Come Visit Gaza | العَسْكَرَة الاصْطِناعِيّة: مَكائِد "الدَّفْن الرَّقَمي" لسَردِيَّة الضَّحِيّة!

يتخيَّلنا الآخرُ غَير موجودين، يمارِس محوَنا فعليًا بجرائم تَنتهك حقّ الوجود، وما الإبادة الجَماعيّة في غزة إلّا تجسيد حقيقيّ لهذا التخيّل. لا يَقف الأمر عند هذا الحدّ فحسب، بل إن هنالك عنفًا تخييلًا يتشكّل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي كأداةٍ مباشرة في حرب التكنولوجيا وتشكيل الخَيال السياسيّ، بَعد محاولات مَحو الواقع الفعلي وتغييره!
فبدلًا منَ الاكتفاء بالقتل والتّهجير والتّضييق وجعْل الحَياة مستحيلة في غزة، فإن حربًا أُخرى تَمتدّ وتَقفز على مشهد الواقع لتَصنع خيالًا عنيفًا لا يقلّ عن الواقع الفعليّ بإلغاء الآخر ومَحوه، إذ يَستخدم الآخرُ الآن الذكاء الاصطناعي -مع تحفّظي على المصطلح- كأَداة سياسيةّ ضمن مشروع استعماري ممتدّ مع بدايات الاحتلال الإسرائيلي وإِن كان بأدوات أُخرى، فالتّخييل الذي يُمارسه الاحتلال لم يتوقّف، ولم يبدأ فقط منذ إبادة غزة، لكنّه أصبح أكثرَ فَجاجة ووضوحًا من قبْل.
ساحات اشتباك اصطناعيّة طاحِنة!
مِن أين نبدأ، من اليوم أَم من بداية الاحتلال الإسرائيلي أَم ما قبلَ ذلك؟ ربّما معركتنا وحروبنا ليست ميدانية دائمًا، إنّما هي ساحات معارك وساحات اشتباك متقاطِعَة معقّدة تتزاحَم فيها السردية الإعلامية والثقافية والفكرية وحتى التّخييليّة. هنالك محَطات فارِقة في معركة سرديّتنا الفلسطينية أو سرديّة الآخر الذي يُحاول ذبْحنا بشتى الطُرق، ولا يكتفي ولا يتوقّف، وإن كنّا نحاول أن نركّز على التحوّل التكنولوجي وسيطرة الذكاء الاصطناعي (مع تحفُّظي مرة أخرى على إعادة استخدامه كمصطلح بريء لا عَلاقة له بمعركة نخوضُها بالدمّ)، فقد باتَ أداة سياسيّة اصطناعيّة تَسلبنا حقوقنا ووجودنا كبشر، وتَسعى لسلب حقّنا التاريخيّ وإرثَنا في أرضنا وهويتنا وثقافتنا، فهو ليس ذكاءً، بل عَسكَرَة اصطناعية تَسعى لسحقِنا ووأْدنا وجوديًا ورقميًا أيضًا، لم تتوقّف هذه المراحل كما ذَكَرتُ إنّما تطوَّرت كما رأيناها بوضوح في السنوات الثلاث الأخيرة في غزة، فالتّشكيك بروايتنا الفلسطينية، وحَذفُ الحقائق وتشويشها وحَذف توثيق الجرائم المرتكَبة، والسّعي لخلق الفَوضى الرقميّة والتّقييد وتضييق الخِناق الرقمي، وفي الوقت نفسه مَنعَ أيّ تغطية إعلامية على الإطلاق للإعلام الدولي في غزة، وفرض رؤية واحدة تتعلّق بالاحتلال وبما يُريد تَظهيره، إضافة إلى استهداف الرواة الحقيقيّين الصحافيين، وكلّ مَن يَنقل الحقائق يصبح هدفًا للقتل والتّحريض، كلّ ذلك هو دلائل بيّنة على استهدف الحقيقة وفَرض رواية بعينها وتَزييف الحقائق.
لم يتوقّف الأمر على ما ذُكر، فاستخدام أدوات الرقابَة وبرامجها وحَذف المحتوى الفلسطيني وشِراء قنوات ومنصّات رقميّة ووسائل إعلام وشراء ذِمم الكثير من المشاهير لتَرويج الرواية الإسرائيلية، هو جزءٌ من حْملة سياسية عسكرية ممنهَجة لامتلاك المنصّات، وبالتالي ترويج ما يرغَب الاحتلال في ترويجه؛ هي معركة السرديّة، لكنّها تغدو أكثر عنفًا وشراسة في عصر التحوّل الرقميّ والافتِراء الاصطناعي.
تَبدو هذه المراحل جميعها وكأنّه لا حدّ زمنيًا لها، فهي تَسير بموازاة استمرار القتل والتّدمير ومَحو الحقائق على الأرض وتَشويه المفاهيم، وخلقِ منصّات جديدة تُنتج إجابات محرَّفة ومشوَّهة، في عملية تكامُلية مستمرّة منذ عقود، لكنّها باتت أكثر وُضوحًا وشراسة بفعل الثورة التكنولوجية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وكون الاحتلال يمتلك أَحدَث أدوات الذكاء الاصطناعي فإنّه أيضًا يعمَل بشراسَة أكبر على الدّفن الرّقَمي- إن جاز لي التّعبير- لأيّ أَدلّة أو حقائق قد تؤثّر على أهدافه والمتمثّلة بنزعِ الإنسانية عن الفلسطيني، ونَفي الإبادة الإعلامية واستهداف الصّحافة، وتشويه الحقائق ومحوها وخلقِ وقائع جديدة وأخرى تخييلية لغزة!
"Come Visit Gaza"
تَعالوا لزيارة غزة، عنوان فيديو قصير نُشر في العام 2024 على منصّة البثّ الأمريكية US streaming platform Hulu لم تَتجاوز مدّته الـ 39 ثانية، يقدّم "غزة السياحيّة". الفيديو إعلانيّ يُصوِّر غزة كمدينة سياحية مثاليّة، بشواطئ جميلة نظيفة، تَظهر فيها فنادق فاخرة وسياح، ثمّ فجأة يَنتقل لمشهَد الدّمار والخراب الذي أَحَلَّتهُ بها الإبادة، لكن الفيديو يُحاوِل، برسالة ضمنيّة، أن يُلقي المسؤولية على الضحية، ويَمزج بين الواقعيّة الاصطناعية والخيال، ويَعرض مستقبلًا خاليًا من الفلسطينيين ضمنيًا!
ما وراءَ الحقيقة، وما وراء الفيديو التّخييلي المكثَّف، نَقرأُ الكثير من المَضامين المخفيّة، فهو يُجافي الواقع تمامًا، فهنالك احتلال يتربّص بالفلسطيني ويدمِّر مدينته ويحاصِر أهله وشعبَه، يُلقيهم جميعًا في الخيام في واقع مزرٍ بلا أَمَل ولا أُفق، يعانون بعيدًا عن الكاميرات والتّغطية الإعلامية التي يمنعها الآخر بقوّته وغطرسته وتجاهله كلَّ المواثيق الدولية، بينما يصمّم بأدواته وبرامجه المتطوّرة، فيديو يَقلب علاقة الضحيّة والمتسبّب بالعنف، فهو يقوم بما نسميه "الانعكاس الأخلاقي"، حيث جَعَل الفاعلَ منقِذَ المدينة، الفاعلُ؛ أي المُجرم مرتكِب الجرائم، يُصبح هنا هو من يُريدها بهذه الصورة الجميلة الخياليّة، ويَجعل من الضحايا مسؤولين عن المأساة. هذا النّوع من السرديّات باستخدام الذكاء الاصطناعي إنّما هو من أخطَر السرديّات التي تُحدث تأثيرًا سريعًا مركّزًا ومكثّفًا، وحتى لو كانَ -كَما في الفيديو -غَير حقيقيّ، فإنّه يجعل المتلقّي متألّمًا لأجل مدينةٍ لا يعرفها ويتعاطَف مَع مَن سينقذُها وهو لا يُدرِك أنّه هو المعنِّف الأساسي والمتسبّب بالإبادة.
وقد وصَفَت الباحثة دوناتيلا ديلا راتا ذلك بـ: العُنف التّخييلي (Speculative Violence) إذْ لا تَكتفي هذه الممارَسات بإخفاء العُنف، بل تَخلق واقعًا بديلًا، وتُعيد تَشكيل الوعي الجَماعي، وبالتّالي: الذكاء الاصطناعي لا يُستخدم فقط للتّضليل، بل كأداة لإعادة كتابة المستقبَل نفسه.
كما يَقوم الفيديو بعمليّة "إزاحَة أخلاقية"، فهو يُقدّم التّخييل لمدينة دمّرها الاحتلال وارتكب فيها أبشعَ جرائم الحرب، ورغم وضوح الجَرائم والمطالَبات بملاحَقَته فهو يُزيح عن كاهله أيّ مسؤوليّات أخلاقية لارتكاب الجَرائم، بل يُحمّلها للضحايا مَن قامَ بقتلهم وتَدمير مدينتهم؛ وسَعى من خلال التّخييل المستقبلي لنقلِ مركَز المسؤولية من الفاعِل المعنِّف العسكري إلى الضحيّة أَو إلى البيئة الفلسطينية نفسها.
فالرسالة الضمنيّة ليست فقط أنّ غزة دُمّرت بسبب "حماس"، بل أن الفلسطينيين خَسروا مستقبَلهم السياحيّ والحضاريّ بسبب أنفسهم. بهذا عَمِد الفيديو لتَحويل الضحيّة من موضوع تّعاطف إلى موضوع اتهام.
هذا هو جَوهر "التّخييل الذي يمارسه الفاعِل"؛ أن يُنتج الفاعِل سرديّة خياليّة تجعل عنفَه يبدو نتيجة ضرورية، أو ردًا متوقعًا، وهو بذلك يُعيد صياغة السرديّة الاصطناعية بطريقته، فهو لا يكتفي بالتّشكيك بالوقائع، ولا يكتفي بمَحو حقائق الجرائم المرتكَبة ولا بخَلقها بل أيضًا يتقدّم بسرعة مُخيفة ليمارس عُنف السرديّة الاصطناعية المستقبليّة.
مما يُثير الحَفيظة هو انتزاعُ السياق التاريخي والحقوق الفلسطينية وإخفاء مَلامح الناس ومَعالم المدينة، إخفاء وجهِ غزة والبَحر والّذاكرة والثقافة والفَقد والحصار والصّمود والحياة اليومية العادية الحقيقيّة، وبِناء تخييل يَمحو حكايات الفلسطيني ومعاناته ونضاله وبقائه في أرضِه، وتقديم غزة كواجهةٍ سياحية كأيّ مدينة ساحلية، فقط منزوعةَ الحضارة والتاريخ والجُذور، وتقديم المحتل المعنِّف والمدمِّر والقاتل كأنّه المُخَلّص!
هنالك الكثير من أمثلة التّخييل الإعلامي الاصطناعي، كالفيديو الذي نشرَه الرئيس الأمريكي ترامب، “Trump Gaza”، الذي انتشر على نِطاق واسِع، وصَوَّر غزة كمكان سياحيّ فاخر خالٍ من الفلسطينيين.
بَعد ذلك، نَشَر وزير العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلي فيديو مشابهًا يُظهر غزة كمدينة مستقبليّة متطوّرة، مرفَقًا بعبارة: "هذا ما ستبدو عليه غزة في المستقبَل… إمّا نحن أو هم"، وغيرها من فيديوهات وصوَر. لا تَعكس هذه الأمثلة مجرّد خيال، بل تُعبّر عن رؤية سياسيّة حقيقيّة، وفي هذا السّياق، يَعمل الذكاء الاصطناعي كأداة استعمارية قويّة، تُعيد تَشكيل المستقبَل، وتَمحو العُنف من الذاكرة.
العَسكرَة الاصطناعيّة!
العسكَرَة الاصطناعية Synthetic Militarism مفهومٌ طَرَحَته الباحثتان Adi Kuntsman وRebecca L. Stein لوصف استخدام المحتَوى البَصري المُنتَج بالذكاء الاصطناعي، مِثل الصور والفيديوهات الاصطناعية، كجزء من الحرب الإعلاميّة والسياسيّة في سياقات الحَرب والإبادة، إذ أوضَحَتا أن العسكَرة الاصطناعية هي توظيف الصوَر والمحتَوى البصريّ الاصطناعي، مَع ممارسات إعلاميّة مرتبطة بها، لخدمة أهداف عسكريّة وسياسيّة، سواء عَبر التّشكيك في الأدلة الحقيقيّة أو عبر إنتاج واقعٍ بصريّ بديل يَخدِم سرديّة القوة.
في نموذج غزّة، فإنّ الدراسة تُشير إلى أنّ هذا المفهوم يَعمل من خلال مسارَين أساسيين: الأول: الشكّ الرقميّ؛ أي اتّهام الصور والفيديوهات الفلسطينية الحقيقية بأنها مُفبرَكة أو مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، بهدف َنزْع مصداقيّة الأدلّة البصريّة الفلسطينية. والثاني: التّخييل الذي يمارسه الفاعِل؛ أي استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور أو فيديوهات تتخيّل مستقبلًا سياسيًا بديلًا، مثل تصوير غزة كمنتجع سياحي أو كفضاء "نظيف" بعد مَحو آثار الدمار والمسؤوليّة.
إذْ تُقدِّم Kuntsman وStein مفهوم العسكَرَة الاصطناعية بوصفه إطارًا لفهمِ كيف تُعيد الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي تَشكيل المشهَد الإعلامي للحرب والإبادة، من خلال نظامٍ مزدوَج يقوم على تسليح الشكّ في الأدلّة البصريّة، وفي الوقت نفسه إنتاج واقع اصطناعيّ بديل يَخدم السرديّات السياسية والعسكرية.
إنّ المنتجَ المعدَّ بالذكاء الاصطناعي، ليس إنتاجًا بريئًا وليس ذكاءً اصطناعيًا، فقد تجاوزَ الاستخدام ليصبح أداة ساحِقة من أدوات الحرب الأكثر شَراسة، وليُعيد الاشتباك في ساحات اصطناعيّة لصراع السرديّات، إمّا نَحن أَو هُم.
وفي ساحةٍ لا تزال في أرض الواقع تُقتَل فيها المدينة ويُحاصَر ويوجَع أصحاب الأرض والحقّ والتاريخ والثقافة، فإن معركةً طاحنة ستمتدّ لطحنِ الرواية الفلسطينية وطَمسِ الحقائق والجرائم التي لا تزال تُرتكب الآن بحقّ غزة، وإن لم نَستَفق ولم نتكاتَف لحماية أنفسنا وروايتنا فإنّنا سنصبح وهمًا في رواية الآخر.
غزّة لم تَمُت ولن تَموت رغم شَراسة العسكَرة الاصطناعية، لكن علينا أن نَعمل متكاتفين لتثبيت حقّنا وتوثيق روايتنا، وهو ما يجِب أن يقوم به الكلّ الفلسطيني بمؤسّساته وسُلطَته ومُحبّيه ومُناصريه.




