"حَفلَة" "ما بَعدَ الحَقيقَة": هَل "دَعَوتُم" إدوارد سَعيد؟!

أصبح مصطلح "ما بعد الحقيقة" اليوم يتردّد في كلّ مكان. يُستدعى في المؤتمرات، وتُبنى حوله الندوات، وتُنفق عليه العَناوين اللامعة، وتُدعى إليه أسماء فكرية وعلميّة كبيرة لتشرح للناس كيف أصبحنا نَميل إلى تَصديق الرواية أكثر من الوقائع، وكيف صارت الحقيقة نفسها تحتاج إلى من يُدافع عنها في سوق مزدحم بالاحتمالات. وتتنافَس النُخَب والخبراء في تقديم الشروحات: كيف تغيّر العالَم؟ متى فَقدنا البوصلة؟ ولماذا أصبحنا نعيش في زمن تَختلط فيه الحقائق بالآراء إلى حدّ يصعُب معه التمييز بينها؟

أمّا إدوارد سعيد، لو كان موجودًا اليوم، فربما كان سيُحمّل نسخةً من كتابه "الاستشراق" على الفضاء الإلكتروني، ويبتسم ابتسامةً خفيفة، ثم يقول بهدوء يشبه السخرية البارِدة: أهلًا بكم… استغرَق الأمرُ منكم نصفَ قرن لتصلوا إلى هنا.

في عام 1978، لم يكن هناك إنترنت، ولا فيسبوك، ولا حسابات وهميّة، ولا خوارزميات تُعيد تشكيل العالم كلّ ثانية، ولا ذكاء اصطناعيّ يكتب نصوصًا كاملَة في لَحَظات. مع ذلك، كان سعيد يَشرح شيئًا يبدو اليوم مألوفًا بشكل مدهِش، كأنّه وصفٌ مبكّر لما نسميه "ما بَعد الحقيقة". كان يقول إن القضية ليست في الكذِب المباشر، بل في شيء أكثر عمقًا وخطورة: في قدرة القوّة على إنتاج رواية كاملة، متماسكَة، مقنِعة، إلى درجة أنها لا تُعامل كـ "ـرواية" أصلًا، بل كأنّها الواقع نفسه.

لم يكُن الشرق الذي ظهَر في النصوص الاستشراقية هو الشرق دائمًا، بل الشرق الذي احتاجته عينٌ بِعَين القوّة لتراه. ولم يكن الفلسطيني في كَثير من الخطابات السياسية والإعلامية هو الفلسطيني كما هو، بل الفلسطيني الذي صُمّم بعناية داخل سردّيات تحتاجه بهذا الشّكل لا بغيره.

وهنا تبدأ الكوميديا السوداء دون ضجيج.

فبينما ينشغل العالَم اليوم بتحليل "ما بعد الحقيقة" وكأنّه اكتشاف حديث، كان الفلسطينيون يعيشون، منذ زمَن طويل، داخل طبقات متعدّدة من الروايات المتراكِبَة، حيث لا تكفي الوقائع وحدَها لتثبيت الواقع، ولا يكفي الدليل وحدَه لإقناع العالم بما يحدث فعلًا.

اليوم، يَخشى الناس من الخوارزميات لأنها تُعيد تشكيل الإدراك. أمّا سعيد، فقد كان يلمّح قبل عقود إلى أن المؤسسات الأكاديمية والثقافية والإعلامية كانت قادرة على أداء الوظيفة ذاتها، لكن بأدوات أكثر هدوءًا، وأقل ضجيجًا، وأكثر قبولًا.

العجيب في الأمر أن كثيرًا من النقاشات المعاصِرة حول "ما بعد الحقيقة" تبدو كأنها إعادة اكتشاف متأخّرة لشيء قيل بالفعل، لكن بلغةٍ مختلفة، وفي زمن لم يكُن مستعدًا لسماعها.

ربما ليست المفارقة في أنّنا نعيش عصر ما بعد الحقيقة، بل في أننا تأخرنا كثيرًا في ملاحظة أنه كان يعيش بيننا منذ وقت طويل، فقط بأسماء أخرى.

أمّا إدوارد سعيد، فكان يَكتب عنه… دونَ أن يسميّه.


(استعمال الصورة بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات ل [email protected]).

رأيك يهمنا