نُزوحٌ وأَكثَر.. مَعَ شَظِيّةٍ في القَلْب

حَلّت الليالي المظلِمة مُسرعَة، لا لتنشُر رعبها فحسب، بل لتُنذر بقدوم غولٍ وحشيٍّ عازمٍ على التهام البشر وابتلاع المدن والأحياء، محولًا إياها إلى ركام. لقد أَراد هذا الغول التّمهيد لأفعاله بالتخلّص من الكثافة السكانيّة، متظاهرًا بالحرص على حياة مَن هُم في دائرة الخَطَر. هذا ما أَجبَر أكثر من نصف مليون إنسان في غزة، مطلع أكتوبر 2023، على النّزوح من منازلهم نحوَ المناطِق الواقعة جنوب الوادي، تحت وَقْع القذائف والأحزمة الناريّة، دون أن يمنَحَهم تذكِرَةً للعودة.

أتى إنذار الإخلاء على هواتف سكان غزة، ومفاده: "اخرجوا من منازلكم فورًا، أنتم تعيشون في محيطِ بنيَة عسكرية إرهابية". إنّها ليست رحلة عادية للتنزه والسياحة كما هو معروف تقليديًا، إنّها نَقَلات عذاب نوعيّة وجديدة على جيل غَير معتاد على النزوح والتّهجير، لتجعَل الناس يسيرون في مشوارٍ طويل وشاقّ على مدى عامين وأكثر، لا يرون أمامَ أعينهم إلّا الموت والقهر والإذلال والجوع، لنكتشف معه مبكرًا أصلَ المُخطَّط والوجع المنتظَر. كان الطريق الذي أُجبروا عليه مُظلمًا ومربِكًا، حيث لم يتمكّنوا من إلقاء نظرة في الخيال لليمين أو اليسار أو الرجوع من شدّة لهب الصواريخ الثقيلة التي انهمَرَت كالمطر الغزير على الأبنية السكنيّة دون أن يهدأ ثانيةً واحدة. إنّها مقدمة جيدة نوعًا ما بالنسبة إلى الذين سَمِعوا وشاهَدوا مِن بَعيد، إذ أُذكِّرهم وأُنعِش ذاكرتهم، تحسبًا من هَفَوات الزمن الذي قد يُنسيهم أكبر جريمة ارتُكبت ضدّ الإنسانية في القرن الأخير. وَجَدتُ نفسي ساردًا بالعموميّة، ونسيتُ أنّني وعائلتي كنّا مرغمينَ على الذهاب في تلك الرحلة اللعينة، لقد تعمّدتُ هذا النسيان المؤقَّت، راحةً ورحمةً بأنفسنا مما عشناه من جحيم. ولعلّ النسيان نِعمة كما يقولون! لكنّ هذا لا ينطبقُ علينا نحن بالذات هذا القول، وليس سهلًا أن نَطمِس تلك الليالي الطويلة من ذاكرتنا وهواجسنا حتى مع زِحام الدنيا وتَلاهيها، مهما تغيّر الحال والمكان، وابتعدنا جغرافيًا عن الوطن، يَبقى كلّ شيء مُخَزّنًا بلا تاريخ انتهاء. سأَعود إلى المَخْزَن وأسترجع الذي فات وأُلخّصه قدر المستطاع. 

كانت شِدّة النار كفيلةً بجعلنا نستشعِر الخَطَر القادم، بأنّنا سنُباد فعلًا، وحين أُنذرت منطقتُنا الواقعة وسَط المدينة بالإخلاء كأوّل منطقة سكنيّة لجمالها ورقيّ موقعها، تَركنا كرامتنا وذكرياتنا وملابسنا وكلّ شيء في المنزل، خوفًا على حياتنا مِن أَن نفقدها بسقفٍ ينطبق على رؤوسنا، فتصبح أشلاؤنا مندثرةً بين الحجارة، أو تصبح جثثنا متفحّمة، ولا نهاية غيرها.

قادَني هذا الشّعور إلى تأمين عائلتي في الجنوب عندَ الأقارب، لأُكمِل ممارسَة مهنتي في الإعلام وتغطية الأحداث الدمويّة وأحوال الناس المعيشيّة، ولم أصمِد كثيرًا في العمل مقارنةً بالحروب السابقة، لأنّ هذا الأمر كان ثقيلًا وموجعًا، كَوني معيلَ أسرةٍ ومسؤولًا عن إطعام أفراد عائلتي وتلبيةَ حاجاتهم. تركتُ سُترَتي الصحافية مرغمًا، وصرت نازحًا ومشردًا من بيتي، بل غير مُفيد ومنتِج كالسابق، لأجل عائلتي التي نقلتُها من مكان إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، هربًا من الإخلاء الذي طارَدَنا باستمرار، بحثًا عن الأمان الغائب. وكنّا حين نستقرّ في مكان معيَّن يملؤه النازحون مثلنا، يقول لنا أصحابُه: هذا فِراش لكم، وهذا مرحاض مشترَك للجميع، وهنا تحضّرون طعامكم. ونحن الغرباء غارقون بصمتِنا وحُزننا بسبب ما حَدَث لنا، وما كنّا نحن فيه سابقًا من حياة مستقرّة وآدمية.

بَدأَت المعاناة تطوّقنا حَدّ الاختناق حين نَستقبل أيّ يوم جديد، كأنّها حربٌ مشتعلة بداخلنا من نوع مختلِف، تقتُلنا ذاتيًا وتعذّبُنا على مدار اللحظة، ونتجرّع العذاب بصور متنوّعة كما نتنفّس، ناهيك عن قسوَة الحياة اليومية في ظلّ قلّة الطعام والمياه وغلاء الأسعار والعجز عن توفير مقوّمات العيش الآدمي وإهدار المال على طعامٍ مُعلب.

كانت وظيفتي الجديدة إحضار ما يتوفّر من طعام مشيًا على الأقدام يستغرق ساعات، وتوفير المياه المالحة التي كنّا نتقاسمُها، بانتظار أن يأتي دورُنا بعد أيّام للاستحمام، فكانت أجسادُنا تنحَف وتَهزَل بسبب قلّة الطعام الصحي، والسير مسافات طوال على أقدامنا، وكذلك تأثّرها بحالةٍ مركَّبة من الخوف والقلق والاكتئاب. ننجو من الموت في أيّ مكان نستقر به، أو نسير في الشارع، وحين ننام ونفيق على صوت الانفجار نُدرِك أنّنا نجونا حقًا، وبِتنا نَلعَن حياتنا ونتمنّى الموت كخيار وحيد للنجاة، ونحزن ونبكي قهرًا، ونُصدّر أزماتنا النفسية على بعضنا، ونتشاجَر مع القريب والبعيد معظمَ الوقت من شِدّة العصبيّة الزائدة وعدم القُدرة على التفكير والتصرُّف البنّاء. والحقيقة المُرّة أن المجتمَع انكَشَف تفكّكه في هذا الجَلَل والاختبار، والكلّ ينهش في الآخر تحت مبرّرات غريبة، ويفكّر بانتهازيّة في العيش.. وعذرًا يا مجتمَعي: لقد كنتُ قاسيًا ولن أعرّيك أكثر، خجلًا من الذي يَراك بصورة مغايرة عن التي عرفتُها عنك في الحرب، ولا تهمّني الظروف التي جعلتك هكذا، فقط كانت رغبتي أن أَراك رحيمًا ودودًا متماسكًا كجسدٍ واحد في الوجَع والفرج. 

الصورةُ التي نُشرت على القنوات الإخبارية: قتل وإبادة وقصف مجنون ودمار هائل، لكنّ الحرب الأكثرَ شراسة وفتكًا كانت في داخلنا، فهي هَزَمتنا حدَّ السقوط، وأوصلتنا لحالة بائسة، وصِرنا غير قادرين على النّهوض والبقاء. 

وهل يملك إنسانٌ نازح ومشرّد ويصاحبُه الموت أغلب الوقت، القُدرة على التّفكير وخلق آمالٍ لنفسه وعائلته في العودة إلى منزله الذي تركه قسرًا؟ ولا سؤال أهمّ منه راوَدَني طيلةَ أيام الحرب؛ هل سنعودُ لمدينتنا، أَم الأمر مستحيلٌ، ويتكرّرُ زمنُ نكبة الـ 48 في 2023؟

عدتُ إلى مدينتي في أوّل فرصةٍ لهدنة، فرأيتُها ركامًا وخرابًا؛ لا شجَر فيها ولا طير، ولا هواءَ نقيّ، ولا حجرَ في موضعه، حتى المعالِم التي كانت تدلّ على ذكرياتي هناك قد مُحيت. خفَّف عني هذا المشهَد القاسي بقاء منزلي شامخًا وسَط جبال من الحُطام المخيف، لم يكن جميلًا كما عهدته، فجدرانُه المشوهَّة وخواؤه من كلّ شيء جعلاه يبدو كوطن دافئ. لكن هذا الدفء لم يدُم طويلًا، فقد اضّطررت لتركه مجددًا حين استأنف الاحتلال عدوانه؛ كان ذلك وداعي الأخير له، إذ سَقَط أرضًا، وسَقَطت معه كرامتي وآمالي وطموحاتي وأحلامي داخل مدينة ميّتة. انتهت الرحلة الطويلة أخيرًا وانتهى معها كلّ شيء. غادرتُ حدود غزة وفي قلبي منها شظيّة، ولا عَجَب في ذلك؛ فقد عشتُ فيها طفولتي، وازدهاري، ومآسيَّ، وانكساراتي في زمن الحرب. لم تمنحني المدينة التي لا تعرف الهدوء منذ سنوات، خيارًا، ولطالما وجدتُ نفسي حيث يجب أَن أكون.

ليث شحادة

صحافي وكاتب فلسطيني من قطاع غزة.

رأيك يهمنا