خَريفُ المَنصّات التّقليديّة: الإِعلام البَديل يعُيد رَسْم خارطة التّأثير في أَمريكا

تَشهَد الولايات المتّحدة اليوم تحوّلًا هو الأبرَز في تاريخ علاقتها بـإسرائيل منذ عُقود. لم يَعُد الصراع في الشرق الأوسط مجرّد قضية خارجية تتابعها النُّخب في واشنطن، بل تحوّل إلى قضيّة رأي عام داخلي تَقسم الشارع وتُصيغ توجّهات الأجيال الصاعدة السياسية. إنّ حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل مؤخرًا لم تُسفر عن كارثة إنسانية في قطاع غزة فحسب، بل أدّت إلى تصدّع جدار الدّعم الشعبي الأمريكي المطلَق، وبروز وَعي نقديّ يَربط بين الأخلاق السياسية ومَصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية العليا.
حظيت السرديّة الإسرائيلية، على مدى سنوات طويلة، بحَصانة كاملة داخل المجتمع الأمريكي، مغلفةً بشعار "الديمقراطية الغربية التي تدافع عن نفسها". لكنّ المَشاهد الصادمة القادمة من غزة، التي توثّق استهداف المدنيين وتدمير البنى التحتية بشكل ممنهَج، أدّت إلى ردّة فعل سلبية لم تَعُد تَقتصر على الهَوامش السياسية. تؤكّد استطلاعات الرأي خلال العامين الماضيين أن غالبية الأمريكيين، وخاصة الشباب، بدأوا ينظرون للعلاقة مع إسرائيل بطريقة نقديّة غير مسبوقة، متسائلين عن أخلاقية الدعم العسكري والمالي اللامحدود الذي تقدمه واشنطن لدولة تُمارس سياسات إجراميّة موثّقة بالصوت والصورة.
إلى جانب البُعد الأخلاقي، ارتفعت أصوات وازنة داخل مراكز الأبحاث تَعتبر أنّ سياسات إسرائيل الإقليمية باتَت عبئًا على مصالح أمريكا الاستراتيجية. أَثارَت المحاوَلات المتكرّرة لجرّ واشنطن إلى مواجهة مباشرة مع إيران، رَغم معارَضة غالبية الرأي العام الأمريكي لأيّ مغامَرَة عسكرية جديدة، حَفيظة الرأي العام، حيث أَكّدت استطلاعات الرأي أنّ ثلثيّ المجتمع الأمريكي يُعارض ضرَبات جديدة على طهران ردًا على قمع النظام هناك حَرَكة الاحتجاج.
يُضاف إلى ذلك التحرّش السياسي بدُول حَليفة ووازنة مِثل قطَر، ومحاولات زعزعة الاستقرار في سورية التي باتت حليفًا جديدًا لواشنطن في المنطقة. أنهَكَت صراعات الشرق الأوسط دافعَ الضرائب الأمريكي الذي يُفضّل التركيز على التحديّات الاقتصادية الداخلية ومواجَهَة النفوذ الصيني المُتصاعد، بدلًا من التورّط في حروب تَخدم الأجندة الإسرائيلية فقط.
يتَجلّى هذا الإِنهاك الاستراتيجي بوضوح في ملفّ البَحر الأحمَر. ففي حين تدفَع إسرائيل واشنطن للانخراط في صراعات القَرن الأفريقي عبر الاعتراف بـ "صوماليلاند" وتكثيف القَصف في باب المندب، يَرى خبراء أمريكيون أنّ هذه المنطقة لم تَعُد حيوية للأمن القومي الأمريكي كما كانت في السابق. المفارَقَة هنا هي أنّ جنوب البحر الأحمر أصبح شريانًا حيويًا للتجارة الصينية، ومعظم الدول المطلّة عليه هي شركاء تجاريون لبكين. بهذا المَعنى، تَستَهلك الولايات المتحدة مواردها العسكرية والمالية لتأْمين طرق التجارة لخَصمها اللدود (الصين)، تنفيذًا لرغبات إسرائيلية استراتيجية، وهو ما يراه التيار "الانعِزالي" في أمريكا قمّة العبَث السياسي.
لم يكن هذا التحوّل في الوعي ليحدُث لولا الانقلاب الكبير الذي يحدُث في وسائل الإعلام الأمريكية. لعقود، عمِلَ الإعلام التقليدي (Mainstream Media) كحارِس بوابة للسرديّة الإسرائيلية، سواء كانت القنوات محسوبَة على اليسار مثل "MSNBC" أو الوسط كـ "CNN" أو اليمين كـ "Fox News"، فإنها جميعًا التزمت بسَقف محدّد لا يتجاوَز انتقاد إسرائيل بخجَل.
لكنّ صُعود وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصّات إعلامية غير تجارية تَعتمد على دَعم المُشاهدين ووسائل إعلامية مستقلة تتبَع شخصيات مؤثّرة في النقاش المجتمعي، تحديدًا "البودكاستر"، أدى إلى هذا التحوّل الكبير في الحيّز الإعلامي الأمريكي. ارتفاع اللهجة النقدية تجاه إسرائيل في الولايات المتحدة مرتبط عضويًا بانتشار الإعلام البديل.
جاء التحوّل الحقيقي مع بداية حرب الإبادة، حين همَّشت "MSNBC" الصحافي من أصول فلسطينية أيمن محيي الدين، وفَصل مهدي حسن، النجم الصاعد في الإعلام الأمريكي والمدافع المعروف عن الحقوق الفلسطينية. كان هذا القَمع المؤسسيّ بمثابة "الطَّلقة التي ارتدَّت" على أصحابها؛ فقد دُفع مهدي حسن لتأسيس منصته المستقلة "Zeteo" التي نالَت شعبية جارِفة، وأثبتَت أن الجُمهور الأمريكي متعطّش لتغطية لا تَخضَع لإملاءات المموِّلين أو شبكة المصالح السياسية المرتبطَة باللوبي الإسرائيلي.
لكنّ المفاجَأَة الكبرى كانت في وصول النقد الإعلامي إلى مَعاقل اليمين. تيار "الانعزاليين" الجَديد، الذي ينمو داخل الحزب الجمهوري، بدأَ يوجّه سهام نقده تِجاه سياسة واشنطن الشرق الأوسطية. باتَت شخصيات إعلامية مثل تاكر كارلسون -الذي عمل في وسائل يمينية وأَسّس مؤخرًا منصّة مستقلة- تُحرج النُّخب الجمهورية التقليدية، متَّهِمة إياهم بتقديم مصالح دولة أجنبية على مصالح المواطن الأمريكي. كما أن جو روغان، الذي يمتلك البودكاست الأكثر تأثيرًا في الولايات ويتابِعُه عشرات ملايين الشباب، وكان لَه دور محوري بفوز ترامب بالانتخابات السابقة، بدأ يستضيف شخصيّات يَرفُض الإعلام التقليديّ استضافتها لمعارضتها دعم أمريكا لإسرائيل. كَسَرت هذه المنصات البديلة الصَّمت وفَرَضت نقاشًا لم يكن مسموحًا به قبل سنوات.
تُرجِم هذا التأثير الإعلامي إلى انتصارات سياسية ميدانية، كما حَدَث في انتخابات بلدية نيويورك مع المرشَّح "زهران ممداني". رَغم الهُجوم الشّرس من وسائل الإعلام التقليدية كافة، واتّهامه باللاسامية ودَعم الإرهاب بسبب مواقِفه الداعمة لحركة المقاطعة (BDS) ووسمه لإسرائيل بـ "الأبرتهايد"، فإن ممداني استطاع الوصول للناخبين عبر المنصّات البديلة ووسائل التواصل الاجتماعي. كشَفَ فَشَل اللوبي في "شيطَنَة" ممداني في مدينة يتركّز فيها نفوذ اللوبي اليهودي عن حقيقة مهمّة: لم يَعُد جيل الشباب يصدّق السرديّات الجاهزة، والمنصّاتُ البديلة قادرة على حماية المرشَّحين من الاغتيال المَعنوي الإعلامي.
جَعَلَت ردّة الفعل الهستيرية تجاه التحوّل في السردية الإسرائيلية النخَبَ التقليدية تَشعر بفقدان السيطرة، حيث حاولت مواجَهَة هذا التحوّل بنَشر نظريات مؤامرة مُضحكة. على سبيل المثال، اتهمت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون منصة "تيك توك" المملوكة لشركة صينية بغَسل أدمغة الشباب تجاه إسرائيل. وصرحت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي أن روسيا تقف وراء المظاهرات الشبابية المعادية لإسرائيل في الولايات المتحدة.
أدّى خوف النخَب التقليدية بالكونغرس لسَنّ قانون يَفرض على الشركة الصينية المالكة منصَّةَ تيك توك بيعَ فرعها الأمريكي لشركة تكنولوجية أمريكية نصّبَت بدورها أمريكية من أَصل إسرائيلي على رأس الفرع الأمريكي للمنصّة!
تؤكّد ردّة الفعل الهستيرية للنخَب الأمريكية أمرَين. أولًا، لم يَعُد بإمكان هذه النُّخب أن تَبسط سيطرتها على النقاش المجتمَعي حول إسرائيل. فالحصانَة الكاملة التي تمتّعت بها إسرائيل سابقًا لم تَعُد موجودة، خاصة أن الجيل الشاب يستَقي معلوماته من منصات إعلامية لا تتأثّر بشبكة المَصالح التقليدية. ثانيًا، وسائل الإعلام التقليدية في حالة أُفول في الغرب عمومًا وعلى الراغبين بتغيير البوصلة الأمريكية في العَديد من الملفّات الأمريكية أن يبدأوا بالتفكير في اختراق المجتمع الأمريكي عَبر الوسائل البديلة. ستكون انتخابات ٢٠٢٨ تحديدًا مفصلية، حيث ستحاوِل حركة الاحتجاج الداعمة لفلسطين أن تُحرج السياسيين الداعمين لإسرائيل عَبر وسائل الإعلام البَديلة. إذا نجَحَوا بمواجهة سيرورة الإعلام التّقليدي عَبر الإعلام البديل، ممكن جدًا أن تُجبَر النخَب السياسية التقليدية على أن تتبنّى مواقف إيجابية تجاه القضية الفلسطينية لم يتوقّعها أَحَد في السّابق.




