حينَ يُصبِح الغَدُ غَير قابِل للتّخطيط: عَن النّزوح كَزَمَن مُمتَدّ

في كلّ مَرة يُذكر فيها النزوح، تتكرّر المَشاهد ذاتها في مخيّلاتنا؛ عائلاتٌ تَحمل ما استطاعَت من أمتِعة، ووجوهٌ مذعورة تغادِر المَكان تحت التّهديد في مُهلة محدّدة من الوقت وربّما على الفور.. لحظةٌ مكثَّفة، دراميّة، قابلة للتّصوير والتّداول؛ لكنّه على الرغم من وضوح المَشهد فإنّ المَصير مجهول، فالنّازح لا يعلَم إلى أين وإلى مَن يلتجئ عندما تَدور عَجَلة الزمن سريعًا لتعود وتقف في مكانها تائهة.
لا يبدأ النّزوح بالحَقائب، بل يبدأ بنزوح الأمن والاستقرار أولًا من ذِهن النازح، إذ لا يَعود اليوم يشبِه الأمس كما كان، ولا يَبقى الغدُ قابلًا للتخيّل كيفَ يمكِنُ أن يكون.
حين ينزَح الأمان من ذهن النازح، تَفقد الحياة تفاصيلها الصغيرة، ويتحوّل المكان من مَأوى إلى عبء، يبدأ شكلٌ آخر من النزوح. مسارٌ بطيء من التآكل، يتفكّك تدريجيًا بتبدّل إيقاع الأيام، ويطالُ أبسَطَ التفاصيل، كفنجان قهوة في الصّباح، أو الجلوس على الشّرفَة، عندَها.. تَبدأ معاناة جديدة مع النزوح مَشروطة بالخوف أو الترقّب.
هذا النزوح لا تلتَقِطه الكاميرات، ولا يُحصى كَأرقام، بل يَترُك أَثَره في علاقة الإنسان بمكانه، وبذاته. أَثرٌ لا يُرى بسهولة، لكنّه يتسلّل إلى الإحساس اليوميّ بالحياة، ويُعيد تشكيل معنى الاستقرار.
مَع ذلك، يَظلّ خارجَ ما يُروى ويُعرَض، فالإعلام بطبيعته، يبحث عمّا هو مكثّف وقابل للتّجسيد البَصَري: لحظة الخُروج، الصّراخ، الدّمار، الوجوهٌ المذعورة، والبيوت المهدّمة. يُعاد تشكيل النزوح كحدَث لحظيّ يمكِن التقاطُه في صورة أو تقرير عاجل، بينما تُهمَّش المَراحل التي تسبقُه وتَليه لأنّها أقلّ وضوحًا وأصعب تجسيدًا، لا يُختزَل النزوح بل يُعاد تعريفه ضمنيًا كواقعَة عابِرة، تنتهي بمجرّد الوصول إلى "مَكان آخر"، وكأنّ ما بعد اللحظة لا يحتاج إلى رواية.
لا تتوقّف الخَسارة عند هذا الحدّ، لا تتجلّى في فقدان البيت، بل في تآكل شُروط العيش نفسها. تتعطّل الأعمال، تتقلّص الموارد، تتغيّر الأولويات، وتَضيق القُدرة على التّخطيط لأيّ مستقبل قريب. بجانب هذه الخسارات الكبرى، يُخلق بداخلنا فقدان أكثر خفوتًا، لا يقلّ أثرًا عن فقدان القدرة على عيش الحياة اليومية بشكلها الطبيعي، أشياء بسيطة كالخُروج إلى العمل، الّذهاب إلى المدرسة، تَرتيب المَواعيد، أو حتى شراء الحاجات الأساسية، تصبح هذه أفعالًا معقّدة أو مؤجَّلة أو مَشروطة باحتمالات غير مستقرّة.. مع الوقت، لا يعود التكيّف خيارًا بل ضرورة تُفرض على الإيقاع اليومي، وتُعيد ترتيب علاقة الإنسان بما كان يعتبره من البديهيّات.
يَفقدُ الإنسان تدريجيًا قدرته على التّخطيط للمستقبَل البعيد، وحتى أن يخطّط ويفكّر للأيام القليلة القادمة. تُصبح فكرة الادّخار، أو البدء بشيء جديد، أو حتى تحديد مواعيد بسيطة، مرتبطة بلا يقين دائم. ما كان بديهيًا يتحوّل إلى شيء مؤجل، لأنّه غير مضمون، ولا يمكنُ البناء عليه.
يُصبح التّفكير بالمستقبَل القريب نوعًا من التّرف.. كلّ ما هو قريب يبدو قابلًا للانقطاع في أيّ لحظة. كيف يمكن التّخطيط ليوم الغد، حينَ لا يَضمن المرءُ استمرار اليوم حتى المساء؟ كيف يمكن تثبيت فكرة عن القادم، إذا كان الحاضرُ غير ثابت؟
مع هذا التحول، يتغير شكل الزمن نفسه، لا يَعود الحاضر مرحلة عابرة بين ما مضى وما سيأتي، يصبح مساحة مغلقة، خالية من الامتداد. يعيش الإنسان داخل لحظة طويلة، لا تُفضي إلى ما بعدَها، ولا يمكن البناء عليها، وكأنّ الزمن فقد قدرته على التمدّد الطبيعي. في هذا النوع من النزوح، لا يحدُث الانفصال دفعةً واحدة، بل يتسلّل إلى التّفاصيل الصغيرة؛ طريق المدرسة، مكان العمل، موعد الزيارة العائليّة، وحتى أبسطَ روتينٍ يومي. أشياء كانت تُرتّب بسهولة، تصبح مرتبطَة بسلسلة من الاحتمالات المفتوحة، ومع الوقت، يتغيّر السؤال؛ من "ماذا سنفعل غدًا؟" إلى "هل سيكون هناك غد أصلًا بالشكل الذي نعرفه؟".
حتى في لحظة البقاء، لا يعود البقاء مضمونًا. المكان الذي يُفترض أنه ثابت يتحوّل إلى مساحة مؤقتة، قابلة للتغيّر في أيّ وقت، تحت ضغطِ الخطر أو الظروف أو الاحتمال المستمر. وهنا، لا يكون النزوح انتقالًا جغرافيًا فقط، بل انتقال داخلي في طريقة إدراك الزمن، وفي طريقة فَهْم ما يعنيه أن "نعيش" أصلًا.. يصبح المستقبَل القريب فكرة غير مستقرّة، والحياة اليوميّة محاولة دائمة لإعادة ترتيب ما يمكن أن ينهار.
يتجلّى هذا الشّكل بوضوح في أكثر من سياق، وإن اختلفَت الجغرافيا والتفاصيل. في غزة، حيث تتكرّر الانقطاعات إلى درجة يصبح معها الروتين هشًّا ومؤقتًا، وتتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من محاولات الاستمرار، وفي الضفة الغربية، حيث لا يحتاج الأمر إلى مغادرَة فعليّة حتى يتبدّل الإحساس بالزمن، تحت وطأة الاقتحامات والحواجز والتّهديد المستمر، الذي يعيد تشكيل معنى الحركة. أما عن مخيمات اللجوء، خصوصًا في لبنان حيث يبدو الاستقرار مؤجَّل باستمرار، وكأنّه وعد لا يتحقّق، حيث تتداخَل الحياة اليوميّة مع هشاشَة قانونية واقتصادية تجعل المستقبل غير قابل للتثبيت.
في كلّ هذه الحالات، لا تحدُث قطيعة واحدة يمكن تحديدها أو تأريخها، بل تراكمٌ بطيء لتحوّلات صغيرة، تتسلّل إلى تفاصيل العيش اليومي، وتُعيد تشكيل الحياة من الداخل دون إعلان واضح.
ربّما لهذا السبب، لا يُلاحظ هذا التغيّر حين يبدأ.. لكنّه يُصبح أكثر وضوحًا لاحقًا.. حين تتراجع الخطط، ويصبح الانتظار هو القاعدة، ويتحوّل الغد إلى فكرةٍ مؤجّلة باستمرار، لا تُبنى عليها حياة، بل تُؤجَّل إليها فقط.

شهد الرزّي
فنّانة فلسطينية وصحافية. حاصلة على درجة البكالوريوس في الإعلام الرقَمي من الجامعة العربية الأمريكية في جنين، وطالبة ماجستير إعلام رَقَمي واتصال في جامعة القدس. يرتَكز عملُها الفنيّ على الكوميكس الصحافي والسّرد البَصَري.



