لُبنان.. بَينَ الدّاخِل المُثقَل والخارِج المُتَفَجِّر

يُواجِه لبنان اليوم مجموعةً من التحدّيات تتقاطَع فيها الأَبعاد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ويتمثّل أَخطر السيناريوهات في احتمال انزلاقِه نحو التشظّي الداخليّ ما قَد يُفضي إلى قِيام كيانات طائفيّة متعدّدة. فالبُنية الطائفيّة في لبنان ليست مجرّد انقسام هويّاتي، بل تتجسَّد أيضًا في التوزيع الجَغرافي، إذ يتمركَز السُنة في المدن الساحلية الكُبرى مثل بيروت وطرابلس وصيدا ما يُتيح لهم فرصًا اقتصادية بفِعل انخراطهم في النشاط التجاري والخَدَماتي، في المقابِل ينتشر الشيعَة في الجنوب والبقاع وهي مناطِق عانَت من التّهميش. استطاعَ "حزب الله" مِن خلال مؤسَّساته الاقتصادية ملء الفَراغ الذي خلَّفه غياب الدولة، فيما يتركّز المسيحيون في أجزاء من الشمال وجبل لبنان، ارتَبَط وجودهم تاريخيًا بالكيان اللبناني إلّا أنّهم يواجِهون في المرحلة الحالية تحدّيات ديموغرافية بفِعل مَوجات الهجرة المتعاقِبة، في حين يتمركَز الدّروز في مناطقَ جبليّة محدَّدة، لا سيّما الشّوف وعاليه ويتميّزون بخصوصيّة اجتماعيّة واضحة.

في ضَوء الوَضع الراهن، فإنّ آثار الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي اللبنانيّة وتداعياتها تتجاوَز البُعدَ العسكري المباشر، لتمتدّ وتشكّل ضغوطًا اقتصادية واجتماعية متزايِدَة، فالمواجهة اليوم مع إسرائيل من "حزب الله" تمثّل الحرب الكبرى الثانية، في حين لم يَكن لبنان قد تمكّن أصلًا من التّعافي مِن آثار الحرب الأولى، ولا مِن الخروج مِن أَزماته الاقتصادية التي بدأت منذ عام 2019 وأدّت إلى انهيار ماليّ ونقديّ غير مَسبوق في تاريخ البلاد. فَفي بَلَد يَعتَمِد اقتصادُه إلى حدّ كَبير على التّحويلات الخارجيّة والقطاع الخَدَماتي، سينعكس استمرار عدم الاستقرار الأمني سلبًا على النشاط الاقتصادي. فالاقتصاد اللبناني يعيش منذ سنوات حالةَ انهيار هيكليّ غَير مَسبوق، تجلَّت مَظاهِرُه في تدهوُر العُملة الوطنية، وتراجُع قُدرة المواطنين الشرائيّة، وتآكُل المدَّخَرات في المَصارف، إضافة إلى الانكماش الحادّ في القِطاعات الإنتاجية. على هذا الأساس، فإنّ أيّ تصعيد عسكري جديد لا يضيف عبئًا ظرفيًا فحسب على لبنان، بل يُضاعِف مِن ثِقَل الأَزمَة القائمة ويهدّد بتَعميق تداعِياتها الاجتماعية والاقتصادية، ما يُسهم في تَوسيع دائرة الهَشاشة الاجتماعية وتعميق شعور المواطنين بعدم الاستقرار.

الدّاخِل المُثقَل: بُنية سياسيّة مَأزومَة، وثَقافَة طائفيّة راسِخة

إنّ فَهمَ طَبيعة الأَزمَة اللبنانية مَردُّه ليس العَوامل الخارجية وحدَها، مَهما بَلَغت درجة تأثيرها، فالأزمة ليست أزمَة مُستَورَدَة بالكامل، إنما يَرتبط جانب مُهمّ منها بخصائص التركيبة السياسية والاجتماعية للنّظام اللبناني نفسه، الذي تشكَّل تاريخيًا حَول تَوازنات طائفية معقَّدة، تَحَوَّلَت مع مرور الزّمن إلى الإطار المنظّم للحياة السياسيّة ومحدد رئيس للعلاقات بين القوى السياسية المختلفة.

فَعَلى سَبيل المِثال، أَثبَتَت نَتائج الانتخابات النيابيّة الأخيرة التي أُجريت في 15 أيار 2022 أنّ الانتماء الطائفيّ لا يَزال عاملًا حاسمًا في تَشكيل السّلوك السياسيّ للفَرد اللبناني. فرغم حَجم الأزمات الاقتصادية والمعيشيّة التي عانى منها لبنان، والانتقادات الواسعة التي وُجهت إلى الطبقة السياسية التقليدية التي بَرَزت بوضوح في المظاهرات التي شهِدها لبنان عام 2019 على شَكل شِعارات من أبرزها "كلّن يَعني كلّن" تعبيرًا عن تحميل هذه الطبقة مسؤوليّة انهيار الوَضع، أعادت غالبيّة الناخبين اللبنانيين انتخابَ القُوى السياسيّة نفسها، ما يؤكِّد أنّ الولاءات الطائفيّة لا تَزال تلعَب دَورًا مركزيًا في تحديد الخَيارات الانتخابيّة حتى في ظلّ ظُروف اقتصاديّة قاسِية، فالهويّة الطائفيّة في لبنان ما زالت تتقدّم على الاعتبارات البرامجيّة أو الاقتصادية، ما يُعيق القيام بتحوّلات سياسيّة جذرية.

الخارج المُتفجِّر: صِراعات إقليميّة وخِطابات متداخِلة

في موازاة هذا الدّاخل المُثقَل، يَجِد لبنان نفسه في مواجهة بيئة إقليمية متوتّرة تتّسم بدرجة عالية من الصّراع وعَدَم الاستقرار. إذ إنّ ارتباطات القُوى السياسية اللبنانية الخارجية، ولا سيما تلك التي تتّخذ طابعًا طائفيًا، تُعَد من أَبرَز العَوامل التي تُسهِم في انعكاس التوتّرات الإقليميّة على الواقع الدّاخلي اللبناني.

أدّى هذا التّداخُل بين الدّاخلي والخارجي إلى بروز ما يمكِن وصفه بازدواجيّة في الخِطاب السّياسي المتعلّق بالسياسة الخارجيّة. فمِن جهة، هُناك خِطاب رسميّ تمثّله الدولة اللبنانية ومؤسّساتها الدبلوماسية، وعلى المقلَب الآخر يَبرز خطاب آخر تُصدِره بعضُ القوى السياسية التي تَربِط نفسَها بمحاوِر إقليمية. يَظهَر هذا التّباين بوضوح في مَواقف بعض الفاعلين السياسيين وخطاباتهم، ولا سيما في سِياق الحرب الجارية منذ أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.

في هذا الإطار، يوظّف "حزب الله" خِطابًا سياسيًا ودينيًا مشبَعًا بدلالات رمزيّة طائفيّة، إِذ يَصِف المواجَهة اليوم مع إسرائيل بأنّها مواجَهَة كربلائية، وهو تَوصيف يَستحضِر رموزًا دينية وتاريخية راسخة في الوعي الجَمعيّ الشيعيّ، من شأنِه أن يُضفي على الصّراع بُعدًا يتجاوز الإطارَ العسكريّ المباشر، كما يمنحه بعدًا تعبويًا يسهم في تبرير تموضُع الحزب الإقليمي وصلاته العقائدية المرتبطة بمفهوم ولاية الفقيه، هذا الخطاب يعكس بوضوح طبيعَة البنية الطائفية التي تَحكم الحياة السياسية في لبنان، حيث يُعاد تفسير الصراعات الإقليمية في كَثير من الأحيان من خِلال عدسَة الانتماء الطائفي الذي يَبقى أكثر رسوخًا من الوَلاء الوطني الجامِع، وهو ما يفسِّر جزئيًا لماذا لم تؤدِّ الأزمات الاقتصادية المتلاحقة إلى تغيير جذري في السلوك السياسي للفرد اللبناني. فبالنسبة إلى قطاع واسع من اللبنانيين، تبقى الهوية الطائفية عنصرًا أساسيًا في الشعور بالأمان السياسي والاجتماعي، خصوصًا في ظلّ بيئة إقليمية مضّطربة.

خُلاصة القول إنّ المشهَد اللبناني الراهن يبدو شديد القَتامة. فمن ناحية، تُواجه الدولة ضغوطًا أمنيّة خارجية متصاعِدة، ومن ناحية أخرى تتفاقَم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، بينما يَبقى النظام السياسي عاجزًا عن إنتاج إصلاحات بنيوية حقيقية. 

وفي الوقت ذاته، لم ينجَح المجتَمَع بعد في بلوَرة بدائل سياسية قادرة على كسْر الحلقة التقليدية لإعادة إنتاج السلطة. لا يَعني ذلك أنّ التّغيير مستحيل، غير أنّ تَحقيقه يبدو في المرحلة الحالية مسارًا بالغ الصّعوبة، إذ يتطلّب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتطوير مؤسَّسات سياسية قادرة على تجاوُز الانقسامات الطائفية، إضافة إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية العميقة التي تقوّض استقرار البلد. 

أَمّا في ما يتعلّق بالصراع مع إسرائيل، ورغم تحوّل طبيعَته بعد السابع من أكتوبر بحيث انحصَر عمليًا بين حزب الله وإسرائيل، وسعي الدولة اللبنانية إلى استعادَة قرار الحرب عَبر حَصر السلاح بيدها، فإن الواقع يكشف صُعوبة تحقيق ذلك، لا سيما في ظلّ محدودية قدرة الجيش على فَرض الاحتكار الشرعي لاستخدام القوّة. 

وعليه، يصبح من الضروري أن تعزّز الدولة استراتيجيتها الدفاعية، من خلال تَطوير قدرات الجيش اللبناني، واعتماد مبدأ الحياد الذي يَستند إلى عناصر القوّة لا الضعف ويجنّب لبنان الانخراط في الأزمات الإقليمية، مع ضرورة بَسط سُلطتها على كامل أراضيها.

أماني فارس

طالبة دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال في السنة الثالثة، تحمل شهادة في العلوم السياسة. عملت ٩ سنوات في الصحافة العلمية والاجتماعية والثقافية.

رأيك يهمنا