الرئيس السّابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة الإسرائيلية - أنّ المواجَهَة مع إيران قد تَفتَح المَجال أَمامَ بناء منظومة تعاون إقليميّ تشمل الدّفاع الجوي والتنسيق الاقتصادي والتكنولوجي بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة. تقوم هذه الرؤية على فكرة أنّ المصالح المشترَكة في مواجَهة إيران يُمكن أن تشكّل أساسًا لبنية أمنيّة إقليمية جديدة.
غَير أنّ هذا المَسار يواجِه مُعضلة أساسيّة تتعلّق بالقضية الفلسطينية، فحتى في النّقاشات الإسرائيلية نفسها يَظهر إدراك متزايِد بأنّ غياب حلّ لهذا الصراع يظل عاملًا يحدّ من قُدرة إسرائيل على بناء تحالفات إقليمية مستقرة. فالتّقارب الأمني مع بعض الدول العربية قد يتقدّم في مجالات محدّدة، لكنّه يَبقى عُرضَة للاهتزاز في كلّ مرة يتصاعد فيها الصراع في الأراضي الفلسطينية.
لا بدّ من التّنويه، إلى أنّ هذا لا يَعني أنّ القضية الفلسطينية هي العامل الوَحيد الذي يحدّد سياسات الشرق الأوسط. فالمشهد الإقليمي أصبح أكثر تعقيدًا في ظلّ التنافس بين القوى الدولية وتَداخل المصالح الاقتصادية والأمنيّة وتطوّر التهديدات العسكرية. غير أنّ ما تكشفُه الحرب الجارية هو أنّ أيّ محاوَلة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي من دون معالَجَة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ستظلّ محاولة محدودة وقابلة للاهتزاز.
بهذا المَعنى تَبرز حُدود المقارَبَة التي حاوَلَت خلال العقد الأخير فَصل القضية الفلسطينية عن تَحالفات واتفاقيات وتطبيع مع إسرائيل. فقد أظهَرَت المواجَهَة الممتدّة على أَكثَر من ساحة في المنطقة أنّ هذه القضية لا تزال عنصرًا مؤثرًا في بنية الاستقرار الإقليمي وفي حدود التّحالفات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، لذلك فإنّ أيّ تصوّر لنظام إقليمي جديد سيظلّ ناقصًا ما لَم يأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار.

ياسر منّاع
باحث متخصص في الشأن الإسرائيلي، ومرشح لنيل درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية من جامعة بيرزيت.



