الإِعلام والسَّرديّة النّسوِيّة المُتَوازِنَة

لم يَعُد الإعلام في عصر المنصات المتعدّدة وسيادة الخوارزميات مجرّد وسيط يَنقل الحدث أو يضيء عليه، بل أصبح فضاءً يَصنع المعنى ويُعيد ترتيب أولويات القضايا وفق منطق الانتشار والتفاعل. وفي هذا الفضاء، يتشكّل الصوت النسوي ضمن شَبَكة معقّدة من التوقّعات والضغوط والرهانات. لم تَعُد المسألة متعلّقة بوجود النساء في الإعلام، فالحُضور بات واقعًا، وإنما بطبيعة هذا الحضور: هل هو حضور يُنتج خطابًا مستقلًا، أم حضور يُعاد تشكيله بما يَخدم اقتصاد الجَدَل ويغذّي الاستقطاب؟
في السياق السابق، يُمكن القول إنّ الإعلام لعب دورًا مركزيًا في إعادة رسم صورة المرأة في المجال العام، لكنّه كثيرًا ما وَقَع في فخّ القوالب الجاهزة. فالمرأة في البرامج الحوارية والمنصات الرقمية تُقدَّم غالبًا ضمن ثنائية حادّة؛ فهيَ إمّا صوتٌ تقليدي يُعيد تأكيد أنماط الخضوع، أو صوتٌ صداميّ يقوم على المواجهة والانفعال. يتمّ في الحالتين اختزال التجربة النسويّة في صورة قابلة للاستهلاك السريع، ويُعاد إنتاجها بوصفها مادة مثيرة للجدل لا باعتبارها مشروعًا فكريًا له ملامح واضحة وأهداف تراكميّة، وضمن أُطر هذه الثنائية تتحوّل المرأة من فاعلة في صياغة السرديّة إلى موضوع داخلها، وتغدو صورتها جزءًا من مشهدٍ يُدار بمنطق التريند لا بمنطق المعرفة.
تتجلّى هذه الثنائية في عددٍ من النماذج الإعلامية الشائعة، من بينها ياسمين عز ورضوى الشربيني، إذ تُقدِّم كلٌّ منهما طرحها لقضايا النساء من زاوية تبدو متعارضة؛ فإحداهما تَميل إلى خطاب يُعلي من شأن امتثال المرأة للأدوار التقليدية، فيما تتبنّى الأخرى خطابًا نقديًا حادًا تجاه هذه الأدوار. غير أنّ الإشكال لا يكمن في اختلاف المُنطلَقين أو تعارضهما، بل في طبيعة السياق الإعلامي الذي يُعاد فيه إنتاج هذين الصوتين. فكثيرًا ما تُقتطع المواقف الأكثَر حدّة وتُضخَّم، وتُصاغ العبارات بما يجعلها قابلة للتّداول السريع، في إطار تَحكُمه نِسَب المشاهَدة ومَنطق الإثارة.
بذلك، يُختزل النقاش حول قضايا النساء في ثنائية استقطابية تقصّر مشكلاتهنّ على علاقتهنّ بالرجال بعيدًا عن مكونات البنية الثقافية التي يتواجدنَ فيها (بنية قانونية، واقتصادية وسياسية)، وهو ما يقود نحو تراجع البُعد التحليلي العميق لصالح أداءٍ إعلامي يُقاس حضوره بمدى انتشاره لا بقُدرته على تفكيك البنية الثقافية أو إعادة مُساءَلتها.
بناء على ما سبق، يُمكن التأكيد على أنّ الإشكالات المرتبطة بالخطاب النسوي تَزيد وتتعمّق حين يُفصل عن سياقه الاجتماعي والسياسي والثقافي. فالقضايا المرتَبِطة بالعمل، والجسد، والقانون، والتّمثيل الإعلامي لا يمكن قراءِتها بمعزل عن الشروط التي تتحرّك داخلها المرأة؛ فما يُعدّ تحررًا في سياقٍ ما قد يكون ترفًا في سياقٍ آخر، وما يُطرح أولويّة في بيئة معيّنة قد لا يَحمل المَعنى ذاته في بيئة مختلفة.
إنّ تجاهُل السياق الذي يأتي الخطاب النسويّ ضمن أُطُره يُفضي إلى تعميمات سطحية تُحوّله إلى شعارات عابرة للحدود، فاقدة للتماس مع الواقع المعيش. لذلك فإن السرديّة النسوية المتوازنة هي تلك التي تُنصت لخصوصيّة اللحظة والمكان، وتُدرك أن العدالة ليست مفهومًا مُجرّدًا، بل ممارسة تتشكّل داخل شروط تاريخية واجتماعية محدَّدة.
كما أنّ السّياق لا يقتصر على الإطار المجتمعي العام، بل يمتد إلى طبيعة الوسيط الإعلامي نفسه؛ فخطاب يُقال في برنامج جماهيري تحكُمه ضرورات الإيقاع السريع ليس كخطاب يُكتب في مقال تحليلي أو دراسة بحثية، فاختلاف المنصّة يَفرِض اختلاف اللغة والأدوات ودرجة التفصيل.
إنّ الاعتدال الخطابي ومراعاة السياق هما الضامنان الأساسيّان لتوليد سرديّة نسويّة متوازنة لا تقوم على الانفعال ولا على الاسترضاء، بل على القدرة على إنتاج خطاب مستقلّ، قادر على نقد البنية الذكورية دون الوقوع في ردّ فعل عكسي يُعيد إنتاج منطق الهيمنة ذاته. فالتوازن هنا لا يَعني الحِياد البارد، بل يعني الاتزان المعرفي؛ أي الجَمع بين الحسّ النقدي والوعي بالتّعقيد، وبين الدفاع عن الحقوق وتجنّب تحويل الخطاب إلى معركة شعارات. فالسردية النسوية المتوازنة ترى في المرأة ذاتًا مفكّرة قادرة على صياغة معناها، لا مجرّد طرف في صراع ثنائي.
لعلّ إعادة تعريف القيادة والتأثير النسويّ في الإعلام تقتَضي تجاوُز فكرة "الصوت الأعلى" إلى "الصوت الأَعمَق"، فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بحدّة العبارة ولا بعدد المشاهَدات، بل بقدرة الخطاب على إعادة تشكيل الوعي وتوسيع أُفق التفكير، فليست المشكلة في تعدّد الأصوات النسوية في الإعلام، بل في البنية التي تُعيد تشكيل هذه الأصوات وفق منطق السوق الرّمزي.
إن إنتاج سردية نسوية متوازنة يقتضي استقلالًا معرفيًا ووعيًا نقديًا بطبيعة الوسيط، كما يقتضي شَجاعة الخروج من ثنائية الاستقطاب السّطحي. فالسردية النسوية الحقيقية ليست تلك التي تُصاغ لتنتصِر في جَدَل عابر، بل تلك التي تُراكم معرفة، وتبني وعيًا، وتُعيد تعريف حضور المرأة بوصفه حضورًا فاعلًا في صناعة المَعنى، لا مادةً في مشهدٍ يُستهلك سريعًا ثم يُستبدل.

إسراء عرفات
كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة



