تَخَيُّل فِلِسْطين المُسْتَقبَل: التَّحليق عالِيًا بـ"العِلْم المُؤَنْسَن"

في أَزمِنَة الأَزمات الممتدّة، لا يَعود تَخيّل المستقبَل ترفًا فكريًا، بل يتحوّل إلى ضرورة معرفيّة وأَخلاقيّة. فالتخيّل هُنا ليس هروبًا من الواقِع، بل محاولة واعية لإعادة صياغته. وبالنسبة للفلسطينيين، حيث يَفرض الحاضر تحديات يومية معقّدة، تَبرز الحاجة إلى مرحلة “تخيّل” منهجية: ماذا لو أُعيد بناء المستقبَل الفلسطيني انطلاقًا من العِلم والتكنولوجيا، لكن أيضًا من منظومة أخلاقيّة واضحة، لا من الخِطاب السياسي أو منطِق القوة؟
تُشير تقارير دولية حديثة حول العلاقَة بين العِلم والتّنمية إلى أنّ المجتمَعات التي تتعامل مع المَعرفة بوصفها أصلًا طويل الأمد، لا أداةً ظرفية، هي الأَقدَر على بناء تنمية مستقلّة ومستدامَة، حتى في ظلّ محدودية الموارد وعدم الاستقرار. من هنا، لا يُطرح السؤال بحثًا عن شعارات، بل عن أدواتٍ ومعاييرَ عملية تُعيد للعلم مكانته كرافعة للنهضة.
لقد أَعادَت التكنولوجيا المعاصِرة تعريفَ مفاهيم التنمية والسيادة والحدود، لكنّها في الوَقت ذاته كشَفت عن أزمة عميقة في العلاقة بين العلم والأخلاق. وهنا يصبح من المُجدي استذكار تجربة العلم في الحضارة العربية-الإسلامية، التي لم تُقدّمه بوصفه أداة هيمنة أو استهلاك، بل باعتباره فعلًا أخلاقيًا في جوهره، ووسيلة لخدمة الإنسان أيًّا كان انتماؤه. كان العلم آنذاك طريقًا لتحسين الحياة، لا حكرًا على جماعة، ولا منفصلًا عن القيم.
ولَيس من باب الحنين، بل من باب الفَهم التاريخي، يُمكن التذكير بأن ما يُسمّى بعصر النهضة الأوروبي لم يولَد في فراغ. فقد استفاد الأوروبيون، بشكل مباشر، من تُراث علمي عربي–إسلامي ضخم، تُرجم ونوقش وطُوّر، وأسهمت أعمال علماء مثل ابن رشد، وابن سينا، والخوارزمي في إعادة تشكيل العقل الأوروبي. وحين أُخذ العلم من سِياقه الأخلاقي والحضاري الأصلي وتحوّل إلى مشروع مستقل عن القيم، نَهَضت أُمم، بينما تراجَعَت أخرى حين تخلّت عن العلم أو حاصرته. والتاريخ هنا لا يُستدعى للمقارنة العاطفية، بل لتأكيد حقيقة واضحة: الأمم تنهض بالعلم، وتسقط حين تتركه.
مَع بدايات الثورة الصناعية الأوروبية، حَدَثت قَطيعة متزايدة بين العلم والأخلاق. تحوّل العلم تدريجيًا من أَداة لفهم الإنسان والطبيعة إلى وسيلة للسيطرة والتّراكم والصراع. مع هذا التحوّل، دخلت البشرية متاهات الاستعمار، وتَسليع الإنسان، وتَصنيع الأمراض، وتطوير أسلحة قادرة على الإبادة الجماعية، إلى جانب شيوع الفكر المادي الاستهلاكي الذي أعاد تشكيل العلاقات الإنسانية ذاتها.
اليوم، ومع التّسارع غير المَسبوق في الذكاء الاصطناعي والأَتمتَة، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا:
هل يتّجه العالم نحو “أتمتة الإنسان” ذاته-فكره، مشاعره، وقراراته-وتحويله إلى كائن قابل للبرمَجَة؟ وهل ما يزال العلم صديقًا للإنسان، أَم أصبح قوّة محايدة ظاهريًا، لكنها خطِرة حين تُفصل عن الضمير؟
دَفَعَت هذه المَخاوف مؤسّسات علميّة دولية إلى تَطوير مواثيق أخلاقية للذكاء الاصطناعي، خاصة في مجالات الطب والتعليم واتخاذ القرار، إدراكًا للمخاطر الناتجة عن فصل التقدّم التقني عن المسؤولية الإنسانية.
غالبًا ما تُناقَش العَلاقة بين العلم والأخلاق في دوائر أكاديمية مغلَقَة، غير أنّ هذه العلاقة، في جوهرها، قضية إنسانية عامة، تَمَس حياة الناس اليومية ومستقبَل الأجيال. من هنا، لا بد أن تكون أيضًا قضية ثقافية، لأنّ بناء الوَعي العلمي لا يكتمل دون وعي قيمي وأخلاقي.
ولا يَبقى الحديث عن العلم كخيار أخلاقيّ حَبيس التنظير، بل يتجلّى بوضوح في مَساحات الابتكار التي وُلدت تَحت الضَّغط. ففي السّياقات مَحدودة المَوارد، حَيث تغيّب التقنيّات المتقدّمة والبُنى التحتية المثالية، يتحوّل الابتكار من سِباق استعراض تقني إلى فعل مَسؤول يَستجيب لحاجة إنسانية مباشرة. في هذا الإطار، بَرَز في الجامعات الفلسطينية اهتمام متزايِد بمجالات مثل التّصوير الطّبي، والصحة الرقمية، وتحليل البيانات السريرية. وقد عَمِل باحثون وطَلَبة دراسات عُليا على تطوير خوارزميات لمعالَجة صوَر طبية مُنخفضة الجودة، بهدف دعم الكَشف المبكّر عن أمراض جلدية وأورام، وهو تحدٍّ شائع في البيئات مَحدودة الموارد. هنا تُقاس قيمة العِلم بقدرته على خدمة الإنسان، لا بإِبهارِهِ السوق.
والمَنطِق نفسه يَظْهَر في قطاع الزراعة، حيث تحوّلت التحدّيات البيئية إلى محرّك لإنتاج معرفة تطبيقية: أَنظِمة ريّ ذكية منخَفضة التكلفة، استخدام الاستشعار عن بُعد، وتَطوير محاصيل أكثر تحمّلًا للجفاف. وقد ساهمَت هذه الحلول في بعض المناطق الفلسطينية في تقليل استهلاك المياه وتحسين الإنتاج، مؤكّدة أن الابتكار لا يُقاس بدرجة الأتمتة، بل بمدى استجابته للحاجة الواقعيّة. وكما تقول الحكمة الشعبية: اللي بيزرع اليوم، بيقطف غدوة.
في السّياق الفلسطيني، يَبقى السؤال عمليًا:
هل نكتَفي باستهلاك علوم الآخرين وتَحميل الأجيال القادمة تبِعات أزمات مستقبليّة في البيئة والأجساد والأفكار؟ أم نستثمر مواردَنا وقدراتنا البشرية الخلّاقة لإبداع علوم منطلقة من أخلاقيّاتنا واحتياجاتنا الواقعيّة؟
وكما تتواصَل الخلايا في أجسامِنا عَبر إِشارات دقيقة لتنظيم الوَظائف والاستجابة للأخطار، يحتاج البحث العِلمي والتّعليم في فلسطين إلى تواصل فعّال بين الجامعات، والباحثين، والقطاع الصناعي، بحيث تتحرّك كل “خلية معرفية” في انسجام لا في عزلة.
في العصر الحديث، لم تعد البنية التحتية تُقاس بالطُرق والمباني فقط، بل بمنظومات البَحث العلمي، وجودة التعليم، وقُدرة المجتمع على إنتاج المعرفة. وتشير تجارب دول صغيرة مثل إستونيا وسنغافورة إلى أن الاستثمار في الإنسان والمعرفة قادر على تجاوز قيود الجغرافيا. ورغم محدودية الموارد، طوّرت جامعات فِلسطينية برامج بحثية في الهندسة، والعلوم الطبيّة الحيويّة، وعلوم البيانات، ما يشير إلى إمكانية تحويل المؤسّسات الأكاديمية إلى مراكز معرفة متخصّصة ذات أَثَر إقليمي.
في الفَضاء الرقمي، استطاعَت شركات فلسطينية ناشِئة أن تَعمل مع أسواق عالمية، معتمدة على الكفاءَة البشرية لا على الحركة الفيزيائية. فهي لا تُصدّر منتجات مادية، بل مَعرفة وخبرة، ما يَجعل الفَضاء الرقمي بنية تحتية بديلة تُقاس فيها القيمة بالإبداع والمهارة. ويشكّل الفلسطينيون في الداخل والشتات ثروة معرفية كبيرة، بينهم أعداد مرتفعة من حملة الشهادات العليا في الطب والهندسة والعلوم. التحدّي لا يكمن في غياب هذه العقول، بل في غياب رُؤية منهجيّة لرَبطها ضِمنَ شَبَكات تَعاون وبَحث مستدامة.
من هُنا، يُصبح الانتقال من التخيّل إلى الفِعل ضَرورة. ربما تبدَأ الخطوة الأولى بمبادرة بسيطة في شكلها، عميقة في أَثَرها: منصّة عِلمية فلسطينية عالميّة، تربط الباحثين في الدّاخل بالشتات، وتُسهّل الإشراف المشترَك، وتخلِق مَسارات تَمويل وتَمكين مَعرفي. ليست منصّة للنُّخب فقط، بل مساحة تفاعل حقيقي، حيث يصبحُ العلم فعلًا جماعيًا وأخلاقيًا.
تخيّل المستقبَل الفِلِسطيني علميًا وأخلاقيًا لا يَعني تجاهُل التّحديات، بل إعادة ترتيب الأولوّيات. فكل مشروع علميّ يبدأ بسؤال: ماذا لو؟، لكنّه يَنضج حين يُطرح مَعَه سؤال أعمَق: لماذا؟ ولأجل من؟
وعندها فقط، تصبح المعرفة أكثر من أدوات وتقنيات، وتغدو خيارًا أخلاقيًا واجتماعيًا يعكس جوهَر الإنسان الفلسطيني وقدرَتِه على الإبداع، رغم كل القيود.
الإحالات:
UNESCO (2021). UNESCO Science Report: The Race Against Time for Smarter Development.
World Bank (2020). Innovation and Entrepreneurship for Development.
World Health Organization (WHO). Digital Health Guidelines and Global Strategy on Digital Health (2020–2025).
Topol, E. (2019). Deep Medicine: How Artificial Intelligence Can Make Healthcare Human Again.
Nature Medicine / Nature Digital Medicine.
World Bank & FAO (2017). ICT in Agriculture: Connecting Smallholders to Knowledge, Networks, and Institutions.
UNCTAD (2021). Digital Economy Report.
World Economic Forum (WEF). The Global Human Capital Report.
OECD (2018). Connecting Diasporas to Innovation Systems.
UNESCO (2022). Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence.
Floridi, L. et al. (2018). AI4People—An Ethical Framework for a Good AI Society.

د. رلى مسعود
مديرة شؤون طبية في شركة Lumenis Be للأجهزة الطبية ومؤسسة شريكة لجمعية نساء عربيات في مجالي العلوم والهندسة AWSC.



