حينَ لا يَكون الخَبَر بريئًا: عَن الّلغة كـ "غسّالة" جَرائِم

تخيّل لحظة واحدة: رصاصة تُطلق في الضفة الغربية أو في غزة، وتُسقط جسدًا على الأرض. الحَدَث نفسه، اللحظة ذاتها. لكن في صحيفة غربيّة كبرى يصبح الخبر: "فلسطيني قُتل خلال مواجهات مع قوات إسرائيلية". وفي أخرى، إذا كان الضحية إسرائيليًا: "جندي إسرائيلي قُتل في هجوم إرهابي". ليس الفرق في الوقائع، بل في كيفية ترتيب الكلمات، في مَن يُمنح دور الضحية، ومن يُرسم كمعتدٍ. هنا، لا تعمل اللغة كوسيط بريء، بل كأَداة توجيه أخلاقي مسبَق، تحدّد للقارئ كيف يَفهم الحَدث قبل أن يفكّر فيه.

ليس هذا التفاوت زلّة تَحريرية عابرة، بل جزء من عمليّة أعمَق تتحوّل فيها اللغة إلى أداة لبناء الواقع لا مجرّد وصفه. ما نقرؤه ليس ما حدث بالضرورة، بل ما سُمح له أن يُرى، وما صيغ لغويًا ليُفهم ضِمن أُفق سياسي محدّد. هكذا يُبنى التّعاطف، ويُوزّع الألم، وتُرسم حدود الإنسانية داخل الخَبَر وخارجه.

الصحافي، الذي يُقدَّم غالبًا كشاهد محايِد، ليس كذلك في الواقع. هو جُزء من سلسلة إنتاج معقّدة، تَبدأ من قرار اختيار الحَدَث نفسه. لماذا يُبرز خبر عن "هجوم" على مستوطنة، بينما يُدفن آخر عن اقتحام قرية فلسطينية؟ لا تكمن الإجابة في حجم الحدث وحده، بل في غرفة التحرير، حيث تتقاطَع السياسة مع السوق، واللغة مع الأجندة. هُنا، يَمرّ الخبر بدورة تصنيع كاملة: صِياغة عنوان يَجذب، اختيار صورة تُثير، توصيف فاعلين يَرسم خريطة أخلاقية صامتة. ليس أَخطَر ما في هذه العملية ما يُقال صراحة، بل ما يُحذَف بأَناقَة مهنيّة، تحت لافتة "الموضوعية".

في قَلب هذه البنية، تَندَلِع حرب مصطلحات يومية. اللغة ليسَت محايدة؛ هي سلاح يُشحذ باستمرار. يُوصَف الفلسطيني غالبًا كـ "مسلّح" أو "مهاجم" أو "مخرّب"، بلا اسم، بلا سيرة، بلا تفاصيل تَجعل منه إنسانًا كاملًا. في المقابل، يَحصُل الإسرائيلي على أنسنة كاملة: اسم، صورة، عائلة، قصّة حياة قُطعت فجأة. 

مصطلح "الدفاع عن النفس" يُستَدعى تلقائيًا ليغلق أيّ نقاش أخلاقي حول أصل العنف، بينما يُختزل الفعل الفلسطيني في خانة "الإرهاب"، خارج أيّ سياق سياسي أو تاريخي. هُنا، لا تَشرح اللغة الحَدث، بل تَحسمه مسبقًا.

أمّا تغييب السياق، فهو فعل سياسيّ بامتياز. في الخَبَر، لا يوجَد احتلال؛ هناك "توترات". لا حصار؛ بل "تعقيدات أمنية". لا قتل؛ بل "حادث". ليس هذا الغياب صدفةً لغوية، بل قرار تحريريّ واعٍ، لأنّ السياق يُهدد الرواية الجاهزة. السياق يَفتح الأسئلة: لماذا؟ منذ متى؟ ومن المستفيد؟ وحين تُحذف هذه الأسئلة، يتحوّل الصراع إلى سلسلة حوادث منفصلة، بلا جذور ولا مسؤوليات.

من هنا نصل إلى مسألة نسب العنف: القَتل بلا فاعل. عندما يُقتل فلسطيني، يُقال في الخبر: "أُصيب برصاص" — مَن أطلق النار؟ في أيّ ظرف؟ ولماذا؟ الفاعل يَختَفي، والجريمة تُغسل لغويًا من مسؤوليّتها. أمّا إذا كان الضحيّة إسرائيليًا، فالفاعل حاضر، موصوف، ومُدان سلفًا. هذه ليست مسألَة أسلوب صحافي، بل توزيع غير متكافئ للعدالة الرمزيّة، يحدّد من يَستحق الغضب العام، ومن يُدفع إلى هامش النسيان.

لكنّ المسأَلَة لا تتوقّف عند توصيف الفاعلين أو تغييب السياق، بل تمتد إلى ما يُمكن تسميته بالاقتصاد الأخلاقي للخَبَر: مَن يستحقّ أن يُروى أَلمه، ومن يُختزَل إلى رقم عابر. في هذا الاقتصاد، نادرًا ما يُمنح الفلسطيني اسمه، أو يُستدعى وجهه إلّا إذا خَدَم صورة نمطيّة جاهزة. شاب يُقتل عند حاجز، فتاة تُصاب في اقتحام ليلي، عائلة تُمحى تحت الأنقاض — كلّ ذلك يُعاد تدويره لغويًا بصيغة محايدة باردة، كأنّ الألم حَدَث تقنيّ لا تجربة بشرية.

في المقابل، يُستثمر الألم الإسرائيلي بوصفه مادة سرديّة كاملة: اسم، عمر، صورة من الألبوم العائلي، شهادة جار، تَعليق أُم. ليس لأنّ حياة الإسرائيلي أغلى، بل لأنّ النظام الإعلامي المهيمِن قرّر مسبقًا من هو القابل للتعاطُف، ومن هو فائض عن الحاجَة الأخلاقية. اللغة هنا لا تصِف الواقع، بل تَفرزه: تُقرر أيّ حياة تُرى، وأيّ موت يُنسى.

ولا يُمكن فَصل هذه البنية اللغوية عن القارئ نفسه. فالإعلام لا يكتفي بصناعة الرواية، بل يُعيد تدريب الجمهور على كيفيّة التّلقي: متى يغضب، ومتى يتعاطَف، ومتى يمرّ على الخبر بلا اكتراث. التّكرار اليومي لمفردات بعينها لا يَصنع موقفًا سياسيًا فقط، بل يُنتج اعتيادًا أخلاقيًا خطيرًا، يجعل العنف الموجّه ضدّ الفلسطيني طبيعيًا، أو على الأقَل غير مستحقّ للتوقّف.

في النهاية، اللغة الإعلامية ليست مرآة للواقع، بل عَدَسة مسيّسة. من يملك المفرَدَة، يَملك تَعريف الضّحية، وتحديد الجَلاد، وتوزيع التّعاطف. هذه ليست مسأَلَة انحياز مهنيّ فحسب، بل صناعة متكامِلة للهيمنة، تُدار من غُرف التّحرير، وتَستمرّ في تشكيل الصّراع، لا في الميدان فقط، بل في الوعي أيضًا.

إيهاب جبارين

باحث مختص بالشأن الإسرائيلي.

رأيك يهمنا