النّزوح الّلامَرئي المَرئي: هَندَسَة المُخَيّمات بالانْتِباذ السايكُولوجي

إنّ حالةَ النّزوح أَصبَحَت ملازِمَة لأفكار الفلسطيني اليوميّة، حتى اللاجئ في مخيَّمه، يَنظُر إلى فَضاء المخيم الذي بُنيَ كـ "محطّة انتظار" لتَأجيل فكرة العودة إلى القرى والمدن المهجَّرة الفلسطينية، مقابِل تثبيت الجَماعات الصهيونيّة في موطِن اللاجئين.
لعلّ أَحدَث وأهمّ ظواهر النزوح في الألفية الثالثة هو نزوح الملايين من الشعب السوريّ إلى عَديد الدول الأوروبية والعربية، ونزوح ما يقارب المليون ونصف المليون فلسطيني من شمال القطاع إلى محافظات الجَنوب منه، ونزوح سكان الجنوب اللبناني إلى وسط لبنان وشماله، ولو كان نزوحًا مؤقتًا.
إنّ كلّ أنواع التّهجير المذكورَة تلتقي في تَقاطعيّة منطقيّة مشتركة، وهي مبدأ "سياسات الإخضاع"، وهو ما طرَحته بتلر في كتابها "الحياة النفسيّة للسلطة: نظريات في الإخضاع" وكانت نظرياتها منهلًا مركزيًا لرسالتي الماجستير التي دَرَستُ فيها ظاهرة "الأثَر النفسيّ المجتمعي لتشكيل الهيتروتوبيا كسياسَة من سياسات الإخضاع النفسي والمادي المنفَّذ من الاحتلال على المخيمات الفلسطينية قَبلَ وبَعد توقيع اتفاقيتيّ أوسلو".
وقد خَلُصت الدراسة إلى الاتفاق المشتَرَك بين نظرية الهيتروتوبيا، التي تعني النّظرة الآخرية أو الغَيريّة من السلطة نحو الذات، التي تسببّ انتباذ الذات (في شكلَيها الأفراد والمؤسسات) ونظريّات الإخضاع المطبَّقة في مستويات التحليل النفسي المجتمعي في فضاءات المخيمات الفلسطينية، في الأَبعاد المادية والنفسية.
وطبقًا لنتائج الرسالة، أَخوض هنا في مسأَلة النزوح اللامرئي، حين يأتي النزوح كتداعٍ ونتيجة حتميّة لممارَسات الانتباذ ضدّ الذات المستعمَرَة ليؤدّي بها المَطاف إلى النزوح والتشظّي الاجتماعي.
يَحدُث النزوح اللامرئي، بأَساليب متنوّعة وخلّاقة، ويمكن حصرُها بشكل أوليّ في أدوات الاستعمار النيوليبرالي، مستخدمًا التفوّق التكنولوجي والرَقَمي لغاية إخضاع المستعمَرين، بل ويَعمل على تسخير هذه الأدوات وتحديثها أولًا بأوّل للحفاظ على وجوده المتفوّق على الآخر المتخلّف الغارق في الحياة المادية والنفسية المنبوذَة، بشكلٍ لا يمكن مقاوَمَته ولا الخَلاص منه.
إنّ تشكيل كبسولةٍ "هيتيرية" ليَعيش المستعمَرون بداخلها في ظروف المراقبَة والمعاقبَة، حسب ما طَرَح ميشيل فوكو، يعني أن تكون الكبسولة سبيل العيش الوحيد؛ حتى الخروج من الكبسولة ودخولها توضَع له شروط، أمّا دخول المستعمَر إلى فضاء المستعمِر والمستوطن، فهو أمرٌ في غايَة التّعقيد، هذا على الرّغم من أنّ الفلسطيني ابتكَر طُرق تهريب إلى داخل أراضي 48 لغرض العمل والسياحة أيضًا.
إنّ مطاردة الفلسطينيين في كلّ تفاصيل حياتهم، وتحويل فلسطين إلى سجن كبير، تمارَس فيه كلّ فنون القمع والتّغريب والتّهويد والمصادرَة والحصار المكاني وتَحديد التنقّل والتّجويع والحرمان من العلاج، لهي أساليب نُزوح لا مرئيّة، تحضِّر لِفِلسطينيِّ جاهز للحظة الطّرد والنّفي من موطنه بعد استنزاف كلّ طاقاته، وتَجريده مما تبقّى لدَيه من مُرونة، وإرادَة.
لقد أثبتَ الفلسطيني في حرب الإبادة، أنّ كلّ وسائل الإبادة -وعلى رأسها التجويع والمَجازر من جهة، وحصار الفلسطينيين ومنعَهم من العبور من خلال معبر رفح- وَضَعَت الفلسطيني أَمام خيار واحد فقط، هو الموت أو استقبال فكرة الموت والتّصالح معها، فهي السبيل الوَحيد للخَلاص من آلة الموت التي تُرهب الأطفال والكبار، والمشكِلة هنا أصبحَت أن فكرة الرضى بخيار الموت لدى الفلسطيني لا تُشبع القاتل الصهيونيّ، فقد وَصَل إلى مستوى الجُنون اللانهائي في القتل والسّجن.
لذا علينا أن نتخيّل الآن، فلسطينيًا عاجزًا مسَلّمًا خاضعًا متقبلًا لأيّ شيء سيحدث له، ومقابِلَه قاتلٌ مسعور ذو فكرٍ ونظرة فوقية لاغية للآخر، لا تكترِث لضعفِه وقلّة حيلته، حتى لو خَضَع لكلّ شروط القاتل وطلباته، مثل عدَم الصّراخ عند الاغتصاب في السجن، فهو في هذه الحالة تجاوَز فكرَة الموت بآلاف الأميال، أي لَم تَعُد فكرة القتل أو الإعدام تُخيف الأسير في هذه الحالة، لأنّ فاشيّة السجّان الصهيوني لم تترُك للفلسطينيّ مجالًا ليفكّر بأَبسَط شُروط الأَمان الجسديّ والمادي.
في مشهَد الإبادة هناكَ شكلان من الفلسطينيين، فالشّكل الأول هو الفلسطينيون الذين يتعرّضون لشتى أساليب الإخضاع والإبادة، والشّكل الثاني هو الفلسطينيون الذين يَشهدون هذه الإبادة من بَعيد، في الضفة الغربية، ويتعرّضون لأساليب إخضاع مختلفة عن تلك التي في قطاع غزة، لكن يأْتي أسلوب الإخضاع المستحدَث في هذه الإبادة، بأن يكون الفلسطينيّ شاهدًا على سياسات متوقّعة مستقبلًا، وتضَع الفلسطينيين هنا في خانة القَلَق من أَسوَأ التوقّعات، وتجعَلُهم يَقبَلون بأيّ سياسات إخضاع قديمة مثل الحواجز والإغلاقات ومنع التنقّل بين المحافظات، وجديدة مثل بطالة العمال الذين كانوا يَعملون في أراضي عام 1948، وغلاء المعيشَة في ظلّ ارتفاع أسعار النّفط، كما أنّ استعداد الفلسطينيين لمرحلة المَجاعة من خلال تخزين المؤن الأساسية فور بدء الحرب الإيرانية الأمريكية، مِن مؤشّرات عدَم الأمان، ويزيد هذه الحالة تفاقمًا تَحَسُّبات بعض الفلسطينيين من هجوم المستوطنين على البيوت أو مخازِن المؤَن لإحداث مَجاعة، فقد أصبح الفلسطينيون في الضفة الغربية على يقين بأنّ المستوطنين يتمّ شحذهم لتنفيذ هجمات ومصادرات أراضٍ وأملاك ومياه وإتلاف المحاصيل وقطع الأشجار وحرق الثّروة الحيوانية، لأنّ كلّ ما ذكَرته قد حصل فعليًا، دون أيّ تحرّك من النظام الدوليّ المنشَغِل في تجاذُبات المصالح وتقسيم العالَم بين الأقوياء، ولا يتوقّع الفلسطينيون أنّ هناك من سيلتفت لمسألة الأمن والاستقلال والسيّادة، حتى خيار المقاومَة المسلحة يكاد أن يَختفي في ظلّ تَصعيد ممارسات الإخضاع، وهُنا أهمّها قرار الكنيست المتعلّق بإعدام الأَسرى، وهذا ما أَثبَتَ أنّ كلّ المعاهَدات الدوليّة المتعلّقة بالأسرى والحروب هي معاهَدات ببنود فَضفاضَة، فالحالة الفلسطينيّة بحاجة إلى تَحديث وضعها القانوني الدولي بشكل استثنائي، لتكون القوانين أكثَر فعالية وتأثيرًا لصالح الفلسطينيين، لكنّ طبيعة التّشكيل القانوني لهذه المعاهَدات يَخضع للأطراف القويّة والمهيمنة في العالم، وهي أكثَر الدول التي تستطيع الاستفادة من هذه المعاهدات.
تُحيلُنا كلّ الأفكار الرئيسية المطروحة أعلاه إلى نتيجة أن النزوح القسريّ قد يأتي كتحصيلِ حاصل، أو قد يكون مخططًا بشكلٍ مدروس وحصين، أو الاثنين معًا، فمبدأ الاستقواء من الجَماعات الدينية الصهيونية المتطرّفة التي لم تشارِك ولا مرّة في أيّ حرب من حروب اسرائيل، وبروز دور هذه الجَماعات في هذه المرحلة الهشّة من تاريخ الشعب الفلسطيني بتنفيذ هجَمات تشبه هجَمات العصابات الصهيونية في العام 1948، وإثارة مطامِعِهم وحرفهِم عن المناطق الساحلية من إسرائيل التي تُعتبَر مناطق علمانية، يعبّر عن انزياح في المَشروع الصهيوني، ينمّ عن خلافات داخلية بين الوسط العلماني والوسط المتديّن، إلّا أنّه يشكّل في جميع حالاته تهديدًا خطرًا على أمن الفلسطينيين، فقد برزت حراكات لمجموعات المستوطنين الذين يحاولون طردَ الفلسطينيين من بيوتهم تحت التهديد، وفي كلّ مرّة يُجيب هؤلاء الفلسطينيون: "وين أروح؟ انت الّلي اطلع من أرضي وارجع على بلَدك اللي جيت منها!".
هذا المشهَد قد يَحدُث بهذه الثقة والقوّة من الفلسطيني، لكن هذه القوة قد تُثير دَوافع المستوطنين لتشكيل عصابات نَهبٍ وحَرقٍ وقَتلٍ، وهو ما قد يستَدعي بعض الفلسطينيين للنزوح إلى مناطق أكثر أمنًا، داخل فلسطين أو خارجها.
لا يُمكن تلطيف فكرة النزوح، وأيضًا لا يُمكن تهويلها واستدخالها اللاواعي في الذّات الفلسطينية العَنيدة، لأنّ أقسى التّجارب التاريخية تحرّض الفلسطيني على التمسّك بأرضه وبأقلّ سبل العيش الممكنة، وهذه نقطة قوّة الفلسطيني، ولا تزال الذّاكرة تَعي تمامًا أنّ هذا الاحتلال ليس صاحب الأرض، فهذه أكثرُ نقاط ضعفِه حساسيّة. ليس هناك استعمار خلِّد في التاريخ، لذا ليس المخيّم هو الحالة المؤقَّتة، بل إن الاحتلال هو المؤقَّت!

تانيا كرجة
باحثة وصحافية فلسطينية، تميل للفلسفة والنقد الماركسي الجَدَلي، وتؤمن بأن الخلاص لا يأتي بالفكر النقدي فقط، بل بممارسته حتى يتحقق التحرّر.



