نَحوَ إِعلامٍ لا يُعيد إِنتاجَ التَّهميش والقيادَات الفاشِلَة

في السّياق العربي الفلسطيني في الدّاخل الفلسطيني، لا يُعدّ الإعلام مجرّد وسيلة لنقل الخَبَر أو توثيق الحَدَث، بل هو ساحَة مركزية للصراع على الرواية والشرعيّة والتّمثيل. فالسؤال ليس فقط ماذا يُقال عنّا، بل مَن يتكلّم باسمنا، ومن يُقدَّم كقائد، ومن يُقصى إلى هامِش المَشهَد العام. هنا برأيي، تبرز أهمية التفكير بدَور الإعلام في صناعة القيادات، لا بوصفِها صِناعة نُجوم، بل بوصفها عمليّة تمكين لأَهل القضيّة، أولئك الذين يناضِلون من أجل قضاياهم، والمنخرطون فعليًا في هموم مجتمعهم ونضالاته اليومية.

في نَهج التنظيم المجتمَعي، كما طوّره البروفسور مارشال غانز، ليست القيادة لقبًا ولا منصبًا، بل ممارسة جَماعيّة تَنبع من التجربة والالتزام والعلاقات والقُدرة على تحويل الألَم والغضب إلى أمَل وعمل منظّم. يتناقَض هذا الفَهم، في كثير من الأحيان، مع مَنطق الإعلام السائد، الذي يَميل إلى الشَّخصَنة والاختزال والبحث عن "الوجه" بدَلَ الجَماعة، وعن "الصوت العالي" بدَل الصوت الجذري.

مَن هم القياديّون؟

في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل، القياديون الحقيقيّون ليسوا بالضرورة أولئك الذين يَظهرون باستمرار على الشاشات، أو يُستضافون في الاستوديوهات، بل قد يكونون المعلّم والمعلمة في المدرسة، أو الناشط والناشطة في الحيّ، أو الشاب والشابة الذين يُنظّمون الناس حول قضية الأرض أو العنف أو التعليم أو الهوية وغيرها من قضايا شعبنا. هؤلاء هم أهل القضية، لأنّهم يعيشون تبِعاتها، ويَفهمون تعقيداتها ويَملكون شرعيّة نابعة من القرب لا من المنصّة.

غيرَ أنّ الإعلام، في كثير من الأحيان، لا يُنصت لهؤلاء. بل يُعيد إنتاج دائرة ضيّقة من "الناطقين"، ويكرّس نموذجًا قياديًا فردانيًا، يُفرغ الفِعل الجَماعي من مضمونه، ويحوّل القضايا الحارقة إلى تصريحات عابرة أو ردود فعل آنية. هكذا، يصبح الإعلام شريكًا - ولو عن غير قَصد - في إضعاف التنظيم المجتمعي بدلًا من تعزيزه.

الإِعلام كأَداة تمكين أو كأَداة إقصاء

يُمكن للإعلام أن يلعَب دورًا تحرريًا عندما يَمنح المَساحة لأهل القضية لرواية قصصهم بأنفسهم، لا كضحايا فقط، بل كفاعلين يمتلكون رؤية وتحليلًا ومَطالب واضحة. يُساهم الإعلام الذي يُصغي للتجربة الحيّة، ويمنحها العمق والسياق، في بناء قيادة جماعية، ويعزّز ثقة المجتمع بنفسه وقُدراته.

في المقابل، يُساهِم الإعلام الذي يلهَث خلف الإثارة أو يكتفي بردود الفعل، أو حتى يبحث عن "التّوازن الزائف" في قضايا الواقع الراهنّ، في تَمييع الخطاب، ويُفرغ النّضال من محتَواه السياسي والاجتماعي. في السياق الفلسطيني في إسرائيل، يصبح هذا النوع من الإعلام جزءًا من المشكلة، لا مجرّد منصة تنقل الحدَث بحياديّة.

الإعلام الرقميّ: فرصة مَشروطة

لا يُمكن تجاهل التحوّل الذي أحدثَته وسائل التواصل الاجتماعي في المَشهد القيادي. فقد أتاحت هذه المنصات لأصوات مهمّشة أن تظهر، وأتاحَت لقيادات شابة أن تتشكّل خارج الأطر التقليدية. شهِدنا في السنوات الأخيرة كيف تحوّلت منصات رقمية إلى فضاءات تنظيم، وتعبئة، وكشف للواقع، خاصة في لحظات مفصلية.

لكن هذه الفًرصة مشروطة. فالإعلام الرقميّ، رغم ديمقراطيته الظاهرة، يحمل منطقًا خاصًا يقوم على السرعة والانتشار وردّ الفعل، ما قد يتناقَض مع جوهر التنظيم المجتمعي القائم على النَّفَس الطويل، وبناء العَلاقات والعمل الاستراتيجي. الخطر هنا أن تتحوّل القيادة إلى "حضور رقمي" وأن يُقاس التأثير بعدد المتابعين لا بعمُق التغيير.

نحو إعلام يَخدم التّنظيم لا يَستبدِله

ليس التحديّ الحقيقي أمام مجتمعنا في "إنتاج قادة"، بل في بناء بيئة إعلامية داعِمَة للقيادة المجتمعيّة. إعلام يرى في أهل القضية شركاء في التفكير والتحليل، لا مجرّد مادة للخبر. إعلام يُدرك أن القصة ليست فقط ما حَدَث، بل لماذا حَدث، ومن يتأثّر به، وما الذي يمكن تغييره.

هذا يتطلب تحوّلًا في الوعي الإعلامي نفسه، فمثلًا من التّركيز على الفَرد إلى إبراز الفِعل الجَماعي، من ردّ الفعل إلى تحليل الواقع السياسي القائم، ومن الصوت الأعلى إلى الصوت الأصدق والأقرب للناس.

في السياق العربي الفلسطيني في إسرائيل، لا يمكن فَصل الإعلام عن معركة الوجود والكرامة والحقوق. فالإعلام إمّا أن يكون أداة لإعادة إِنتاج التّهميش، أو مساحة لتمكين القيادات الحقيقية المنبثقة من المجتمع.

إذا أرَدنا قيادات قادِرة على إحداث تغيير حقيقي، فعلينا أن نُعيد التفكير في دور الإعلام: لا كصانع نجوم، بل كحليف لأهل القضية، ورافِعة للتنظيم المجتمَعي، ومساحة يستعيد فيها أصحاب الرواية روايتهم.

عنّي، أنا نَفسي

أنا كصحافية ومنظِّمة مجتمعيّة، لا يَقتصر دوري على نَقل الحَدث أو تسليط الضّوء على القضية، بل على اختيار زاوية الرؤية، والصوت الذي أُفسح له المجال، والسرديّة التي أُعيد إنتاجها أو أتحدّاها. يتمثّل التزامي المهني والأخلاقي في أن أتَعامل مع الإعلام كأداة تنظيم لا كمنصّة استعراض؛ أن أُصغي لأهل القضية قَبل أن أتكلّم باسمهم، وأن أُفسح لهم المَجال ليكونوا رُواة قصّتهم وصانِعي خطابهم. عليّ أن ألتزم بإبراز الفِعل الجَماعي والتّجارب اليومية التي تُنتج القيادة من داخل المجتمع. واجبي أن أَستخدم أدوات الإعلام واللغة والصورة والقصّة والمنصّة لبناء وعي وتعزيز ثقة وتوسيع دوائر المشاركة. حين ألتزم بهذا الدور، يصبح الإعلام مساحة لتمكين أهل القضية، وتَحويلهم من مَوضوع للخبر إلى قياديين فاعلين في صياغة الواقع وتَغييره.

وأنا فعلًا، سألتزم.

روزين عودة فاعور

صحافية ومنظِّمة مجتمعيّة.

رأيك يهمنا