ما وَراءَ الجَغرافيا.. حينَ تُهاجِر الرّوحُ ويَغْتَرِبُ الجَسَد

أصعَبُ أنواع الرّحيل ليس ذلك الذي تَمضي فيه نحو المَجهول، بل ذلك الذي تلتَفِت فيه وراءَك فلا تجُد وراءً تَعود إليه، حيث أصبحَ البيتُ رُكامًا، وأصبحت الروح لاجئةً في ذكريات مكان لم يَعُد موجودًا إلّا في وجع القصائد.
عندما تتردّد كلمة "النزوح" في الفضاءات الأكاديمية أو التقارير الحقوقية، غالبًا ما يتمّ اختزالها في إطار "انتقال قَسريّ للسكان" أو "تغيّر ديموغرافي" ناتج عن النزاعات المسلَّحة. لكن، من قلبِ التجرِبة المَعيشَة في قطاع غزة، تبدو هذه التّعريفات قاصِرَة عَن الإحاطة بالزلزال الوجودي الذي يَضرِب أعماق الكيان الإنساني. ليس النزوح بالنسبة لي مجرّد إِحداثيّات جغرافية تتبدّل تحتَ وطأة النار، بل هو اللحظة التي تَخرُج فيها الروح من الجسد لتظلّ عالقة في زوايا بيت قديم، بينما يَمضي الجسد هائمًا في فضاءات غَريبة، محاولًا لملمة بقايا هويّة تشظّت بين الركام.
سُقوط الجغرافيا من المخيّلة
لا يمكن قراءة النزوح في السّياق الفلسطيني بمعزِل عن كونه أداةً سياسية استعمارية تَهدف إلى "هَندَسَة العَدَم". الاحتلال لا يَستهدف تدمير البنية التحتية فحسب، بل يَسعى إلى تدمير "الخَريطة الذهنيّة" للفرد. حين أُجبرتُ على مغادَرَة حيّزي المكانيّ، لم يكن الأمر مجرّد رحيل جَسَديّ، بل كان سقوطًا مروعًا للجغرافيا مِن مخيّلتي.
إنّ سياسَة "تَذرير المَكان" – المقصود هنا تَحويل المكان إلى ذرات بمعنى (تفكيك المكان وتحويله من وحدة متكاملة، مترابطة، وذات معنى اجتماعي وتاريخي، إلى أجزاء صغيرة معزولة ومنفصلة عن بعضها البعض) - تُحيل المدن التي كانت تضجّ بالحياة والذاكرة إلى "مربّعات أمنيّة" صمّاء، خالية من أيّ دلالة حيوية أو اجتماعية. هنا، يتحوّل النزوح من ظاهرة فيزيائية إلى فِعلِ "بترٍ سياسي" يهدف إلى تجريد الإنسان من مرجعيّته المكانيّة، ليُصبح عبارة عن "وِحدَة بيولوجية" تتحرّك في فضاء لا تَملك فيه أيّ سيادة أو انتماء، مما يؤدي إلى حالة من "التّيه الجغرافي" الذي يسبق التّيه الجسدي.
الاغتراب داخل الحَيّز الخاص
ثمة بُعد سيكولوجي واجتماعي غايةً في التّعقيد يسبِق لحظة الرّحيل الفعليّة، وهو ما أُسميه "النزوح الصّامت". لقد عشتُ هذه الحالة حين بدأتُ أَفقِد القُدرة على الشّعور بالحياة داخل جدران منزلي قبل قصفه. عندما يتحوّل "البيت" من كونه "ملاذًا " يوفّر الأمان والاستقرار، إلى مجرّد هيكَلٍ خرساني يفتَقِر للماء والكهرباء والسَّكينة، تبدأُ الروح في النزوح عنه داخليًا.
هذا النوع من النزوح هو الأشدّ؛ لأنّه يَكسر الرابطة الروحية بين الإنسان ومحيطه. لقد اختبرتُ ذلك الشّعور بالاغتراب وأنا لا أزال تحتَ سقفي، حيث أصبحَت الشوارع التي حَفِظَت خطواتي غريبة عنّي، وتحوّلت الوجوه المألوفة إلى أطياف تُطارِدها هواجس البقاء. في غزة، نحن نازحون في واقعنا الخاصّ قبل أن نكون نازحين في خيامنا؛ لقد غادَرَتنا "الحياة" ونحن ما زلنا قابِعين في أماكننا.
انكسار الهويّة
يمثّل النزوح القسريّ انقطاعًا حادًا في "المَسار المعيشيّ" وتدميرًا ممنهجًا للهوية المهنية والاجتماعية. لقد انتقلتُ من كوني إنسانًا فاعلًا، منتجًا، يمتلك خُطة للمستقبل، إلى مجرّد رقم في طابور طويل ينتظر المساعدات الإغاثية. لا يقتصر أثَر هذا التحوّل على الجانب الماديّ، بل يمتدّ ليَضرب صميم "الكرامة الإنسانية" ويخلِق حالة من "الهشاشة المطلَقة".
اجتماعيًا، يؤدّي النزوح إلى تفكيك "البنية الأسريّة الممتدَة" التي كانت تشكّل صمام الأمان المجتمَعي. في بيئات النزوح المكتظّة، تتلاشى الحُدود بين العام والخاص، وتُفرض أدوار جندريّة واجتماعية قسريّة. لقد وَجَدتُ نفسي في مواجهةِ تمزُّق حادّ في النّسيج الاجتماعي الذي كان يمدّني بالدّعم، حيث تبعثَرَت العائلة وتحوّلت الجيرة إلى ذكريات، مما ولّد شعورًا بالوحدة الوجودية رغم الازدحام الخانق في مراكز الإيواء.
"خروج الروح": الأمان ذكرى مستحيلة
مِنَ المنظور النّفسي، النزوح هو عمليّة "انفصام" بين الذات والمَكان. في حالَتي الخاصّة، كان النزوح بمثابة خروج الرّوح من الجسد؛ فالجسد يمارِس طقوس البقاء اليومية في خيمةٍ ومركز إيواء، بينما الروح ظلّت رهينة الذكرى، تَحرسُ بقايا مكتبة، ورائحة ياسمين، وركنًا هادئًا كان مخصّصًا للقراءة، وأحيانًا للتّحديق فقط في اللاشيء، اه والله في اللاشيء.
خَلَقَت هذه الحالة من "اللايقين المزمِن" ما يُعرَف بـ "قَلَق الحقيبَة الجاهزة"؛ حيث تظلّ متعلّقاتُك الأساسية حبيسَة حقيبة صَغيرة بجانب الباب، في إشارة رمزيّة إلى رفض الجسد للاستقرار في أيّ مكان جديد. إنّ الدماغ البشري، تحت وطأة النزوح المستمِر، يتوقّف عن الحلم والنمو، وينكمِش ليرّكز فقط على "غريزة البَقاء"، مما يقتُل القُدرة على الإبداع أو بناء تصورّات مستقبليّة. إنّ إعادَة بناء "الإحساس بالأمان" تتطلّب جهدًا يتجاوَز إعادة الإعمار المادي؛ فهي تتطلَّب ترميمًا لثقة الإنسان بالعالم كحيّز قابل للاحتواء.
ليس النزوح مجرّد رحلةٍ مريرة من الشمال إلى الجنوب، أو من مدينة إلى أُخرى؛ إنّه اغترابٌ كونيّ يشعُر فيه الإنسان بأنّه فقد بوصلته الداخليّة. إنّني من خلال منصّة "سين 48"، أُحاول توثيق هذه الحالَة الخاصّة لأؤكد أنّ مواجَهَة النّزوح تبدأ بالاعتراف بأَبعاده غير المرئيّة.
إنّ العودة التي أَنشُدُها ليست مجرّد استرجاع لقطعَة أرض، بل هي فعلُ "استرداد للروح" التي خَرَجت من أجسادنا، وإِعادة بناء للجغرافيا التي سَقَطت من مخيلتنا. العودَة هي الحقّ في أن نكون "مستقرّين"، ليس فقط في بيوتنا، بل في ذواتنا وقدرتنا على الحلم دون خوف من اقتلاعٍ جديد. إنّ النزوح هو "الجرحُ الصّامت" في الرواية الفلسطينية، وترميمه يَبدأ بجَعل هذه الصرخات الإنسانية جزءًا أصيلًا من المعرفة الأكاديمية والسياسية العالميّة، لعلّ العالَم يدرِك يومًا أنّ البيت ليس مجرّد جدران، بل هو الامتداد الجغرافي للروح.

د. إسلام موسى (عطا الله)
باحث فلسطيني متخصص في العلوم السياسية، حاصل على دكتوراه من جامعة قرطاج بتونس. يعمل في وحدة أبحاث الأمن القومي بمركز التخطيط الفلسطيني، وباحثًا رئيسيًا في المركز الفرنسي لبحوث وتحليل السياسات الدولية (CFRAPI) في باريس. تركز أبحاثه على الأمن القومي والتحولات السياسية في الشرق الأوسط.



