التّضليل الإِعلاميّ كَذَخيرَة في حَرب الإبادَة

اعتبَرَت دولة الاحتلال الإسرائيلي الإعلاميين الفلسطينيين جزءًا لا يتجزّأ من بنية الصراع القتالية، وشنّت حربًا ممنهَجَة استهدفتهم بشَكل مباشر خلال حربها على قطاع غزة، في إطار حرب التّضليل الإعلامي كأَداة مركزية لتسويق الرواية الرسميّة لدولة الاحتلال، لتبرير ما هو في الواقع جَرائم حرب، وتبييض صورة القوة المعتدِية، وتبرير ما وصفته بـ "الدفاع عن النفس" بينما كانت آلَة القتل تَعمل بلا هوادة.
أرقام مروّعة
تُشير التقارير الرسمية الفلسطينية إلى أَرقام ضخمة في ما يتعلّق يعدد الضحايا المدنيين الفلسطينيين نتيجة الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، حيث قُدّر عدد الشهداء الفلسطينيين في غزة والضفة بأكثر من 71,000 شهيد، إضافة إلى 171,000 جريح تقريبًا، بما في ذلك نسبة عالية من الأطفال والنساء وكبار السنّ، وسَط تواصل استخراج الجثامين من تحت الأنقاض بعد سنوات من العدوان.
هذه الأرقام، رغم ضخامة ما تعكِسُه من معاناة إنسانية، استخدمت الرواية الإعلامية الإسرائيلية أسلوب تقليل أهميّتها أو تشويهها، إذ ركّز الخطاب الرسميّ بأيام الحرب الأولى على أرقام إسرائيلية أقل أو نسبيًا متقاربة مع الأرقام الإسرائيلية، بهدف إيهام الجمهور الدولي بأنّ هناك "تكافؤًا" بين الأطراف، وأن ما يَحدث "ردّ فعل" وليس عدوانًا مفرطًا. يَخدم هذا الأسلوب هدفًا مزدوجًا: الإفلات من الملاحَقة القانونية الدولية، وتهيئة المناخ العالمي لقبول رواية إسرائيل كـ "الضحية التي تدافِع عن نفسها" رغم الفوارق الهائلة في القوة والعَتاد والنتائج البشرية.
التّضليل لتبرير التّهجير كهدف
إضافة إلى ذلك، اعتمدَت إسرائيل في خطابها على تَضخيم تَهديد غزة بصفتها "قوة عسكرية كبيرة"، متجاهِلة أن القطاع يعاني حصارًا مطبقًا منذ أكثر من 18 عامًا، وأن أيّ سلاح أو قدرة شِبه مسلحة فيه تظلّ ضئيلة أمام قدرات الجيش الإسرائيلي.
ساعد هذا الّتهويل الإعلامي على خَلق مبرّر لعمليات التّهجير القَسري التي طالت مئات آلاف الفلسطينيين، إذ تم تَصوير العملية على أنّها "تَحريك للسكان من مناطق قتال مُحتدمة" بَدَل أنها عملية تهجير ممنهَجَة في سياق حرب تطهير عرقي وإبادة بطيئة للشعب الفلسطيني في القطاع، باتت الآن واضحة للجميع من حيث الأهداف الرئيسة للحرب. كان استهداف الصحافيين المباشر جزءًا من حرب الرواية، وواحدة من أخطر استراتيجيات التّضليل، ذلك بضرب "عيون الحقيقة" التي يُمكن أن تَنقل حقيقَة ما يحصل للعالَم.
تُعَد الإبادة في غزة منذ أكتوبر 2023 الأكثر دمويّة في تاريخ الصحافيين الحديث، حيث قُتل المئات منهم خلال تغطيتهم الأحداثَ، منهم ما لا يَقِل عن 260 صحافيًا فلسطينيًا وعاملا في مجال الإعلام استشهدوا في الغارات الإسرائيلية*، بينما سجّلت منظمات دولية أعدادًا متفاوتة لكنها جميعها في نطاق المئات من الصحافيين والصحافيات الذين فَقَدوا حياتهم بسبب الاستهداف المباشر أو الغارات.
كما كَشَفت دراسة علمية حديثة في جامعة أكسفورد أنّ الصحافيين بغزة أكثر الفئات استهدافًا مقارنة بفئات المجتمع الأخرى.
وقد دُمّرت مئات المؤسسات الإعلامية والمكاتب الصحافية في قصف متكرّر، وتعرّض العديد من الصحافيين لإصابات خطيرة أو عانوا من التشتيت والترهيب أثناء عملهم، ما أدى إلى مغادرة 290 صحافيًا قطاع غزة*. كما منعت السلطات الإسرائيلية دخول أكثر من ثلاثة آلاف صحافي أجنبي مستقلّ إلى غزة، مما أدى إلى اعتماديّة الإعلام الدولي على مصادر محلية أو معلومات رسمية إسرائيلية — وهو ما سهّل استمرار التضليل، وتقييد الوصول إلى معلومات حقيقيّة عن حرب الإبادة بغزة.
بل إن تقارير حقوقية دولية، مثل مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أدانَت استهداف العاملين في الصحافة والمنشآت الطبية، مما يَكشف عن نمط يتجاوَز الخطأ العرضي إلى ضرب قدرات المجتمع على توثيق ما يَجري، وكشفت الأونروا أنّ قطاع غزة أكثر المناطق خطرًا على الصحافيين في العالَم.
كان الهدف من استهداف الصحافيين، واستمرار مَنع وصول الصحافيين الأجانب، تقويض قدرة الشعب الفلسطيني ووسائل الإعلام الحرّة على تَوصيل معلومات موثوقة للعالَم. بدون هذه العُيون على الأرض، يُصبِح من السّهل على الرواية الرسمية الإسرائيلية أن تُعيد تَشكيل الوقائع، وأن تقدّم سياقًا يبرّر العُدوان، وأن تقلّل من الاهتمام الدّولي والمعارضة الحقوقية والإنسانية لجريمة العصر.
وختامًا، لا يُمكن فصل التضليل الإعلامي عن الأَبعاد الإنسانية والسياسية للحرب؛ فالتغطية المشوَّهة للقضية تخدم أهدافًا استراتيجية تتجاوز مجرّد توجيه الرأي العام.
أمّا لمواجهة هذه الحرب على الحقائق، فلا بديل عن تحقيق وحدة وطنية وإعلامية فلسطينية، وتَوحيد الخطاب الإعلامي الرسمي والمستقل، الأمر الذي يرفَع من مصداقية الرواية الفلسطينية، ويحدّ من التشتّت الذي تستغله الرواية الإسرائيلية.
كما يجب دَعم المؤسسات الإعلامية الوطنية وحمايتها، بما في ذلك حماية الصحافيين وتدريبهم على توثيق الأحداث وفق معايير مهنية عالية، وتنسيق الجهود الحكومية والمجتمعية لمواجهة الحملات التضليلية، عبر منصّات قانونية ودولية، بما يشمل توثيق الانتهاكات وتقديمها إلى هيئات العدالة الدولية وصولًا إلى توفير ضغط دولي من منظمات حقوق الإنسان والإعلام الحرّ لفتح المجال للصحافيين الأجانب للتغطية دون قيود، وصولًا إلى تقديم منتهكي حقوق الصحافيين إلى العدالة الدولية.
مِن هنا تَنبع ضرورة التركيز على التّعليم الإعلامي للمواطنين ليكونوا قادرين على التّمييز بين التضليل والرواية الحقيقية، خاصة في عصر منصات التواصل الاجتماعي.
في النهاية، إن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، بل على وَعي الشعوب والعالم.
تتطلّب مواجهة التضليل الإعلامي مواءَمة بين القوة القانونية، وجبهة إعلامية موحدة، واستراتيجية واضحة لنقل الحقيقة عن معاناة الشعب الفلسطيني، بعيدًا عن روايات تبرّر الجرائم وتستمر في تغليف العدوان بالقوّة الكلامية كما بالقوّة العسكرية.
*وفقا لمعطيات نقابة الصحافيين الفلسطينيين.




