..أَنْ نَستَعيد وِحدَة المَعنى ونُعيد تَركيبَ الخَريطَة

حين تواصَلَت معي الزميلة العزيزة، الصحافية سناء حمّود، تَدعوني للكتابة في العدد الافتتاحي لعام 2026 لمنصّة «سين 48» حَول «مَرحَلة تَخيّل للمستقبَل الفلسطيني: أَسئِلَة الأَمَل، آفاقُ الحَلّ، و: ماذا لَو…؟»، جلست طويلًا أَمام الشاشة. ليس لأنّني أفتقر إلى الأمل، بل لأنّ سؤال المستقبَل حين يُطرَح ونحن ما زِلنا في قلب الإبادة المفتوحة على غزّة، وتحت أنقاض نظام استعماري يتوحّش أكثر كلّ يوم، يبدو أحيانًا أقربَ إلى تمرينٍ قاسٍ في التّفكير: كيفَ تتخيّل الغَد وأنت لم تَخرج بَعد من تحت ركام اليوم؟
مع ذلك، فإنّ التوقّف عن التخيّل ليس خيارًا سياسيًا. الاستعمار لا يريد فقط أرضنا، بل يريد أيضًا خَيالنا؛ يريد أن يَحصُرنا بين مشهدين: إمّا ضحيّة على الشّاشة، أو فردًا منكفئًا على نَجاته الشخصية. لذلك، فإنّ التخيّل هنا هو جزء من معركة الوجود نفسها، بشرط ألا يتحوّل الأمل إلى مُخدِّر، ولا إلى شعارات ترفعها القيادات التي تُتقن إدارة الهزيمة أكثر مما تُتقِن قِيادة المستقبَل.
إذا أردنا التّفكير في مستقبَل فلسطيني، لا يكفي أن نُسقط عليه خريطة 48 والضفة وغزة والشّتات كأقاليم منفصِلة، بل يجب أن نرى التشظّي نفسه كمشروع سياسي صهيوني ناجح: قوانين مختلفة، أنظمة مختلفة، لغات مختلفة لقياس الخسارة والرّبح. «الفلسطيني المواطن» في الداخل، «الفلسطيني المقيّد بالتّصاريح» في الضفة، «الفلسطيني المحاصَر» في غزة، و«الفلسطيني اللاجئ» خارج فلسطين. السؤال الأوّل إذن: كَيفَ نُعيد بناءَ وحدَة المَعنى قبل وِحدة الجغرافيا؟ كيف نَرى أنفسَنَا من جَديد كجماعة سياسيّة واحدة، لا كأربعة ملفات على طاولة الأمم المتحدة؟
يَأخُذُ هذا السؤال في الدّاخل الفلسطيني شكلًا ملموسًا جدًا. هنا، في مساحة الـ 48، حيث نَعيش داخل بنية استعمارية مسمّاة «دولة»، نَرى بوضوح كيف يُعاد تَشكيل مستقبَلنا مِن فَوق: عبر تشريعات عنصرية، وتَطويعٍ للاقتصاد، وعبر تحويل مؤسسات التمثيل إلى أدوات لإدارة الغَضَب بَدَل تنظيمه. لجنة المتابعة العليا نموذجٌ صارخٌ لهذا الانهيار البطيء: انتخابات تتكرّر بمنطق المحاصَصة الحزبية، تُدار فيها معارك على الكراسي أكثر مما تُدار فيها معارك على المشروع السياسي، ثم تُقدَّم لنا النتيجة كأنّها «إرادة شعبيّة». هكذا يتحوّل الجسم المفروض أن يكون عنوانًا للوحدة، إلى مرآة دقيقة لتفكّكنا.
حين نُفَكّر في المستقبَل الفلسطيني، لا يمكن أن نكتفي بانتقاد هذه البُنى، بل علينا أن نسأَل: ما الذي نُريده منها؟ هل نريد لجنة متابعة تُعيد تكرار الأحزاب ذاتها واللغة ذاتها، أم نريد إطارًا تمثيليًا حقيقيًا يربط بين الداخل والقدس والضفة وغزة والشّتات في رؤية مشتركة؟ ماذا لو اعتبرنا أنّ كلّ انتخابات لا تقترن بإعادة تعريف للمشروع السياسي ليست سوى تدويرٍ للأزمة؟ عمليًا، هذا يعني أن نطالِب – وأن نعمَل – من أجل أجسام تمثيلية تُبنى على قاعدة اجتماعية واسعة: نقابات طلابية ومهنية مستقلة، لجان حقوقية، أُطر نسائية وشبابية، تَربِطها رؤية سياسية واضحة تتجاوَز منطق «إدارة اليوم التالي» إلى التّفكير في شكل الكيان السياسي الذي نريده لأنفسنا.
لكنّنا لا نتحرّك في فراغ. الإبادة على غزّة لم تنتهِ، لا سياسيًا ولا ماديًا. الحديث عن «مرحلة ما بعد الحرب» بينما الجُثث ما زالت تحت الركام، والاعتقالات والاستهداف السياسي مستمران، هو نوعٌ من العَمى الأخلاقي والسياسي. حتى فكرة «التّشبيك» بين غزة والضفة والدّاخل والشّتات، اليوم، ليست مسألة نوايا طيبة فقط، بل تصطدم مباشرةً بجدار من الملاحَقات والقوانين: تجريم التبرّع، مراقبة التحويلات الماليّة، ملاحقة كلّ خطاب تضامن باعتباره «تحريضًا»، ومحاولة خَنق أيّ بنية تنظيمية عابرة للحدود. هذا ليس تفصيلًا؛ هذه هي البيئة التي يُطلب من الفلسطيني أن «يبدع» فيها حلولًا للمستقبل.
مِن هنا، تُصبح أسئلة الأمل ليست: «هل هناك أمل؟» بل: «أينَ نَضع هذا الأمل وكيف نترجمُه إلى عملٍ لا يعرّض الناس للموت المجاني؟». عمليًا، يمكن الحَديث عن مستويات متوازية للعمل، لا تنتظر انتهاء الإبادة كي تبدأ:
أولًا، على المستَوى المعرفي: نحن بحاجة إلى إعادة بناء خَرائِطنا عن أنفسنا. كم عدد المعتقلين السياسيين في السنوات الأخيرة؟ ما هي أَنماط القَمع في الداخل مقارنة بالضفة وغزة؟ كيف يتقاطَع العُنف الاستعماري مع العنف البنيوي داخل مجتمعاتنا (الجريمة المنظمة، التفكّك الاجتماعي، الفردانيّة المفروضة)؟ إنتاج معرفة دقيقة، موثوقة، متاحَة بالعربية، هو شرط لأيّ خيال سياسي جديّ. من دون معرفة، يصبح المستقبَل مجرّد شعارات أو دَعَوات عاطفية.
ثانيًا، على المستوى المؤسّسي: بدل انتظار «إصلاح» لجنة المتابعة أو السلطة أو أيّ جسم قائم، يمكن أن نفكّر في بناء بُنى موازية، لا تحلّ هذه الأُطر فورًا، لكنّها تخلق ميزان قوى جديدًا. في الداخل مثلًا، يمكن توسيع التّجارب التي تجمع بين الحُقوقي والسياسي: شبَكات محامين/ات للدفاع عن المعتقلين، لجان أهالٍ، مجموعات بحثية، ومنصّات إعلامية مستقلّة – مثل «سين 48» وغيرها – تُعيد صياغة الخِطاب من موقع فلسطيني لا يعتَذر عن ذاته. في الضفة وغزة، يمكن ربط المبادَرات الشعبية (لجان الأحياء، مجموعات الإغاثة، الأطر المهنية) في خطوط تواصل آمنة قدر الإمكان مع الداخل والشتات، ليس لخلق «قيادة بديلة» فورية، بل بهدف بناء نَسيج اجتماعي سياسي يسبق القيادات ويَضغط عليها.
ثالثًا، على المستوى الثقافي والرمزي: تخيُّل المستقبل هو سؤال عن نوع الإنسان الذي نُريد أن نكونه. يُراهن الاستعمار على تحويلنا إلى أَفراد يائسين، منشغلين بالنّجاة الفرديّة، هاربين من السّياسة إلى أساطير التنمية الذاتية. مقابل ذلك، يمكن أن نسأَل: ماذا لو قرّرنا أن نُعيد الاعتبار للسياسيّ في حياتنا اليومية؟ أن نَرى في كل اختيار مهنيّ، وكلّ مشروع إعلامي، وكلّ مبادرة تعليمية، جزءًا من معركة أوسَعَ على المَعنى؟ هذا يَعني أن ننتج ثقافة لا تكتفي بتوثيق الأَلَم، بل تُعيد صياغته إلى أسئلة: كيف نعيش معًا؟ كيف نوزّع مواردنا؟ ما مَعنى العدالة في مجتمع عاش النكبة والنكسة والإبادة المتواصلة؟
في هذا كلّه، يحملُ فلسطينيو الداخل خصوصيّة مزدَوَجَة: نَحن داخل بنية الدولة التي تشنّ الحرب، لكنّنا جزءٌ عضوي من الشعب الذي يَقَع عليه الاستهداف. تَخلِق هذه الازدواجية إمكانيات وتحدّيات في الآن ذاته. تتمثّل الإمكانيات في قدرةٍ أكبر ـ نظريًا ـ على الحركة، والوصول إلى أدوات القانون والإعلام والجامعة. أمّا التحدّي، فإنه يتمثّل في منظومة مراقبَة وقَمع تحاول أن تقطَع أيّ خيط بيننا وبين باقي مكوّنات الشعب الفلسطيني، وأن تحوّلنا إلى «أقلّية نَموذجية» منشغلة بفتات الحقوق المدنية. المستقبل الذي يمكن أن نُشارك في بنائه، إن أَرَدنا له أن يكون فلسطينيًا فعلًا، يجب أن يرفُض هذه الثنائية: لا ذَوَبان في خطاب المواطَنة الفارغ، ولا انسحاب إلى رومانسيّة «المَنفى الداخليّ». يمكننا اختيار موقع ثالث: مواطنون بحكم القانون، ومستعمَرون بحُكم التاريخ، وشركاء فاعلون في صياغة مشروع تحرّري يتجاوز حدود 48.
من هنا، تُصبح أزمة لجنة المتابعة مثلًا مرآة لسُؤال أكبر: كيف نَمنَع مؤسساتنا من أن تتحوّل إلى أدوات لاحتواء الغضَب بَدَل تأطيره؟ أَحَد الأجوبة العملية الممكنة هو توسيع قاعدة المشاركة الفعلية: إشراك النقابات المهنية، الأُطر الطلابية، مجموعات النساء، والهيئات الحقوقية في صنع القرار، وليس فقط في التصفيق له. جواب آخر هو ربْط أيّ جسم تمثيلي بمساءلة دورية حقيقية: تقارير علنية، جداول زمنية لأهداف واضحة، وإمكانية سَحب الثقة عند الإخفاق، تمامًا كما نطالب الأنظمة الاستعمارية والدكتاتورية بالمحاسبة.
أمّا على مستوى العلاقة بين الداخل والضفة وغزة والشّتات، فعلينا الاعتراف بشجاعة بأنّ التشبيك الواسع اليوم مَحفوف بالمخاطر بسبب الملاحَقات السياسيّة وتجريم كلّ أشكال الدعم والتواصل، لكن هذا لا يعني الاستسلام. يمكن، مثلًا، التفكير في مساحات مشتركة للمعرفة والتخطيط: منصّات بحثية وإعلامية مشتركة، أرشيفات رقميّة تحمي الرواية الفلسطينية من المَحو، مجموعات تفكير (think tanks) فلسطينية عابرة للحدود، تعمَل على أسئلة الدستور، والعدالة الانتقالية، وحقوق اللاجئين، وتحضّر من الآن لما بعد. قد لا نستطيع اليوم تحويل هذه الرؤى إلى اتفاقات سياسية مُلزِمة، لكننا نستطيع أن نَمنَع الفراغ الفكري الذي يسمَح للآخرين أن يكتبوا مستقبلنا بالنيابة عنّا.
في النهاية، حين نسأل: «ماذا لو…؟» نَحن لا نكتب قصّة خَيال علمي عن فلسطين مثاليّة، بل نمارس فعلًا سياسيًا بامتياز: نوسّع أُفُقَ الممِكن، ونَرفُض أن يكون المستقبل استمراريةً آليةً لما هو قائم. «ماذا لو» تحوّلت لجنة المتابعة من جسمٍ يدار بين بضعة مكاتب حزبيّة إلى إطار حقيقي لوحدة فلسطينيي الداخل؟ «ماذا لو» تحوّل الغضب على الإبادة في غزّة إلى مَشروع مستدام لإعادة بناء الحركة الوطنية على أسس ديمقراطية وجذرية؟ «ماذا لو» قرّرنا أن نربِط بين معاركنا اليوميّة على لقمة العيش، وعلى حريّة التعبير، وعلى الحقّ في التنظيم، وبين سؤال أكبر: أيّ فلسطين نُريد أن نعيش فيها، وأيّ بشر نريد أن نكون؟
هذه الأسئلة ليست مجرّد نشرة لافتتاحية عام جديد؛ هي، كما أَفهمُها، دعوة من منصّة مستقلّة مثل «سين 48» ومن الزميلات والزملاء القيّمين عليها، إلى أن نجرؤ على التّفكير في المستقبل ونحن في قلب العاصفة، وأن نُعامِل الخيال السّياسي لا كاستراحة من الواقع، بل كمساحة نُعيد فيها ترتيب هذا الواقع، حجرًا فوق حجر، وكلمة فوق كلمة، حتى يصبح الأفق أقلَّ عتمة، وإن بقي الطريق طويلًا وقاسيًا.




