نُزوح لا يَنتَهي | سيرَة شَعب يولَد ويُعاد اقتِلاعُه

وُلدْتُ لاجئًا، كما وُلد أبي قَبلي، وكما وُلد جدّي بعد أن اقتُلع مِن أرضِه الأُولى، في غزّة. لا يكون اللجوء حادثَة عابرَة في السّيرة، بل يصبح تعريفًا للهوية، وامتدادًا يوميًا لزمن لم ينتهِ منذ عام 1948. لَم يكُن نزوحُنا مجرّد انتقال مِن مكان إلى آخر، بل كان اقتلاعًا متكررًا من المَعنى، ومن الاستقرار، ومن الإحساس البَسيط بأنّ هذا المَكان يكفي. جدّي، الذي هُجّر من قرية زرنوقة عام النّكبة، حَمَل ذاكرة المَكان أكثَر مما حَمَل مِن مَتاع، ظلّ يُؤمِن أنّ النزوح مؤقَّت، وأنّ العودَة قريبة، وأنّ السّنوات لن تَطول، لكن بعد 78 عامًا، وَجَد نفسه يجُبر مرّة أخرى على النّزوح، لا مِن وطنٍ إلى مَنفى، بل من مَنفى إلى منفى آخر داخل الوطن نفسه، هذه المرّة، لم تكُن الخيمة فقط هي ما عادَ، بل عادَ معها الشُّعور القَديم أنّ الإنسان يمكن أَن يُسلَب مِن جذوره أكثرَ من مرّة، دون أن يُمنَح فرصَة حقيقيّة للثبات.

 في تجرُبتي الشخصيّة، لم يكُن النّزوح حدثًا واحدًا، كان سلسِلة من التحرّكات القسريّة، مِن بيتٍ إلى بيت، من حيّ إلى آخر، تحتَ ضَغط الخَوف أو القصف أو انعدام الأَمان، في كلّ مرة ، كنّا نغادر على عَجَل، نَحمل ما نستطيع، ونَترُك خلفَنا أشياء نعرف أنّنا قد لا نراها مجددًا؛ كتبٌ، صور، تفاصيل صغيرة كانت تشبهُنا. لا يُقاس النّزوح بعدد الكيلومترات، بل بحجم ما يُفقَد في كلّ مرّة، لكنّ ما يجعَل النّزوح في غزة مختلفًا هو أنّه يَحدُث داخل مساحة مغلقة أصلًا، نحن لا نَعبُر حدودًا دولية، بل نتحرّك داخل حدود ضيّقة، مع ذلك نحمِل صفة النازحين، وهذا يَطرح سؤالًا قانونيًا وإنسانيًا: ماذا يَعني أن تكون نازحًا داخليًا في مكان محاصَر؟ وما الذي يميّز هذا النّوع من النزوح عن اللجوء التقليدي؟ 

وِفق القانون الدولي، يُعرّف اللاجئ بأنه من اضطر لمغادرة بلده بسبب الخوف من الاضطهاد أو الحرب، بينما يُعتبَر النازح الداخلي من يُجبر على مغادَرَة منزله دون أن يَعبُر حدود الدولة، لكن في حالتنا، تَبدو هذه التّعريفات قاصِرة، نحن لاجئون منذ 1948، ونازحون في الحاضر، ومحرومون من حقّ العودة ومن حقّ الاستقرار في آن واحد

تحوّلت المخيّمات، التي كان يُفتَرَض أن تكون حلًّا مؤقتًا، إلى أماكن دائمة للحياة، لكنّها ليست مجرّد تَجمّعات سكنيّة، بل فضاءات مُشبعَة بالذاكرة والانتظار، في المخيَّم، يَكُبر الأطفال وَهُم يحملون أسماء قرى لم يرَوها، ويتعلّمون أن الانتماء ليس دائمًا مرتبطًا بالمكان الذي يعيشون فيه، بل بالمكان الذي حُرموا منه. يَترك النزوح المتكرّر آثارًا عميقة تتجاوَز الجانب الماديّ، هو يُعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، ويُضعِف الإحساس بالأمان، ويخلِق حالةً دائمة منَ القَلَق وعَدم اليقين، حين لا يَعرف الإنسان إن كان سيبقى في مكانه غدًا، يُصبح التّخطيط للمستقبَل رفاهية، وحين تتكرّر التجربة، يتحوّل النّزوح إلى نمطِ حياة، لا إلى استثناء. 

على المستَوى النفسيّ، يولّد النزوحُ شعورًا مزدوجًا بفقدان السيطرة، والاعتياد القاسي. نحن نتألّم في كلّ مرّة، لكننا نتعلم أيضًا كيف نحزِم حقائِبنا بسرعة، كيف نودّع دون يقين، وكيف نبدأُ من جَديد بأقل الإمكانيات، هذه القدرة ليست قوة بقدر ما هي ضرورة. 

سياسيًا، النزوح ليسَ مجرّد نتيجة لحرب الإبادة الجَماعيّة، بل أداة تُعيد تَشكيل الواقع، هو يفرّغ الأماكن من سكانها، ويُعيد توزيعَهم، ويَخلق وقائع جديدة على الأرض، لذلك، لا يُمكن فَهم النزوح بمَعزَل عن السّياق الأوسَع: الصراع، الاحتلال، وانسداد الأفق السياسي، مع ذلك، وسط هذا كلّه، يبقى هناك شيء لا يُنتَزع بسهولة ألا وهي الذاكرة. لم يفقِد جديّ -الذي نَزَح في عدد قياسي يُمكن لموسوعة جينيس أن تصنَع لقاء معه إذا أرادت عن عدد مرات نزوحه في ٩٧ سنة يعيشها إلى الآن منذ ١٩٢٩- اسم قريته، وأبي الذي عاش عمره في المخيم، مخيم الشاطئ على ساحل مدينة غزة، لم يتوقَّف عن الحديث عن العودة، وأنا، رغم كلّ ما رأيت، ما زلت أُؤمن أن الحكاية لم تنته بعد، بل هناك أمل لشعب عظيم. 

النزوح في حالتنا ليس فقط مأساة إنسانية، بل قصّة صمود معقدة، هو دليل على هشاشَة الحياة تحت القهر، لكنّه أيضًا شهادة على قدرة الإنسان على الاستمرار، حتى حين يُجبر على البدء من الصفر مرارًا.  

في النهاية، ربما يكون أخطر ما في النزوح ليس فُقدان المكان، بل الاعتياد على فُقدانه، لذلك، تَبقى الكتابة عنه ضرورة، ليس فقط لتوثيق الأَلَم، بل لمقاومة تحولّه إلى أَمر عاديّ، لأنّ ما يَحدث ليس طبيعيًا، ولن يكون، لسنا عابرين في هذا العالَم، نحن الذين نَحمِل بيوتنا في الذاكرة حين تُسلَب منّا على الأرض، وإن طالَ النزوح وتكرّر، تَبقى فينا جذور لا تقتَلَع، وحكاية تَرفض أن تُمحى، سنظلّ نكتب أسماءَنا على الطريق لا لنُثبت أنّنا مرّرنا من هنا، بل لنقول إننا لم نُغادر أبدًا.

يحيى الحمارنة

كاتب باحث ولاجئ فلسطيني من قطاع غزة، درس العلوم السياسية العلاقات الدولية والدبلوماسية من جامعة الأزهر. يركز في كتاباته على قضايا حقوق الإنسان والعدالة والقانون الدولي والسياسة الدولية.

رأيك يهمنا