"بَطاطا الأَريكَة" يُلاحِق "التّرندات": نَظْرَة مِن وإِلى عالَم "السّوشال ميديا"

أَسئلة كثيرة تتوارَد إلى ذهني كَخبيرة وصانعَة محتوى تسويقيّ، خاصةً في السنوات الثَلاث الأَخيرة، وفي السّياق المُؤسف الذي تمرّ به البلاد والعالَم. أَجِد نفسي أشرَح لِهذا كيف تَعمل الخوارزميّات، ولِذاكَ عن أوّل ثلاث ثوانٍ في الفيديو، وكيفَ نَجذِب انتباه الجُمهور واهتمامَه، مع أنّني في نهايَة المطاف أَقوم بتعطيل حسابي الشّخصي على إنستغرام مدَّةَ شهور، ولولا اضّطراري لمشاركة بعض الأمور مع المُتابِعين لما قُمت بتفعيله أبدًا. 

أَذكُر أنني قَبل عامين، عند بدء عملي عَبر منصّة "تيك توك"، حاولتُ البَحث عن صانِعة محتوىً محلية بغرض تعاون تسويقيّ ما. كانت تلك المرّة الأولى التي أجرّب فيها أَن أجلِس وأشاهد فيديوهات قَصيرة بلا معنىً ساعاتٍ متواصلة. شَعَرتُ بدُوار شَديد، كاد رأْسي أن ينفَجر، وكان مِن المُؤسِف بالنّسبة لي أنّ يكون هذا جزءًا من عملي!

حسنًا، لِنَعود إلى الأسئلة: 

لصالح مَن تَعمل الخوارزمياّت؟ من هو الإنفلونسر، ومَن اخترَعَه؟ كيفَ أَصبَح هاتفنا الجوال جزءًا لا يتجزّأ مِن أجسادنا؟  كيف أصبَح ردّ فلان على الستوري الخاصّ بك، أو ضَغطٌ على زرّ الإعجاب، الوسيلة الأَكثر انتشارًا للتّواصل؟ ما هي الحقيقة المخفيّة وراء الشّاشات؟ كيفَ أصبحنا جميعًا نتنافَس على اصطناع السعادة؟ وهل أصبَح عدد المُتابِعين ثروة الإنسان الحديث؟!

أَكتب هذا المقال محاولةً للإجابة عن سُؤال مؤسِف: لماذا ينتشِر المحتوى السّخيف ويلاقي نجاحًا أكبر على منصّات "التواصل" الاجتماعي؟ 

للإجابة عن هذا السؤال، أودّ أن أَعود إلى زمن ما قَبل المُحتوى الرقمي، وأن أتحدّث عن المُحتوى الترفيهي بشكل عام؛ في كتابِه "الإعلام هو الرسالة"، يكتب مارشال ماكلوهان،[1] حول أهمية وسيلة الإعلام في تَشكيل وَعي المُشاهد وتغييره، ويَشرَح كيف نركّز على ما يَقوله التّلفاز على سبيل المثال، لكننا لا نركّز على الأثر الذي يتركُه علينا. فَنَحن نَجلس أمام التلفاز نشاهدُه ولا نتفاعَل معه، مما يستلزم منّا تركيزًا أقلّ من المعتاد.

عُرف هذا الفِعل بما سُمّي لاحقًا بـ "بطاطا الأريكة"، وهو الشّخص الخامِل الذي يَجْلِس أَمام التلفاز يستهلك المُحتوى ويذوّته. يدّعي ماكلوهان أنّ وسائل الإعلام تبدأ بالعمَل كامتداد طبيعيّ لجهاز الأعصاب لدى الإنسان، مما يغيّر في سلوكه وإدراكه بشكل غير واعٍ.

يَنطبق هذا التّوصيف حول وسائل الإعلام على استخدامِنا هواتفَنا الذكيّة أيضًا؛ فهل يمكِننا أن نجلس خمسَ دقائق دون النّظر إلى هاتفنا؟ أصبَحَت الإشعارات اليومية جزءًا لا يتجزّأ من جهازنا العصبي، الآخذ بالتّلف شيئًا فشيئًا، وأَصبَحَ شبه مستحيل أن نستيقِظ دون أن نتصفّح الإشعارات.

فلماذا نستمرّ بالتشبّث بالشّاشات؟ وكيف يؤثّر علينا هذا الفعل؟

حَسب تحليلي الشخصيّ، يُعاني الإنسان الحَديث مِن ضُغوط عديدة، ماديّة كانت أَم مجتمعيّة، لهذا تُصبح وسائل التواصل الاجتماعي طريقة التسلية الأَمثَل. فمَقطَع قصير مدّته دقيقة يبدو كأنّه لا يستهلك من وقتنا كثيرًا؛ نقول لأنفسنا: حسنًا، فيديو آخر وسأُنجِز مَهامي، لكنّنا دون أنْ ندرِك ننتَبِه أنّنا قضينا ساعات نُمارِس الفِعل نفسه، غير محرّكين أيّ شيء سوى إصبعنا.

في العالَم الرقميّ، كلّ شيء يبدو ممكنًا، وكلّ الأحلام تبدو قابلة للتحقيق، بين بَيع العقارات وعبارة ?What do you do for a living، والسيارات والبيوت الفاخرة. فنحن، كبشر، نودّ تصديق أنّ أيّ شخص عادي بإمكانه أَن يصل إلى هذا؛ كذبة مضلِّلة تُشبه كذبة الحُلم الأمريكي قديمًا. أمّا الآن فهو حُلم "البلوچر": الكثير مِن المال والقَليل مِن العمل. مَن لا يريد هذا؟

لكنّ الحقيقة هي أنّ المتابِعين والشُّهرة لا يحتّمان بالضرورة وجود المال، فالمتابِعون لا يتحوّلون بشكل سحريّ إلى أَموالٍ تُمطرها السماء، ففي الغالب، تأتي الأرباح على وسائل التواصل الاجتماعي من صَفَقات العلامات التجارية، والإعلانات، والتعاونات المَدفوعة، وليس مِن عدد المتابِعين بحدّ ذاته. صَحيح أنّ بعض المنصّات تُتيح لصنّاع المحتوى تحقيقَ دَخْل مقابل نِسَب المشاهَدات، لكن هذه الخاصيّة لا تنطبق على جميع المنصّات، كما أنّها ليست متاحة تلقائيًا لكلّ مَن ينشر مُحتوى. فالدّخول إلى برامج تحقيق الدّخل يَخضع لشروط محددة، وخطوات صارمة، وموافَقات مسبَقَة، كما هو الحال في منصّات مثل يوتيوب وتيك توك، على سبيل المثال.

وبالطبّع، فإنّ عدد متابِعيك يُصبح غير مهمّ في اللحظة التي تُخالِف فيها معايير الاستخدام الفَضفاضة جدًا، أو في اللحظة التي تجرؤ فيها على مشاركة رأْيِك السياسي بوضوح، واستخدام كلمات معينة مثل "غزة" على سبيل المثال. عندها تعاقبك الخوارزميات بطرق مختلفة، منها إزالة المُحتوى أو تقليل ظهوره، أو حَجب الحساب، أي ما يُعرف بـShadow Ban، أو تعليق الحسابات، خاصة عبر منصّات ميتا وإكس.[2] تحتّم هذه التقييدات على المستخدِمين عامة، وصنّاع المحتوى خاصة، إنشاء مُحتوى حول مواضيع معينة، والابتعاد عن المواضيع السياسية التي قد تتخطّى سياسات الاستخدام، دون الادّعاء أن هذا مبرّر لصناعة المُحتوى المتدنيّ. فلا يزال هناك صنّاع محتوى يُنشئون محتوى غير منفصل عن الواقع، ويحصلون على مشاهدات بالرغم من كلّ التقييدات.

لكن بغضّ النّظَر عن هذه التقييدات، لماذا نَلحَق بالترندات؟ ولماذا نبحَث عن مُحتوى خَفيف، سَريع، بلا مَعنى؟

حسب الأبحاث، نحن نتوجّه إلى هذا النوع من المُحتوى لأنّنا نبحَث عن شعور الإشباع، كتحقيق رغبة أو تلبية حاجة ما. لكنّ التفاعل المكثّف مع هذه المضامين يسبّب تأثيرًا سلبيًا على حياتنا اليومية في جوانب عدّة، منها الصحية والاجتماعية، والأَخطَر أنّه يمنَع أدمغَتَنا مِن استيعاب معلومات مُفيدة جديدة. يؤدّي ذلك إلى ما يُعرف بـ "تعفّن الدماغ"، وهو إدمانُ الدماغ على نِظام المكافأة (Brain’s Reward System) مِن خلال إفراز الدوبامين، شبيه بأيّ نوع آخر من الإدمان. وهذا بدوره يسبّب استهلاك المَزيد والمَزيد من هذه المنصّات، والمُحتوى الذي يخلِق شعورَ الإرضاء المؤقّت، فيبدأ الدماغ بالتدهور شيئًا فشيئًا من خلال انحدار المَقدرة العقلية، نتيجة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي المتواصِل والتصفّح المستمرّ، مما قد يؤثّر على العلاقات الشّخصية، وجَودة العمل، والأداء الأكاديمي، والصحة.

أمّا على مستوى العلاقات الاجتماعية بشكل عام، فإن التّواصل عبر الشاشات يُضعف الرّوابط الإنسانية، ويعزّز الشُعور بالعزلة، حيث يصبِح كل فرد محاطًا بفُقاعته الخاصة، بعيدًا عن التّفاعل الحقيقي مع العالم.[3] قد يمنح التفاعل الرقمي الفرد شعورًا زائفًا بأنّه يعادِل التفاعل الإنساني الحقيقي خارج الشّاشات، مما يدفعه إلى بناء عالَم خاص داخل الفضاء الرقميّ، يضمّ "أصدقاء" يراقبون حياته دون أن يشاركَهم حضورًا فعليًا، أو ما يمكن تسميته بـ"الأصدقاء المتخيّلين"، استنادًا إلى مفهوم "الجماعات المتخيَّلة" الذي طرحه أندرسون.[4]

عمومًا، يؤدّي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى زيادة مشاعر القَلق والاكتئاب والوحدة، خاصة لدى فئة المراهقين. فقد تحوّل عدد الإعجابات والمنافسة على زيادة عدد المتابعين إلى مصدَر ضغط نفسي وصِراعات داخلية، تؤثّر سلبًا على ثقة المراهقين بأنفسهم. يعود ذلك إلى المقارَنَة المستمرة بما يشاهدونه على هذه المنصّات، مما ينعكس سلبًا على صحتهم النفسية والإدراكية، ويدفعهم إلى السّعي وراء صورة مثالية غير واقعية، تؤدّي بدورها إلى مشاعر عدم الكفاية وانعدام الثقة بالنفس.

إذًا، هل يَهدف صنّاع المُحتوى إلى إيذاء جمهورهم عَبر مُحتوى سَريع وسَهل الاستيعاب؟ ليس بالضرورة!

إذ تُشير نتائج بَحث شارك فيه 161 مؤثرًا على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن المؤثّرين الذين يستخدمون هذه المنصات أكثرَ من خَمس ساعات يوميًا يعانون من مشاعر سلبية بدرجة أكبر. كما تبيّن أن المؤثّرين الذين لا يعتمدون بشكل أساسي على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر دَخل كانت مستويات المشاعر السلبيّة لديهم أقل، في حين أظهر المؤثّرون الذين يعتمدون عليها كمصدر دخل أساسي مستويات أَعلى من القَلَق وسلوكيات التجنّب في علاقاتهم، خاصّة مع الأهل والأصدقاء المقرّبين.

كذلك، كلّما ازداد عدد المتابِعين، ازدادَت مَشاعر المؤثرين السلبيّة. وتُبرز هذه النتائج أهميّة الاهتمام بصحة المؤثّرين النفسية، نظرًا للضغوط النفسية المرتبطة بالعمل المستمر على المنصات الرقمية.[5]

في الخِتام، وفي عالَم نتنقّل فيه بينَ حياة خاصّة أصبحت متاحَة للجميع، وعبارات مألوفة مثل "تَعالوا مَعي اليوم…" و"حضّروا معي"، متنقّلين من التّطبيق الأصفر إلى الأزرق فالأَسوَد؛ هذه تَشرب الماتشا، وذاك يسافِر إلى دبي. سواء كنتَ صانعَ مُحتوى أو مستهلكًا له، تذكّر أنْ ترفَعَ رأسك مِن هذا المربّع الرقميّ بين الحين والآخر، وأنْ تَنظُر حولَك، وتُراجِع علاقاتك الاجتماعية وعاداتك الرقميّة.

فإنْ لم تكُن أنت رقيب نفسِك، ستجِد نفسَك تنتقّل من مقطَع إلى آخر دون وعي، وربّما ستفقد القدرة على الاستمتاع بما كان يومًا بسيطًا وممتعًا.

وأخيرًا، رسالة إلى الأهالي: إن الحريّة المطْلقة التي تُمنح للأطفال قد تتحوّل إلى عبء، ويمكن استبدالها بعادات صحيّة كثيرة، بعيدًا عن الشّاشات.

كانت معكم/ن، صانعة مُحتوى تتمنّى الاختفاء من العالَم الرقميّ.


[1] McLuhan, M. (2017). The medium is the message. In Communication theory (pp. 390-402). Routledge.‏

[2] توثيق انتهاكات المحتوى الرقمي الفلسطيني من قبل مركز حملة: حملة - التقرير الشهري للحقوق الرقمية الفلسطينية: كانون الأول

[3]Azayem, A. A. K., Nawaz, F. A., Jeyaseelan, L., Kair, H. M., & Sultan, M. A. (2024). Beyond the filter: Impact of popularity on the mental health of social media influencers. Digital Health, 10, 20552076241287843.‏

[4]Anderson’s, S. (2006). Imagined communities. Literary Criticism and Cultural Theory, 49.‏

[5]Yazgan, A. M. (2025). The problem of the century: Brain rot. OPUS Journal of Society Research, 22(2), 211-221.‏

عبير بشتاوي

صحافية مستقلة، فنانة وخبيرة محتوى.

رأيك يهمنا