لا بدَّ للقَيدِ أَن يَنكَسِر: عَشرَةُ أَعوام عَلى قانون التّرحيل "كامينتس"

في عام 2017، سنّ الكنيست الإسرائيليّ التعديل رقم 116 لقانون التنظيم والبناء في إسرائيل، وهو التعديل المًعروف بقانون "كامينتس" نسبةً إلى نائب المستشار القضائي لحكومة إسرائيل في حينه المحامي أيرز كامينتس الذي قادَ هذا التعديل الفاصِل. غيّر القانون جذريًّا منظومة التعامل مع مخالفات التنظيم والبناء ليزوّدَ السلطة القُطرية لمخالفات البناء بأسرَع وأوسَع وأقسى وسائل الهدم والتّرحيل والملاحَقة لأصحاب المباني غير المرخّصة، وليكون المجتمع العربي المستهدفَ الأول. 

يَبتغي هذا المقال الموجَز تسليط الضوء على الفكر والمنهجيّة التي سَبَقت قانون كامينتس ورَسَمَته، وتطبيقه على أرض الواقع مدّة عشرة أعوام، وما يجب أن نتعلّمَه ونعمَلَه لإِبطال هذا القانون الجائر. 

الأباطيل التي زيّنت القانون

بُنيَ قانون كامينتس على مجموعةٍ من الأباطيل، من مبرّرات ومسوّغات، بُغيتها إعطاء الشرعية للقانون والتستّر على هدفه الحقيقي، وهو ملاحَقة المواطنين العرب والنّيل من حقوقهم وكرامتهم وهويّتهم، ومنع تطوّر البلدات العربيّة وازدهارها. من هذه الأباطيل أُوجز الآتي:

أولًا، تصوير مخالفات التنظيم والبناء على أنها بلاءٌ أو طاعون يتفشّى في البلاد، وعلى الدولة أن تنتفِض وتعمل فورًا على استئصال هذا البلاء. (في مواد نقاش القانون تمّ استعمال المصطلح العبري "מכת מדינה").

ثانيًا، الادّعاء أن جهاز تطبيق قانون التنظيم والبناء الذي كان نافذًا عشية القانون غير ناجع ولا يَقوى على الّتعامل مع البلاء المذكور- بَلاءِ مخالفات التنظيم والبناء. بل ادّعى صنّاع قانون كامينتس أنّ المشكلة الحقيقية تكمُن في المحاكم التي تستجيب لطلبات أصحاب المباني إبطالَ أوامر الهدمِ أو تعليقها فتراتٍ مختلفة، وأنّ إخضاع أوامر الهدم إلى القضاء، وتداول شرعيّتها في القضاء، وضمان حقّ المواطن بالتوجّه للمحكَمَة، هو ما يعوّق تنفيذ أوامر الهَدم، وهو يَحول دون ترحيل المواطنين "المجرمين" بشكل سَريعٍ وواسع!

ثالثًا، تصوير العقاب الذي كانت المحاكِم تُنزله بأصحاب المباني غير المرخَّصة بعد إدانتهم بمخالفة التنظيم والبناء، ومنه الغرامة الماديّة عن البناء غير المرخّص، على أنّه "عقاب خفيف وغير رادع"، بل أنّه يزيّن في أعين المواطنين "المجرمين" الاستمرار في ارتكاب مخالفات التنظيم والبناء دون خوف من العواقِب ودون احتسابها.   

رابعًا، التستّر على حقيقة أن القانون صُنِعَ خصيصًا لتكثيف الهدم والتّرحيل في البلدات العربية بادعاء أنّ القانون يسري على كلّ البلاد وعلى كلّ المواطنين دونَما فرق! أَخفى صنّاع القانون بهذا الادعاء أنّ المتضرّر الأول والمباشر من هذا القانون هو البلدات العربية والمواطنون العرب الذين يُعانون من ظاهرة البناء غير المرخّص لانعدام التّخطيط العمراني في بلداتهم عقودًا فعقودًا. أضِف إلى ذلك القرى العربية البدوية غير المعترف بها في النقب، وهي كثيرة، ولا تعمل الدولة على تنظيمها بل على ترحيلها. 

استنادًا لهذه الأباطيل، كانت أهداف القانون: تزويد السّلطة القُطرية بأسرَع وأعنف وسائل الهدم ِوالملاحَقة الإدارية لأصحاب المباني، وإخراج المحاكم من دائرة التّعامل مع قضايا الهدم ومخالفات التنظيم والبناء، وكَسرِ إرادة المواطنين العرب وعزيمتهم على العيش في البلاد. 

مَنهجيّة تحقيق أهداف القانون الجائِرة  

وكَي تتحقّق هذه الأهداف الباطلة والظالمة والعنصرية ابتكر القانون منظومةً جديدةً للتعامل مع مخالفات التنظيم والبناء، تعتمد على المحاور الثلاثة الآتية:

المحور الأول: تحويل تطبيق القانون إلى تطبيق إداري، أي أن يتمّ التّعامُل مع مخالَفات التّنظيم والبناء بوسائل إدارية سريعة يمنحُها القانون للسلطة القُطرية لمخالفات التنظيم والبناء، مِثل: أوامر الهدم، أوامر إغلاق المباني، أوامر إيقاف العمل، أوامر مصادرة المركبات وغيرها. ولا يحتاج استعمال هذه الوسائل، كونها إدارية، إلى موافقة مسبَقَة من المحكمة، بل هو قرار ذاتيّ للموظفين المسؤولين في السلطة القُطرية للتنظيم والبناء، واللجان المحلية للتنظيم والبناء المخوّلة بممارسة هذه الوسائل. 

المحور الثاني: تعطيل الرقابة القضائية على أوامر الهدم والوسائل الإدارية الأخرى المتعلقّة بالتعامل مع مخالفات التنظيم والبناء. يتجلّى هذا الأمر بإسقاط صلاحية المحكمة إبطال أو تجميد أمرِ هدْم واقتصارها على حالات نادرة جدًا، وبإخضاع صلاحية المحكمة، إنْ وُجدت، لشروط تعجيزية وغير منطقيّة، وهو ما يجعل قُدرة المحكمة على إبطال هذه الأوامر أو تجميدها أو حتى النّظَر بشرعيّتها شبه معدومة! بل إن القانون يُخضِعُ حقّ المواطن المتضرّر من الأمر الإداري بالتوجّه للمحكمة من أجل إبطال الأمر أو تعليقه، لمجموعة شروطٍ مسبّقةٍ غير محمولة وجائرة على نحو يَجعل هذا الحقّ، حقّ التوجّه للقضاء، وهميًّا. 

المحور الثالث: سَنُّ عقوبات ماديّة جائرة وباهظة جدًا عن مخالفات التنظيم والبناء تتراوح بين مئات الآلاف إلى ملايين الشواقل على المحكمة إنزالها بصاحب المبنى بعد إدانته بالمخالفة. وبالإضافة للقانون نفسه، واستنادًا إليه، أَقرّت وزيرة القضاء أييلت شاكيد عام 2018 أحكام الغرامات الإدارية لمخالَفات التنظيم والبناء، والتي تخوّل مفتشي السلطة القُطرية لمخالفات التنظيم والبناء إصدار غرامات إدارية بحقّ صاحب المبنى أو الاستعمال غير المرخص بمبالغ باهظة محدَّدة في الأحكام حسب مساحة المبنى، لتكون الغرامة على مبنى أو استعمال مساحته 100 متر 300,000 ش.ج على الأقلّ. وإن كان صاحب المخالَفة شركةً فإنّ الغرامة تكون مضاعفة؛ أي 600,000 ش.ج، مع إمكانية إصدار غرامة يوميّة وفق ظروف المخالَفة. 

نتائج تطبيق القانون

تَفتَخر السلطة القُطرية للتنظيم والبناء وتتغنّى بـ "النّجاح الباهر" الذي حقَّقه قانون كامينتس على أرض الواقع، إذ تُشير المعطَيات حول تطبيق القانون منذ سَنِّه إلى حقبةٍ مريرةٍ من التّرحيل والهدم وخنق المواطنين العرب.

 ومن المظاهر الأساسيّة لهذه الحقبة أذكر ما يأتي: 

أولًا، منذ سنّ القانون أصدرت السلطة القُطرية ونفذَت آلاف أوامر الهدم وأوامر إيقاف العمل وأوامر إغلاق المباني في البلدات العربية، كما أوقَفَت الآلاف من حالات بدايات البناء، وصادرت مئات المَركبات التي ضبطَتها السلطة في مواقع البناء في البلدات العربية. 

ثانيًا، منذ عام 2018 حتى منتصف عام 2024 أصدرَت السلطة القُطرية غرامات إدارية عن مخالفات التنظيم والبناء بَلَغت نحو 420 مليون ش.ج. ووفق التقديرات فإن نحو 300 مليون ش.ج. من هذه الغرامات صَدَرت ضدّ المواطنين العرب، وعن المباني في البلدات العربية.

ثالثًا، تم استعمال قانون كامينتس بشكل عنيفٍ وكثيفٍ ضدّ الموطنين العرب البدو في النقب، ليتمّ من خلاله إصدار وتنفيذ آلاف أوامر الهدم والتّرحيل لعشرات التجمّعات والقرى البدوية في النقب، لترحّل الدولة المواطنين البدو سكّان هذه القرى والأحياء بالإكراه لمواقع لا يوافقون عليها ولا تُناسبهم. 

رابعًا، عجزت المحاكم في مئات الحالات التي تداولتها عن إبطال أو تعليق أوامر الهدم والأوامر الإدارية الأخرى، كما عَجزت عن إبطال وتخفيض الغرامات الإدارية الباهظة عن مخالفات التنظيم والبناء، متذرعةً بأنّها لا تملك صلاحية التدخّل وفق قانون كامينتس.  

خلاصة

بقانون كامينتس برّأَت الدولة نفسها من نصيبها في خلقِ ظاهرة البناء غير المرخص في البلدات العربية، وهي ثمرةُ تقاعُسها عمدًا عن تنظيم مسطحات البناء والتطوير في البلدات العربية وتوسيعها لأكثر من خمسين عامًا. بقانون كامينتس أصبح المجرِم- الدولة المقصّرة- ضحيّةً، وأصبحت الضحيّة- المواطن العربي الذي اضطره العيش للبناء غير المرخَّص- مجرمًا! 

وبنظرة ِشاملة، نَجِد أن قانون كامينتس فصلٌ من مشروع اليمين الحاكم المتطرّف في إسرائيل الهادف لتحطيم الأُسس الديموقراطية وجهازَ القضاء وتجريد المواطنين العرب من حقوقهم الأساسية، وقد عاينّا سائرَ فصول هذا المشروع بقانون "حجّة المعقولية" الذي يَمنع المحكَمة من مراقَبة وفحص قرارات الحكومة، وإقالة المستشارة القضائية للحكومة، وعدَم الاعتراف بالقاضي يستحاق عميت رئيسًا للمحكمة العليا، وغير ذلك من الخطوات القمعيّة لتثبيت حكم اليمين المتطرّف في البلاد.   

مع ذلك، ورغم قتام الصورَة، فلا مكان لليأس والاستسلام. بل إن حقّ المواطن العربيّ في العيش ككلّ مواطن بكرامةٍ ورَغَدٍ وأمان ومساواة يُلزمنا بمواصلة العمل على إبطال قانون كامينتس الجائر. سبيلنا لذلك بالانتخابات القريبة للكنيست ساعينَ إلى إسقاط الحكومة الحاليّة واستبدالها بحكومة معتدِلة قدرَ المستطاع تلتفتُ للمجتمع العربي وتُعنى بدعمه ورقيّه. كما علينا إيصال المَظالم والمآسي الحاصلة من قانون كامينتس إلى الإعلام العالمي ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية، ولهذا الأمر أثرٌ بالغٌ في النضال الشعبي والقضائيّ لإبطال القانون. علينا أيضًا أن نَدعم المواطنين المتضرّرين من قانون كامينتس بتزويدهم ما استطعنا بالتمثيل القضائي والدعم الفنيّ للدفاع عن بيوتهم ومعيشتهم، مؤمِنين بلا انقطاع بغَلَبَة العدل على الظلم وهاتفينَ وصارخينَ:

إذا الشعبُ يومًا أَرادَ الحياة/ فلا بدَّ أن يَستجيبَ القَدَر

ولا بدَّ للّيل أَن ينجَلي/ ولا بدَّ للقيدِ أن ينكَسِر

المحامي د. قيس ناصر

محاضر في كلية الحقوق في جامعة تل أبيب وجامعة حيفا.

رأيك يهمنا