العَقْل في عَصرِ التّشَظّي: وَفرَةُ المَعلومات "تُغْرِقُ" المَعنى؟

في مَصيَدَة الخوارزميّة
تُجبرك الخوارزميّة على الانزواء في خانات تَحجيم الأشياء، وتَقليصها وكَمشِها وجعْلها مستساغَة، صالحةً لأن تُعرض في دقيقة أو أقلّ، والعزوفِ عن الحَشو والإسهاب وكلّ ما يحتاج إلى وقت وتأمّل. لكن بالله علَيكم! متى كان أيّ شيء أُفرغ من محتواه قسرًا مُشتهًى حقًا؟ مُستساغًا بعض الشيء ربّما، سَريع الهضْم نعم، لكن لا أَرى لذةً حقيقيّة فيه، ولا يمكن مقارنتُه بـ "أومامي" الأَثَر العَميق الذي يستقّر في النفس والعقل بعد خُبوّه وانقضائه. فالأفكار، مِثل الوجَبات الجَيّدة، تَحتاج وقتًا لتُنضجها النار، ووقتًا لتُهضم، وطبقاتٍ من النكهات المعقّدة، وتفاعلاتٍ كيميائيّةً بالقَدر الصحيح كي تَترك أَثَرها.
وربّما لهذا السبب أَشعر أحيانًا أن ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمةَ حقيقة، بل أزمةَ تَعقيد.
ما بَعد الحقيقَة: ليست الأزمةُ غيابَ المَعلومة
عندما دخَل مصطلَح "ما بَعد الحقيقة" إلى قاموس أكسفورد، استُخدم لوصف واقع تتراجَع فيه الحقائق الموضوعيّة أَمام المشاعر والانتماءات والقناعات المسبقَة. لكن بعد سنوات من استخدام المصطلَح، يبدو لي أنّ المسألة أكثر تعقيدًا من مجرّد انتشار الأكاذيب أو تراجُع أهمية الوقائع.
فالحقيقة لم تختفِ. بل إنها لم تكُن متاحة بهذا القَدر في أيّ وقتٍ مَضى.
لم يكُن الوصول إلى الدراسات العلميّة والأرشيفات والوثائق وشهادات الشّهود أسهلَ مما هو عليه اليوم. المشكلة أننا نَعيش في بيئة تَجعل كلّ هذه الحقائق تتزاحَم في المجال نفسه مع الشائعات، والانطباعات الشخصيّة، ونظرّيات المؤامَرة، والمحتوى المصمَّم خصيصًا لاستفزاز مشاعرنا وإثارة حَفائِظنا. وهكذا تَفقد الحقيقة امتيازها القديم بوصفها المرجعيّة الوحيدة، وتُصبح مجرّد صوت آخر عائمٍ في بحرٍ من الصخَب.
في سبعينيّات القرن الماضي كتب هربرت سايمون- مِن رُواد علوم الحاسوب والاقتصاد وعلم النّفس المعرفيّ وحائز على "نوبل" لأبحاثه الرائدة في عمليّة صُنع القرار داخل المنظمات الاقتصادية- أن "وَفرة المعلومات تخلق فقرًا في الانتباه". ربّما استطاع آنذاك بفِراسة العالِم الباحث استشراف مستقبلِنا، وربّما لم يكن يتخيّل عالَمًا يَحمل فيه مليارات البشر مَكتبات كاملة داخل جيوبهم، لكنّ ملاحظتَه تبدو اليوم أكثرَ صحّة من أيّ وقت مضى.
إذن، لَم يَعُد التحديّ الأساسي هو الوصول إلى المعلومات، بل مَعرفة ما الذي يستحقّ انتباهنا أصلًا.
سيكولوجيّة التّضليل
لكَي تَنتصر معلومةٌ مضلِّلة، ليس من الضّروري أن تكون أكثر إقناعًا مِن الحقيقة. يكفي أحيانًا أن تكون أكثرَ إثارة. أكثرَ قُدرة على إثارة الغضَب أو الخَوف أو الدّهشة. فالخوارزميّات التي تنظّم جزءًا كبيرًا مما نراه يوميًا لا تَسأل بالضرورة: ما الأَكثر دقّة؟ بل: ما الأَكثر قُدرة على إبقاء المستخدِم أَمام الشاشة؟ وبذلك لا تُعاد صياغة الأخبار وحدَها، بل يُعاد تشكيل وعيِنا نفسه. فالقضايا المعقَّدة تُختزَل إلى شعارات، والنقاشات الممتدّة إلى مَقاطع قصيرة، والحروب إلى صوَر منفصِلة عن سياقها، والإنسان إلى هويّة أو موقف سياسيّ جاهز.
بِحُكم عملي في الصحافة العلميّة، أُواجِه هذه المعضلة بشكلٍ يوميّ تقريبًا. فكثير من المعلومات المضلّلة التي تَصل إلى الجمهور لا تبدو رديئة أو ساذجة كما قد نتخيّل. بل على العَكس؛ قد تكون مكتوبَة بلغة أنيقة، ومزيّنة بمصطلَحات علميّة، ومَدعومة بإشارات إلى "خبراء" و"دراسات" و"أبحاث حديثة". وأحيانًا لا يكون الخَلل في المعلومة نفسها، بل في طَريقة عرضِها، أو في اقتطاعها من سياقها، أو في إخفاء جُزء من الصورة.
لكن ما يُثير اهتمامي أكثرَ هو أن كثيرًا من الناس لا يصدّقون هذه الادّعاءات بسبب قوّتها العلميّة، بل بسبب انسجامها مع ما يَرغبون أصلًا في تصديقه.
يقدّم علم النفس المعرفيّ مفهومًا يُعرف بـ "الاستدلال المَدفوع بالهويّة – Identity protective reasoning". فالبشَر لا يبحثون دائمًا عن الأدلّة التي تَقودهم إلى الحقيقة، بل يَنحازون للأدلّة التي تَحمي تصوّراتهم المسبقَة وانتماءاتهم الاجتماعيّة. لذلك قد لا يكون الخِلاف حول المعلومات نفسها، بل حَول الهويّات التي تهدّدُها هذه المعلومات أو تدعمُها.
نَرى ذلك بوضوح أيضًا في العلوم والبيئة والصحّة، وهذه مجالات تَبدو للوهلة الأولى بعيدةً عن السياسة والأيديولوجيا، لكنّها ليس بمنأى عن منطِق ما بعدَ الحقيقة.
هَوَس الـ Wellness والترندات: إِغراء الإجابات البَسيطة والحُلول السحريّة
بَعد أن عَصفت بالعالم "الجائحة المعلوماتيّة" في عَهد الكورونا، انتشرَت مؤّخرًا ثقافات دخيلةٌ كثقافة "الطيّبات" (Wellness)، على سبيل المثال لا الحصر، بوصفها سوقًا هائلة للأفكار والمنتَجات والنصائح الصحيّة الطلائعيّة التّي تحرّر الإنسان من عبودية صناعات الأدوية والغذاء، مرتكزةً على نظريّات المؤامرة في جزء لا بأس به من الطَّرح. وبينما تَستند بعض هذه النّصائح إلى أُسس علميّة حقيقيّة، فإن كثيرًا منها يقوم على خَليط يصعب تفكيكه من الحقائق الجزئيّة والتّجارب الشخصيّة والوعود الكبيرة. فتُصبح مشكلاتٌ معقّدة كالإرهاق المُزمِن أو السُّمنَة أو القَلَق أو تَساقط الشَّعر قابلةً للحلّ، بحسب أصحاب هذه السرديّات، عبر مكمّلٍ غذائيٍّ جديد أو حِمية معيّنةٍ أو مسحوق سحريّ أو "Detox- تنقية وطرْد السّموم" من الجسم.
المشكلةُ هنا ليست أنّ كلّ ما يُطرح خاطئ بالضّرورة، بل أنّ الحدود بين المعرفة العلميّة والتّجربة الشخصيّة والتّسويق تُصبح ضبابيّة. فشهادة مؤثّرة على وسائل التواصل قد تبدو أكثَر إقناعًا من عشرات الدّراسات العلميّة، لأنّها تقدّم قصّة واضحة وبطلًا ونتيجةً ملموسة. أمّا العلم، بطبيعته، فيتحدّث بلغة الاحتمالات والقيود والاستثناءات، وهي لغةُ المنطقِ لأُولي الألباب، لكنّها حتمًا أقل جاذبيّة بكثير.
وهكذا نَجد أنفسَنا أَمام مفارَقة غريبة: فكلّما ازداد اهتمام الناس بالصّحة، ازداد تعرّضهم لمعلومات صحيّة غير دقيقة على أفضَل تقدير. وكلّما ازدادت كميّة المعرفة المُتاحة، ازداد الطّلب على الإجابات السّريعة والبَسيطة لمشكلات لا تملك أصلًا حلولًا بسيطة. تَحُلّ المُصيبة الأكبر حينما تقع فئاتٌ مستضعفةٌ متعطشةٌ للخَلاص في حبائل وهْم العلاجِ الذي تلوّح به بعض هذه "الترندات"، فيَنساقون وراءَه مُعرّضين أنفسَهم وربما من حَولهم أيضًا لخطرٍ حقيقيّ مهدّد للحياة.
مَعركة الرّواية وفلسَفَة المُقاوَمة بالعُمق
أمّا في سياقنا الفلسطينيّ، تبدو المسأَلة أكثر تعقيدًا. فمنذ سنوات، وخصوصًا خلال حرب الإبادَة على غزة، لَم تَعد المعركة تَدور فقط حول ما يَحدث على الأرض، بل حول من يَملك القدرة على روايته. من يوثّق؟ ومن يَحذف؟ ومن يُقرّر أيّ صورة ستبقى في الذّاكرة الجمعيّة بعد سنوات؟ ومن يحدّد أيّ الوقائع ستتحوّل إلى أرشيف وأيّها ستَغرق في بحر المحتوى المتدفّق بلا توقّف؟
وربّما لهذا السّبب لا أعتقد أنّ مواجهَة ما بعد الحقيقة تَبدأ بتطوير أدوات التحقُّق أو سنِّ القوانين أو تَحسين الخوارزميّات فحسب، بعيدًا عن هويّة وأيديولوجية المالكين وأصحاب القرار، رغم أهميّة كلّ ذلك. فهذه الأَدوات تعالِج جزءًا من المشكلة، لكنّها لا تمسّ جذورها بالكامِل، ولا تَحفِر في العُمق البشريّ ذاته الذي طاله العَطَب.
ما نَحتاج إليه، في رأيي، هو إِعادة بناء علاقتنا بالمعرِفة نفسها من جديد.
أَن نتعلّم التباطُؤ في زمن السّرعة، وأنّ نؤجّل مشاركَة الخبر قبَل التحقّق منه. أن نقرَأ ما بَعد العنوان، وأن نمنَح الأفكار المعقّدة فرصَة للاستقرار في نفوسنا والبَقاء مَعنا أكثر من دقيقة واحدة.
أن ندرّب أنفسنا على التعرّض لوجهات نظَر مختلفة، لا لأنّ جميع الآراء متساوية بالضّرورة، بل لأنّ الانغلاق داخل غرَف الصدى يجعلُنا أكثرَ هشاشَة أَمام التّضليل. وإذا كانت الخَوارزميّة تُحاول باستمرار أن تُحيطنا بأَشباهِنا، فربّما تكون المقاوَمة في البَحث المَقصود عن المختلِف.
أنْ نَستعيد أيضًا شيئًا من الاحترام لمفهوم الخِبرة. ففي زمَن الذكاء الاصطناعي والمنصّات الرقميّة، يبدو أحيانًا أن رأي شَخص قضى عشرين عامًا في دراسة موضوع ما، ورأي شخص قرأ عنه منشورًا عابرًا قبل ساعة، يتمتّعان بالمكانة نفسها على الشاشة. لكنّ المساواة في القُدرة على النشر لا تَعني المساواة في المَعرفة.
لعلّ التحدّي الأكبر اليوم ليس حمايَة الحقيقة من الكذب فحسب، بل حِماية قُدرتنا على التّفكير الفطريّ المعقّد من الإغراء الدائم للتّبسيط، أقولُها أنا التّي أَدرُس بجدّ كلّ الوسائل التّي تمكّنني من إمتاع قرائنا من رفاهية المعلومة المبسّطة، لذا أَقصِد بالتّبسيط المنبوذ في هذا المقام ما قد يَنتقِص من المعلومة أو يَشوبُها فيجعل من الحقيقة قابلةً للتّأويل، ويضلّل من يتناولها. فالحقيقة ما زالت موجودة، لكنّها أصبحت تتطلّب جهدًا أكبر للوصول إليها. ليس لأنها اختفَت، بل لأن كلّ شيء حولها يتكالَب على نَيل انتباهِنا في الوقت نفسه.
وربّما تكون المقاومة الأكثر هدوءًا، لكن الأكثر وَقعًا في عصر ما بَعد الحقيقة، هي أَن نُحافظ على الطّفل الفضوليّ القابِع في داخِلِنا، وأن نُقاوم رغبةَ اليَقين المتسرّع رغم إغرائيّتها، وأن نَقبَل بأنّ بعض الأسئلة أكبر من أن تُختزَل إجاباتها في منشور، وبعض النّقاشات أَعمقُ من أن تُحسَم في دقيقة.

رقيّة صبّاح - أبو دعابس
حاصلة على ماجستير في أبحاث جهاز المناعة والسرطان ومحررة موقع دافيدسون للعلوم بالعربيّة.



